English  

كتب state organization

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تنظيم الدولة (معلومة)


العمارة

غدت قرطبة في عهد الناصر واحدة من أعظم مدن العالم، بل ونافست بغداد بهائها وعظمتها وفخامتها، واتسعت حتى بلغ عدد سكانها في عهد عبد الرحمن الناصر نحو نصف مليون نسمة، وشرطتها 4,300 شرطي وبها 3,837 مسجد ومائة وثلاثة عشر ألف دار، ونحو ثلاثمائة حمام عام، وأرباضها ثمانية وعشرين ربضًا حول المدينة، ولها سبعة أبواب، كما كثرت بها القصور والمتنزهات الفخمة، فبلغت شهرة قرطبة حينئذ الآفاق. وقد اهتم عبد الرحمن الناصر بالعمارة والبناء أيما اهتمام حتى أنه خصص ثلث الخراج كل عام لهذا الشأن.

ومن جملة أعماله في هذا الشأن، بنائه لقصر منيف إلى جوار القصر الزاهر في قرطبة - الذي كان مقامًا للملك – سمّاه "دار الروضة" جلب له الماء في مجاري تنبع من رؤوس الجبال، وقد جلب له في بنائه الآف العمال والفنانين من شتى البقاع. كما أنشأ الناصر عددًا من المتنزهات العظيمة في ظاهر قرطبة، جلب لها أيضًا الماء من الجبال.

تأسيس مدينة الزهراء

يعد تأسيس مدينة الزهراء أعظم أعمال عبد الرحمن الناصر في مجال العمارة والبناء. بنيت الزهراء شمالي غرب قرطبة بنحو خمسة أميال، لتكون قاعدة ملكية جديدة بعدما ضجت قرطبة بساكنيها وازدحموا بها. وعن سبب تسميتها، ساق لنا المقري قصة في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" عن سبب ذلك، فقد قال إن سبب تسمية المدينة باسمها أن عبد الرحمن الناصر ورث عن جارية له مالاً كثيرًا، فأمر أن يستخدم هذا المال في افتداء أسرى المسلمين، فلم يجدوا من يفتدوه بهذا المال. حينئذ، أشارت عليه جارية له تسمى "الزهراء"، بأن يبتني تلك المدينة وأن يسميها باسمها لتكون سكنًا خاصًا لها.

شيدت الزهراء في سفح جبل يسمى "جبل العروس"، وقد بدأ البناء بها في غرة المحرم من عام 325 هـ، واستمر البناء بها ما بقي من عهد الناصر ومعظم عهد ابنه الحكم المستنصر، أي ما يقرب من أربعين عامًا، وقد عهد عبد الرحمن الناصر لابنه الحكم بأمر الإشراف على بناء تلك المدينة، التي خطّ تصميمها المهندس مسلمة بن عبد الله.

جلب الناصر لبناء الزهراء المهندسين والعمال والفنانين من شتى المدن، وبالأخص من بغداد والقسطنطينية، وقد استخدم البنائين فيها أنواعًا عدة من الرخام الأبيض والأخضر والوردي الذي جيء به من كورتي ألمرية وريُّة ومن إفريقية والشام والقسطنطينية، كما استخدم فيها أربعة الآف وثلاثمائة وأربع وعشرين سارية مختلفة الأحجام من الرخام. وقد بلغ عدد العمالة اليومية في بناء تلك المدينة عشرة الآف عامل كل يوم، إضافة إلى ألف وخمسمائة دابة لنقل مواد البناء، يستخدمون ستة الآف قطعة من الصخر المنحوت في البناء. وقد خصص عبد الرحمن الناصر ثلاثمائة ألف دينار كل عام لعمارة الزهراء، عدا ما أنفقه ابنه الحكم بعد ذلك.

شيد عبد الرحمن الناصر في مدينة الزهراء قصرًا عظيمًا كان آية في الفخامة والجلال سمّاه "قصر الخلافة"، أحاطه بالرياض الغناء والجنان الساحرة، وجعل جدرانه من الرخام المزدان بالذهب، وفي كل جانب من جوانبه ثمانية أبواب، وقد زينه بالتماثيل والصور البديعة، كما جعل في وسطه صهريجًا عظيمًا ملأه بالزئبق. خصص الناصر الجناح الشرقي من القصر لإقامته، وزوده بأنفس التحف والعجائب، من بينها حوضًا منقوشًا بالذهب أهداه إليه قيصر القسطنطينية، إضافة إلى حوض آخر مُزيّن بإثني عشر تمثال من الذهب المرصع بالجواهر يخرج الماء من فيها إلى الحوض أهداه إليه وزيره أحمد بن حزم.

