اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تشكل عملية توفير الخدمات بشكل موازي للدولة نقطة جدلية بين مفهومي « بناء الدولة » و « بناء السلام » ، حيث يُعتقد أن عملية بناء الدولة تقود إلى تحقيق السلام، خاصة عندما تتضمن السعي نحو تطوير الدولة الشاملة، حيث تقوم الشرعية فيها كنتيجة لاستجابة الدولة لمطالب كافة أطياف المجتمع، وتوفير السلع والخدمات العامة. غير أن دعم الدولة في هذا التوجه، ليس مهمة سهلة، وذلك للأسباب الأتية:
· عملية بناء الدولة قد لا تقود إلى السلام بشكل تلقائي، ذلك أن بناء الدولة هي عملية سياسية بالأساس، وبالتالي لا يمكن أن تصبح شاملة وديمقراطية بشكل فوري.
· قد تؤدي التسويات السياسية، التي تسعى لإرضاء الأطراف التي تشكل تهديدًا لعملية السلام، إلى تقوية مركز الطغاة .
· اتفاقات تقاسم السلطة التي قد تنتج عن التسويات السياسية يمكنها أن تضعف الدولة، وتؤدي إلى ترسيخ الانقسامات الموجودة.
· التركيز على مؤسسات الدولة قد يؤدي إلى اغفال الجهات المحلية الفاعلة، بما في ذلك الزعماء المحليين التقليديين، كما قد يعوق عمل المجتمع المدني على المدى الطويل.
بالمثل، فإن جهود بناء اللام التي لا تتضمن الدولة، يمكنها أن تقوض من قدرتها على العمل. يؤكد الباحثون بمعهد التنمية الخارجية، على الحاجة إلى المنظمات غير الحكومية ( NGOs ) ، وغيرها من الجهات الفاعلة في مجال التنمية، من أجل تعميق المعرفة بالسياق الذي تتم فيه تلك العملية، وكذلك من أجل الحفاظ علي الوعي الدائم بالعلاقة بين الدولة وبناء السلام.
يعد التوصل إلى التوازن الصحيح بين بناء الدولة، وبناء السلام، أمرًا عسيرًا، حتي في الحالات التي تتم فيها عمليات بناء السلام والأمن من خلال تنمية وتطوير قدرات الدولة وإمكاناتها. خلال العقد المنصرم، دعمت حكومة المملكة المتحدة الاصلاحات في سيراليون، وذلك جنبًا إلى جنب، مع تطبيق مبدأ « الأمن أولاً » ، حيث يُعتقد أن ذلك قد أسهم في تحسن الأوضاع الأمنية، وزاد من من امكانية الوصول إلى النظام العدلي، ومن كفاءته، كما أسهم في خفض معدلات الفساد، واصلاح الخدمات العامة بشكل ايجابي. لم تشهد البلاد أي تجدد لأعمال العنف الكبرى، منذ انتهاء الحرب الأهلية فيها عام 2002، وفي عام 2007، تمت اقامة انتخابات سلمية، وشهدت البلاد مناخًا من الاستقرار، ساعد على اقامة مؤسسات مستدامة. على الرغم من ذلك، مازالت سيراليون تعاني إلى اليوم من التخلف، والأنخفاض الشديد في النمو، حيث احتلت البلاد المرتبة الثالثة قبل الأخيرة، على مؤشر التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة في عام 2010 ، أدي ذلك إلى موجة من الأحباط وخيبة الأمل بين الأجيال الأصغر سنًا، وهو ما يشكل خطرًا شديدًا ينذر بعودة العنف إلى البلاد.
