اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كثيراً ما يسأل الإعلاميون المبتدئون: «كيف نختار قصة لنستقصيها؟ » فكثيراً ما يجدون صعوبة في العثور على واحدة من تلك القصص. تتمثل إحدى هذه الطرق في مراقبة وسائل الإعلام. فبشكل عام، من الأفكار الجيدة مراقبة قطاع إعلامي معين، كي تستطيع البدء بتحديد أنماطه، فتدرك، بذلك، متى يحدث أمرٌ غير عادي. وتتمثل طريقة أخرى في انتباهك لما يتغير في بيئتك، وأن لا تعتبر التغير أمراً عاديّاً. بدأ الإعلامي البلجيكي العظيم كريس دو ستوب Chris de Stoop استقصاءً مَعْلَمَاً حول الا اِّجتر بالنساء بعد أن لاحظ أن العاهرات البلجيكيات في حيٍّ عَبَرَهُ وهو في طريقه إلى عمله قد أفسح المجال لعاهرات أجنبيات، وتساءل لماذا؟ وتتمثل طريقة ثالثة بالاستماع إلى شكاوى الناس. وأخيراً، لا تبحث فقط عن أفعالٍ خاطئة. فكثيرا ما يكون أكثر صعوبة أن تقوم بتغطية أفضل حول شيء يجري بشكل صحيح – كفهم موهبة جديدة، أو مشروع تطوير حقق أهدافه، أو شركة تخلق ثروة ووظائف.
يتذمر الإعلاميون دائماً من أن المحررين يرفضون أفكارهم القصصية العظيمة. من المؤكد أن ذلك يحصل. ولكن ما يرفضه المحرر، في الأغلب، ليس قصة على الإطلاق، بل دعوة لمصيبة – تحقيقاً خُطِّط له بشكل سيء وسوف يصرف مالاً ووقتاً لنتيجة مشكوك فيها. وهم محقون في ذلك.
مزايا الاستقصاء القائم على الفرضية:-
1 يمنحكَ أسلوب الفرضية شيئاً لتتحقق منه، بدلاً من محاولة كشف سرٍّ ما. الناس لا يكشفون أسرارهم بلا سبب وجيه. وهم أكثر استعداداً لتأكيد المعلومات التي بحوزتك لأن الناس يكرهون الكذب. فالفرضية كُمتنكَ من أن تسألَ سؤالا محددا لكي تؤكدَ شيئا ما. وهي تضعكَ أيضاً في موقف المُنفتح على اكتشاف وجود أكثر مما هو موجود في القصة التي اعتقدت أنه موجود فيها في البداية، لأنك مستعدٌّ لقبول وجود حقائق أبعد مما ظننت أنها موجودة عندما بدأت العمل الاستقصائي
2.تزيد الفرضية فُرصك في اكتشاف أسرار. إن كثيراً مما ندعوه «أسراراً » هو، بكل بساطة، حقائق لم يسأل أحدٌ عنها أبداً. للفرضية أثر نفسي يجعلك أكثر حساسيّة واستشعاراً للمادة، بحيث تستطيع أن تسأل تلك الأسئلة بطريقة واضحة. فكما قال المُستقصي الفرنسي إدوي بلينل Edwy Plenel ، “إذا أردت العثور على شيء، عليك البحث عنه.”
3.الفرضية تجعل إدارة مشروعك أكثر سهولة. بعد أن تكون قد عرَّفت وحددت ما تبحث عنه، وأين تبدأ البحث عنه، تستطيع تقدير الزمن الذي تتطلبه خطوات الاستقصاء الأوليّة. تلك هي الخطوة الأولى للتعامل مع الاستقصاء كمشروع تستطيع إدارته. وسوف نعود إلى هذه النقطة في نهاية هذا الفصل.