وفي الزهراء أيضًا، شيد الناصر مسجدًا جامعًا في ثمان وأربعين يومًا فقط. استخدم الناصر لإتمام بناء هذا المسجد ألفًا من المهندسين والعمال والفنانين في اليوم الواحد، وجعل للمسجد قبابًا وأعمدة فاخرة. كان طول المسجد 97 ذراعًا وعرضه 59 ذراعًا وأرضيته من الرخام الخمريّ وفي وسطه فوّارة يجري فيها الماء، وقد حمل إليه منبرًا بديع الصنع والزخارف آية في الجمال. كما بنى الناصر في الزهراء دارًا عظيمة لصناعة الأسلحة وأخرى لصناعة الزخارف والحلي. وقد انتقل عبد الرحمن الناصر للإقامة في الزهراء عام 329 هـ، بعد أن تم بناء القصر والمسجد الجامع.

بلغت مساحة الزهراء تسعمائة وتسعون ألف ذراع، حتى أنه من فرط اتساعها قدّر المؤرخون عدد مصاريع أبوابها بنحو خمسة عشر ألف مصراع ملبّسة بالحديد والنحاس. بعد انتقال الخليفة إلى المدينة، إتخذ الأمراء وكبار القادة ورجال الدولة منازلاً لهم بالمدينة، فاتسعت الزهراء حتى اتصل عمرانها بقرطبة.

ورغم عظمة المدينة وأبهتها وما أنفقه عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر في عمرانها، إلا أنها لم تدم طويلاً كقاعدة للحكم في الدولة الأموية في الأندلس، حيث انتقلت قاعدة الحكم عام 368 هـ في عهد الخليفة هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر إلى مدينة الزاهرة التي أسسها الحاجب المنصور بن أبي عامر رجل الدولة القوي الذي كانت بيده مقاليد الحكم في عهد هشام المؤيد بالله، بل تدمرت الزهراء تمامًا خلال الحرب الأهلية التي دارت بين أمراء البيت الأموي في الأندلس طمعًا في عرش الخلافة في بداية القرن الخامس الهجري، ولم يبق من الزهراء سوى أطلال، ظلت باقية إلى القرن السابع الهجري.

عمارة المسجد الجامع في قرطبة

كأسلافه، اهتم عبد الرحمن الناصر بعمارة المسجد الجامع في قرطبة، فجدّد واجهة المسجد، وإلى اليوم لا تزال اللوحة التي تنوه بهذا العمل تزين أحد أبواب المسجد، الذي حوّله الإسبان بعد سقوط قرطبة إلى كاتدرائية عظيمة، وقد كُتب على تلك اللوحة بخط كوفي : «بسم الله الرحمن الرحيم. أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أطال الله بقاؤه ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه تعظيمًا لشعائر الله ومحافظة على حرمة بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر وجزيل الذخر مع بقاء شرف الأثر وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله في شهر ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب».

وفي عام 340 هـ، هدم عبد الرحمن الناصر منارة الجامع القديمة، وشيد مكانها منارة عظيمة مربعة الجوانب لها أربعة عشر شباكًا ذات عقود تحتوي على سلمين أحدهما للصعود والآخر للهبوط، في كل منها 107 درجة، وطولهما 80 ذراعًا حتى موضع ارتقاء المؤذن، وفي قمتها ثلاث تفاحات كبيرة اثنان منهما من الذهب والثالثة من الفضة، إذا وقع ضوء الشمس عليها تخطف الأبصار. وفي عام 346 هـ، زاد الناصر في عمارة المسجد الجامع زيادات كبيرة.

الجيش والأسطول

في ظل حالة التردي التي وصل إليها حال الدولة الأموية في الأندلس قبل تولي عبد الرحمن الناصر عرش الإمارة، كان لزامًا على عبد الرحمن أن يهتم غاية الاهتمام بأمر الجيش وإصلاحه وإمداده بالأسلحة والذخائر وتدريب الجنود، فالجيش هو الأداة التي كانت ستمكنه من استعادة السيطرة على شئون البلاد الداخلية والخارجية. كما اهتم عبد الرحمن بأمر الأسطول، وأضاف إليه سفنًا جديدة، حتى بلغ حجم الأسطول في ألمرية قاعدة الأساطيل الأندلسية مائتي سفينة متعددة الأنواع والأحجام، إضافة إلى تلك السفن التي تمركزت في المغرب بعد ضم سبتة وطنجة. بل وخصص عبد الرحمن ثلث خراج الأندلس للإنفاق على الجيش والأسطول ودعمهما.