دارت جدالات كثيرة بين الدارسين، بشأن ما إذا كان التدخل لإعادة التعمير بعد انتهاء الصراع، يمثل الاستراتيجية الأمثل لعملية بناء الدولة في الدول الهشة. ذلك أن هناك اعتقادًا شائعًا، أن تدخلًا متعدد الأطراف، من شأنه تخليص الدولة الهشة من شرك النزاع الذي تعلق فيه، ووضعها على مسار التنمية الاقتصادية والسياسية في مرحلة ما بعد الحرب. وفي سبيل ذلك، وردًا على فشل الحوكمة في الدول الهشة، اقترح بعض الدارسين، نماذج وأساليب جديدة لعملية التدخل، ومن بينها، تقاسم السيادة، وفرض الوصاية. من ناحية أخرى، يدعم مؤيدوا التدخل الدولي، عمليات التدخل التي تتم بقيادة القوى الكبرى، أو الفاعلين الإقليميين، على أساس أن هذه القوى تحركها دوافع الأمن القموي، أو المصالح الاقتصادية، مما يجعلها حريصة على استعادة الاستقرار والديمقراطية إلى الدولة الهشة المعنية. كما يدعم مؤيدوا هذا الاتجاه، وضع اتفاقيات تجيز التدخل الدولي، على أن تتحمل الدولة التي يتم إعادة تعميرها تدريجيًا، تكاليف الطرف الثالث، الذي يتدخل لحفظ السلام وبناء الدولة.
بالإضافة إلى ما سبق، يوجد رأي أخر، يؤمن ب « التعافي الذاتي » ، حيث يقوم هذا التصور على أن الدولة الهشة تستطيع التعافي في غياب التدخل الخارجي، كما قد تستطيع أيضًا أن تنشأ مؤسسات حكم فعالة من تجربة الحرب التي خاضتها. فضلًا عن ذلك، يعتقد مؤيدوا التعافي الذاتي، أن المساعدة الدولية، والدعم الخارجي، يقوض من « الطابع المعتمد على الذات » ، الذي يميز العقد الاجتماعي بين الحكام والمحكومين. يدعم هذه النظرية، أمثلة النجاحات التي حققتها دول أوغندا، إريتريا، والصومال، في مجال التعافي الذاتي، حيث نجحت هذه الدول الضعيفة، في غياب التدخل الدولي، أن تحقق، سلامًا دائمًا، وفي أن تخفض معدلات العنف لديها بانتظام، كما استطاعت أن تمضي بمفردها في طريق التنمية السياسية والاقتصادية فيما بعد الحرب.
وفقًا ل « صامويل هنتنجتون » ، فإن أهم معيار سياسي للتفرقة بين الدول، لا يتعلق بنوع الحكومة، بل بالقدر الذي تتدخل به تلك الحكومة في كافة الشئون المتعلقة بمواطنيها، فالهدف من عملية الدمقرطة ( democratization ) ، و التطوير المؤسسي في الدول الهشة، هو مساعدتهم على تحسين كفاءة ومقدرة الدولة، وعلى تطوير مؤسسات ذات قدرات واختصاصات شاملة. على حين أكد كل من نوتسن ونيغارد ( Knutsen and Nygard ) ، على أن الدول شبه الديمقراطية، أو الهشة، هي أقل استقرارًا من كل من الدول الديمقراطية والاستبدادية، وبعبارة أخرى، فإن المقصود، هو أنه ما أن تبدأ عملية الانتقال الديمقراطي، فإنه من الخطر التوقف في منتصف تلك العملية.
ولكن قبل التفكير في الوسائل اللازمة لتحقيقها، فإن الغرض من عملية إرساء الديمقراطية ذاتها هو أمر موضع نقاش؛ فوفقًا ل كلود آك ( Claude Ake ) ، أستاذ العلوم السياسية النيجيري، الذي قال عام 2000 أن الديمقراطية غالبًا ما يتم تحليلها في سياق نزوعها إلى تعزيز التنمية الاقتصادية، ولكن عند النظر إليها في سياق جدواها التطبيقية في أفريقيا، فإن جدوى الديمقراطية، وفقًا للقيم، ،والاهتمامات، والأولويات التي تراها الشعوب الأفريقية، هو الذي سيحدد بشكل كبير، إلى أي مدى ستقبل تلك الشعوب بالديمقراطية.