4. الفرضيَّاتُ أدواتٌ تستطيع استخدامها مراراً وتكراراً. عندما تعمل ضمن طريقة منهجية، ستشعر قطعا أن مهنتك تتغير. وأكثر أهمية من ذلك، ستتغير أنت. فلن تحتاج بعد ذلك شخصاً يقول لك ما عليك فعله. وسوف ترى ما يجب فعله لمواجهة بعض فوضى ومعاناة هذا العالم، وستكون قادراً على تحقيق نتيجة عبر لفت أنظار الرأي العام والمسؤولين. ألم تصبح صحفياً لأجل ذلك في المقام الأول؟
5. عملياً، تضمن الفرضية أنك ستسلّم قصة، وليس فقط كمية من المعلومات. تذكر أن المحرّرين يريدون ضمان الحصول على قصة لينشروها بعد صرف فترة زمنية محددة واستثمار موارد محددة من خلال عملك الاستقصائي. والفرضيّة تستطيع أن تزيد فرصة الوصول إلى تلك النتيجة بشكل أكبر. إنها كُمتِّنُكَ من توقّع حدٍّ أدنى لعملك وحدٍّ أقصى، وبالمثل توقع الأسوأ.
ما هي أنواع المصادر “العلنية”؟
في العالم المعاصر، المصادرُ العلنيةُ لا نهاية لها. وهي تشمل: المعلومات التي نُشرت في أي وسيلة إعلامية يسهل الوصول إليها بحرية. وعادة ما يمكن الوصول إلى هذه المعلومات في مكتبة عامة أو في أرشيف الوسيلة الإعلامية المعنيَّة؟
- الأخبار )الصحف، المجلات، التلفزيون، الراديو، الإنترنت).
- منشورات متخصصة تخص الاتحادات، الأحزاب السياسية، النقابات، إلخ).
- المنشورات الأكاديمية من دراسات وأبحاث.
- وسائل إعلام مشتركة متخصصة (مثل منتديات مستخدمي الإنترنت، المحللين الماليين، نشرات أو مجلات النقابات، مجموعات الاحتجاج، إلخ).
إستراتيجية المصادر العلنية للاستقصاء
ما تعنيه المصادر العلنية لمنهجنا الاستقصائي هو التالي: بدلاً من السعي إلى مصادر تَعِدُنا بمدخل إلى أسرار، فإننا نستخرج من حقائق متوفرة لنا ما قد يكون سرا. وتبدو العملية كلها كالتالي:
-1 نبدأ ببضعة مؤشرات حقائق.
-2 تجعل الحقائق التي لا نعرفها فرضيّات.
-3 نسعى إلى تأكيد فرضيّتنا من مصادر علنية.
-4 نسأل أشخاصاً يمكنهم إكمال المعلومات التي عثرنا عليها في مصادر علنية.
توجد المعلومات الأكثر إثارة عادة في ذاكرة وعقول الناس وليس في المصادر العلنية. فكيف نعثر على هؤلاء الناس؟ كيف نجعلهم يقولون لنا ما يعرفونه؟ لا تقلِّل من قيمة هذه المهارات. فليس كل شخص يملكها، وعملُكَ كصحافي مُستقصٍ سوف يطورها إلى درجة عالية. ولكن، لا تُسئ استخدامها أيضاً. ولا تنْسَ أبداً أنك قد تؤذي، كصحفي، بعض الناس – في مشاعرهم، في أرزاقهم، وحتى في سلامتهم الشخصية. تأكد أن لا تؤذيهم لمجرد أنهم كانوا على درجة من السذاجة في تعاملهم معك وكلامهم إليك.
أ. رسم خريطة للمصدر
تتلخص الطريقة التي يستعملها معظم الإعلاميين التقليديين العاملين في مجال الأخبار ومتابعة ارتداداتها في العثور على شخص قادر على أن يوفر لهم اقتباسات يستطيعون استعمالها في إعداد تقاريرهم. غالبا ما يجدونهم من خلال قيامهم بقراءة أول قصة نُشرت حول موضوع معين، والتقاط أسماء الأشخاص المُستشهَدِ بهم فيها، والاتصال بهم. مثلُ هذه المصادر قد تتلقى مئات المكالمات في يوم واحد. فهل سيقولون شيئاً جديداً للمُتَّصِل المائة، هذا إذا رفعوا سمَّاعة الهاتف أصلاً؟ كلا. ولذا، لماذا لا يتم البحث عن شخص آخر لم يقم أحدٌ بطرح أسئلة عليه؟ سيزوِّدُكَ مصدرُكَ العلني بقائمة من الأسماء الأكثر أهمية لتتصل بهم. وعلى سبيل المثال، لتستقصي شركةً فقد تبدأ بقراءة تقاريرَ مُحلِّلين ماليين تصف وضع الشركة ووضع أقوى الشركات المنافسة لها. بعد ذلك، تحدَّث مع ا لُحلملين، ومن ثمَّ مع المنافسين. من خلالهم، ومن خلال وسائل الإعلام التي تغطي عالم الصناعة والمال، إعثر على أشخاص تركوا الشركة، إما لوظائفَ أخرى، أو للتقاعد )وجد سيمور هيرش العديد من مصادره عن المخابرات المركزية الأمريكية من خلال تتبع إعلانات التقاعد(. ومن خلال هذه المصادر، إعثر على أناس لا يزالون في الشركة ويرغبون في الكلام. ننصحك أن ترسم خريطةَ مصادر بسيطة بأسرع ما تستطيع. فالخريطة تمثيل مرئي لكل الناس المنخرطين، أو الذين قد ينخرطون، مباشرة في قصَّتك. تبدو الخريطة مثل البيوت في قرية يعرف كل واحد من أهلها كل واحد آخر، والقرية هي المكان الذي تدور فيه أحداث القصة.