وفي إطار دعم وإصلاح عبد الرحمن للجيش، أراد عبد الرحمن أن يحدّ من سلطة العرب والبربر داخل الجيش، لما وجده منهم من نزعة للخروج على طاعة الأمير، ولجوئهم للتمرد على سلطته متى وجدوا الفرصة سانحة لذلك. فعَمِدَ عبد الرحمن إلى الاعتماد على عنصر آخر من عناصر المجتمع الأندلسي لا عصبية لهم وضيعي المنبت، وهم عنصر الصقالبة، الذين لجأ إلى الاستكثار منهم في صفوف الجيش، وتولية بعضهم للمناصب الهامة في الجيش، حتى أن أحدهم وهو نجدة الصقلبي كان قد أصبح قائدًا أعلى للجيش في فترة من فترات حكم عبد الرحمن الناصر. واستبعد عبد الرحمن رؤساء القبائل والزعماء من مناصبهم بالتدريج، ليجمع عبد الرحمن بذلك مقاليد الحكم كلها بيده. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وتخلص عبد الرحمن من كل من سولت له نفسه منازعة عبد الرحمن في ملكه، حتى أقرب الناس إلى عبد الرحمن نفسه. فقد بلغه أن ابنه عبد الله يأتمر به مع بعض فتيان القصر وبعض رجال الدولة، فأمر عبد الرحمن بالقبض على كل من شارك في تلك المؤامرة، وأعدمهم كلهم. وفي حادثة أخرى، أعدم عبد الرحمن بعض أبناء عمومته حين بلغه أنهم يأتمرون به.

لم يقتصر اعتماد عبد الرحمن على عنصر الصقالبة في الجيش فقط، بل وقلّدهم عددًا من المناصب الكبرى في القصر وإدارة الدولة، فبرز منهم أفلح صاحب الخيل، ودرّي صاحب الشرطة، وياسر وتمام صاحبي النظر على الخاص. ومع ارتفاع شأن تلك الطبقة في عهد عبد الرحمن الناصر، نمت ثروات الصقالبة، فأصبحوا يمتلكون الضياع والأموال، وقد قدّر بعض المؤرخين عددهم في القصر والحاشية بثلاثة عشر ألف وسبعمائة وخمسين، وفي مدينة الزهراء وحدها ثلاثة الآف وسبعمائة وخمسين فتى وستة الآف وسبعمائة وخمسين جارية.

كان لهذه السياسة التي انتهجها عبد الرحمن بتقريب الموالي والصقالبة على حساب العرب والبربر في الجيش أثرها السئ على معنويات العرب والبربر. كان ذاك الفتور الذي أصاب قادة العرب والبربر في الجيش أحد أسباب الهزيمة العسكرية في معركة الخندق عام 327 هـ، بعد أن جاشت النفوس بالأحقاد تجاه الموالي والصقالبة الذين تولوا كبرى المناصب في الجيش.

الاقتصاد

بعد أن استطاع عبد الرحمن الناصر أن يصل بالبلاد إلى حالة من الاستقرار والأمن بعد السيطرة على التمردات الداخلية، وبعد نجاح حملاته التي كان يرسلها لقتال الممالك المسيحية في الشمال، والتي كانت تعود محملة بالغنائم والأموال، انتعش الاقتصاد الأندلسي، وتحسنت أحوال البلاد الزراعية والصناعية، حتى بلغت جباية الأندلس من الكور والقرى في عهد عبد الرحمن الناصر خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف دينار، ومن ضريبة الأسواق سبعمائة وخمس وستين ألف دينار، بالإضافة إلى ما كان يدخل خزائن الدولة من أخماس الأغنام.

وقد إتخذ عبد الرحمن الناصر سياسة مالية في التعامل مع تلك الأموال، بأن خصص ثلثًا أموال الجباية لنفقات الجيش والأسطول وثلثًا للبناء والتعمير والثلث الأخير فقد كان يدخره لنوائب الدهر.

وفي 17 رمضان 316 هـ، أمر عبد الرحمن ببناء دار السكة لضرب الدراهم والدنانير في قرطبة، وولى الوزير أحمد بن محمد بن حدير أمر إدارة دار السكة.