في حالة ما إذا كان الوضع القائم يشهد ضعف هياكل ومؤسسات الدولة؛ فإن سلاسة التحليل النظري، للتحولات التي تمر بنظام الحكم، هي أمر ضروري من أجل التخطيط للتدخلات التي تهدف إلى تعزيز المؤسسات الشاملة، ولكن وفقًا لـ باربرا غاديس ( Barbara Geddes ) ، باحثة العلوم السياسية، بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، فإن ذلك بسبب أن الأنواع المختلفة من الاستبداد تختلف عن بعضها البعض، بقدر اختلافها عن الديمقراطية . ومن أجل تسهيل عملية تحليل تلك الاختلافات، فإنها تصنف الأنظمة الاستبدادية، إلى أنظمة تدور حول حكم الفرد أو الزعيم، ككوريا الشمالية، وأنظمة تخضع للحكم العسكري كتايلاند، وأنظمة تعتمد نظام الحزب الواحد كالصين، أو أنظمة تجمع الخصائص الأساسية لكل واحد من الأنواع السابقة في نظام واحد، غير أنه من المهم ملاحظة، أن جميعها يمكن تأملها من زاوية كونها مجتمعات تتصف ب « محدودية إمكانية الوصول للسلطة ».
وفقُا لـ « لاري داياموند - Larry Diamond » ، أستاذ الاجتماع السياسي، وأحد الباحثين البارزين في مجال دراسات الديمقراطية؛ أن ترويج الديمقراطية، ف كثير من الدول الهشة، هو أمر صعب، وذلك لافتقاد تلك الدول، الظروف والشروط التقليدية، التي تدعم الديمقراطية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، مستويات أعلى لنصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي، وجود مجتمع مدني مستقل وفعال، وسائل اعلام مستقلة، أحزاب سياسية تسعي إلى التنافس على السلطة، هذا بالإضافة إلى وجود سلوكيات وقيم ديمقراطية منتشرة في المجتمع، وتحظى بقبول واسع من الأفراد فيه، وليس هذا فقط ما يعيق من وجود الديمقراطية في تلك الدول، ففضلًا عما سبق، تفتقد تلك الدول إلى وجود العديد من الشروط الأساسية، اللازمة لقيام نظام سياسي قابل للاستمرار والبقاء. فالتحدي الذي يواجه هذه الدول، ليس مجرد الضغط على السلطات الحاكمة في الدولة لكي تقوم بتسليم السلطة إلى جهة أخرى ديمقراطية، ولكن يكمن بشكل أساسي، في اكتشاف طريقة لإعادة تأسيس شرعية السلطة الحاكمة - أيًا كان من يتولاها- في نظر المحكومين من الأساس. ومن ثم تكون الخطوة الحتمية في هذا الصدد، ليس فقط تمكين المواطنيين ومؤسساتهم المستقلة في المجتمع، بل في توفير الموارد، والتدريب، والتنظيم، لمؤسسات الدولة، وكذلك منحها الإحساس بوحدة الهدف والمصير.
غير أن من الأمور التي يجب الحذر بشأنها، هو أن أي تقدم يتم إحرازه في مجال إرساء الديمقراطية، في الدول الهشة، يكون ضعيفًا، ومعرضًا للأخطار. حيث شهد التاريخ، وفقًا ل « ديفيد سامويلز - David J. Samuels » ، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، عدة حالات لبلدان انتقلت من الديمقراطية إلى الاستبداد، في الفترة ما بين عامي 1925-1945 ، مثل ألمانيا في العام 1933، الذي شهد صعود النازية، وإمساكها بزمام الحكم، وكذلك في الفترة ما بين عامي 1960-1974 ، مثل البرازيل وشيلي، اللتين شهدتها انقلابات عسكرية، أطاحت بالحكم المدني في كليهما، في أعوام 1964 و 1973 على الترتيب. هذه العوامل الداخلية التي حددها سامويلز، والتي تدعم تغيير الأنظمة، هي أيضًا عوامل يمكن تجنبها عن طريق عملية التصميم المؤسسي ( Institutional design ) ، بعض هذه العوامل، هي أمور من قبيل، الثقافة المدنية السائدة، صراعات الطبقات، التي تنشأ عن طريق التوزيع غير العادل للمكاسب الاقتصادية، وهناك أيضًا بعض المسببات الدولية، ومنها، السياسة الخارجية للقوى العظمى، المدى الذي تنخرط فيه الدولة، في المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، المدي الذي تمتد إليه أثار العولمة، والتأثيرات فوق القومية، التي تتركها المؤسسات والمرجعيات الدينية، على المؤسسات السياسية المحلية.