ب. إعْطِ المصادرَ أسباباً لتتكلم قد يكون عند الناس الذين لديهم حقائق أو قصص ليرووها أسبابً قويَّةً لعدمإجابتهم عن أسئلتك. فبمعنىً عام، هم لا يعرفون إن كنتَ مُحترفاً ومسؤولاً ومُنصِفاً )وعديد من الإعلاميين ليسوا كذلك(. وحتى إن كُنت كذلك، فإنهم لا يستطيعون تقييد ما سوف تفعله بمعلوماتهم التي يعتبرونها قيِّمة. وأخيراً، قد يؤدي استخدامك للمعلومات إلى الإضرار بمهنهم أو علاقاتهم أو حتى سلامتهم الجسديَّة.
ج. الاتصالات الأولى: التحضير والدعوة
1-التحضير للقاء
2-القيام بالاتصال
3-مكان اللقاء
د. بَدْءُ العلاقة: أهداف وأدوار
في عالم الأخبار، كثيراً ما تكون العلاقات مع المصادر شبيهة بعلاقة تدوم لليلة واحدة تترك شريك الغرام مستاءً. وهذا الأمر صحيح بخاصة في مشهد كارثة، حيث يصل كثير من الإعلاميين، فيقلبون كل شيء في الموقع، ومن ثمّ يغادرون بعد أن يكونوا قد علَّقوا على سوء الطعام والشراب المحليين وسوء تصرف الناس. طبعاً، لا يحاول المُستقصون أن يكونوا عشَّاقاً مثاليين. ولكن المصادر تسعى دائماً إلى علاقات مستقرة طويلة الأمد. ولذا، فإن بداية العلاقة لحظة مفتاحيَّة، تعَرِّفُ عموماً ما سيلحقُ؟.
يتطور البحث الاستقصائي إلى مادةً أكثر بكثير مما تنتجه تغطية الأخبار التقليدية، ويجب أن تكون هذه المادة مُنظمة بفاعلية على أسس مستمرة. وهذا العمل التنظيمي هو جزءٌ من عملية منهجية للكتابة والنشر. فأنتَ لا تقوم بالبحث، ثمَّ تُنظِّم، ثمَّ تكتب. بدلاً من ذلك، أنت تُنظِّمُ وأنت تبحثُ، وهذا التنظيم يُجَهِّزُ الأرضية لعمليَّة الكتابة.إن لم تأخذ الوقت الكافي لتنظِّم، سوف تحتاج، في النهاية، إلى ضِعف الوقت لتكمل المشروع )وذلك حدٌّ أدنى(، وسوف يكون عملك صعباً عند كتابة القصة وشرحها والدفاع عنها. إلى جانب ذلك، لن تحظى بالمتعة، لأنك ستكون قلقاً طوال الوقت وغير مُنظم ومتوتراً ومحبطاً. ولذا، إليك بعض الخطوات السهلة التي يمكن أن تجعلها جزءا من روتين خاص بك.
I. بناء قاعدة معلومات:-
1-إجمع الوثائق.
2-راجع الوثيقة كي تُقيّمَ محتوياتها.
3-إعْطِ كل وثيقة عنواناً أو رقماً.
4- ضع الوثائق في ملفاتها.
5-راجع الوثائق دوريَّاً.
6-نَقِّلْ الوثائق بين الملفات.