العلاقات الخارجية

بعد أن دبّ الوهن في أوصال الخلافة العباسية في بغداد، أصبحت الأندلس مركز العالم الإسلامي وإحدى القوى العظمى في العالم في تلك الفترة التي تزامنت مع تولي عبد الرحمن الناصر عرش الأندلس، فأصبحت قرطبة عاصمة الخلافة الأموية في الأندلس وجهة السفارات القادمة من دول أوروبا تخطب ود حكام الأندلس.

ففي عام 338 هـ، استقبلت قرطبة رسل قسطنطين السابع قيصر القسطنطينية الملقب ببورفيروجنتوس المحملين بالهدايا النفيسة من القيصر إلى خليفة المسلمين في الأندلس، وقد استقبلهم عبد الرحمن الناصر في قصر قرطبة في أبهته يحيط به أبنائه وأقاربه وكبار رجال دولته. انبهر رسل القيصر بما شاهدوه من مظاهر العظمة والأبهة في قصر قرطبة، وعند مغادرتهم عائدين إلى القسطنطينية، بعث عبد الرحمن الناصر بهشام بن هذيل معهم سفيرًا إلى قيصر القسطنطينية محملاً بالهدايا العظيمة لتوثيق عرى المودة بين الدولتين.

يرجح بعض المؤرخين المعاصرين كعبد المجيد نعنعي ومحمد عبد الله عنان أن الهدف من تلك السفارة المتبادلة بين البلدين، لمناقشة تكوين تحالف مشترك لمواجهة الخطر الجديد الذي أصبح يهدد أساطيل البلدين في البحر المتوسط في وجود سفن الدولة الفاطمية الناشئة في جنوب المتوسط، والتي كانت تهدد قواعد الأندلس البحرية غرب المتوسط، إضافة إلى الشواطئ الجنوبية للإمبراطورية البيزنطية.

تبادل عبد الرحمن الناصر السفارات أيضًا مع بطرس الأول إمبراطور بلغاريا ولويس الرابع ملك فرنسا اللذان سعيا لكسب ود عبد الرحمن وصداقته. كما استقبل عبد الرحمن رسل البابا يوحنا الثاني عشر بابا الفاتيكان الذي سعى أيضًا إلى تدشين علاقات طيبة مع زعيم المسلمين في أوروبا.

إلا أن سفارة الحبر يوحنا الجورزيني سفير الإمبراطور أوتو الأول إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة وملك الألمان عام 344 هـ، كانت أهم وأخطر السفارات التي وفدت على قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر. وفد يوحنا الجورزيني على قرطبة محملاً بالهدابا النفيسة، فأمر عبد الرحمن باستقباله بحفاوة، وإحسان وفادته. إلا أن عبد الرحمن رفض أن يستقبل يوحنا، بعدما علم بأنه جاء برسالة تهدف إلى عقد ما يشبه المناظرة الدينية بين الإسلام والمسيحية. ومع إلحاح يوحنا طلبًا لمقابلة عبد الرحمن، أرسل عبد الرحمن إلى يوحنا من يخبره بأنه رهن الاعتقال في قرطبة، ردًا من عبد الرحمن على احتجاز أوتو لأسقف كان قد أرسله عبد الرحمن إلى أوتو، فاحتجزه أوتو ثلاثة أعوام، بل وأن عبد الرحمن سيحتجزه أضعاف تلك المدة لأنه أرفع شأنًا من ملك المسيحيين. ثم رأى عبد الرحمن أن يرسل رسولاً آخر إلى أوتو ليستوثق من صدق نوايا أوتو، فأرسل الأسقف ربيع أحد أبرز المسيحيين في بلاطه إلى بلاط الإمبراطور أوتو، على أن يظل يوحنا الجورزيني محتجزًا إلى أن يعود الأسقف ربيع. وبعد عامين، عاد الأسقف ربيع، بعد أن أكرم أوتو وفادته، فقبل عندئذ عبد الرحمن مقابلة يوحنا الجورزيني والإطلاع على فحوى رسالته. كانت رسالة أوتو إلى عبد الرحمن تهدف في الأساس إلى طلب مساعدة عبد الرحمن لمنع هجمات المستعمرات الإسلامية في جنوب أوروبا على الأراضي المسيحية، إلا أن عبد الرحمن ردّ طلب أوتو بلطف مبررًا ذلك بأنه ليس له سلطة على أولئك المستعمرين.

المصدر: wikipedia.org