7-إذا كانت الوثائق حسَّاسة، جهِّز نسخاً احتياطية منها واحتفظ بها في مكان ليس بيتكَ أو مكتبك.
I I . تنظيم المعلومات: عَمَلُ ملفٍّ أساس
III . إقامة صلات بين الملفات
بِجَعْلِكَ وثائِقَكَ أسهل على الجمع والتتبع والمراجعة، تجعلُ من السهل على عقلك إقامة صلات بين المعلومات. وسوف تلاحظ بالتأكيد أن المعلومات تثير أسئلة لم تتم الإجابة عنها. إذاً يُخبركَ أرشيفك بنوع المعلومات التي يحتاجها ليكتمل. وسوف تُصبح أيضاً أكثرَ حساسية للمعلومات الجديدة التي لها علاقة بفرضيَّتك، ولذا ستصل إلى اكتشافات غير متوقعة.
لا تُشبهُ كتابةُ قصةٍ استقصائيةٍ كتابةَ قصةٍ إخبارية. فيصبح المطلوب مهاراتٌ مختلفة وقواعدُ مختلفةٌ لا تشملها كتابة الأخبار، أي استخدام قواعد السرد بطرق أكثر تعقيداً. فعلى الإعلامي أن يقوم، في الوقت نفسه، باستخدام عناصر الكتابة القصصيَّة وتجنُّب كتابة قصة خيالية. وأخيراً، تدخلُ حالتك العاطفية.
عناصر الأسلوب:-
1. لا تكن مُمِلاًّ وتذكَّر أن الأسلوب البسيط يمكن أن يُكتب بطريقة تجعله أكثر تعقيدا. أما الأسلوب المُعقَّد فمن الصعب أن يُبَسَّط.
2. خَطَرُ الشَكِّ يُعَامَلُ معظمُ الإعلاميين كتوابع أو كمستضعفين من قبل مصادرهم من أصحاب الثروة أو النفوذ. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل بعضَ الإعلاميين يفقدون الثقة بأنفسهم أو بعملهم. وكثير من الناس يصبحون صحافيين لمجرد أن يقابلوا أشخاصا يعتقدون أنهم أكثر إثارة ونشاطاً وأهمية منهم.
3. كن قاسياً، وليس مقززاً يمكن للتوتر الذي يخلقه إجراء استقصاء وإنهاؤه، أن يقود إلى الإرهاق والإحباط والغضب. وكل هذه تقود إلى خطرِ أن يتبنَّى الإعلامي لهجةً عدوانيةً مُهينة كآلية دفاع عن النفس، ولكنها تشير إلى ضعف عند المشاهد والمُستهدف بالاستقصاء، وإلى سوء نيَّة إذا رُفعت على الإعلامي قضيّّة تشويه سمعة في محكمة.
لقد قُمتَ ببحث حول القصة، ونظّمتها وكتبتها. والآن دعنا نتأكد من أننا قمنا بما قمنا به بشكل صحيح قبل أن تنشر أو تذاع. وهذا الأمر يشمل مراقبة النوعيّة، أو بتعابير تكنيكية، «التدقيق في الحقائق .
في جميع أنحاء العالم، تشمل أفضل فرق الاستقصاء شخصاً – مُحرِّراً أو حتى مُدَقِّقَ حقائقَ متفرِّغاً – وظيفته أن يُرشد عملية التأكد من أن استقصاءً ما قد نُفِّذ وأُلِّفَ بشكل كامل. في حال أنجز التحقيق بالتعاون من شبكة أريج فإن الشبكة توفر لكل مستقصٍ مشرفاً يقوم بهذه المهام للتأكد من أن المنتج النهائي يضاهي بجودته أفضل الممارسات العالمية المقبولة. وتُوجدُ أربعةُ مكونات لعملية التدقيق هي:
- الأولُ هو التأكد من أنك، في الحقيقة، تروي قصة حقيقية – ليس فقط قصة تكون فيها كل حقيقة صحيحة. بل قصة تضيفُ حقائقُها شيئاً إلى حقيقة أكبر. فإذا كان تفسير بديلُ يعني أكثر مما يعنيه تعليلُكَ، فثمةَ أمرٌ خطأٌ في عملكَ. -بعد ذلك، تتأكد من أنك تعرف مصدر أو مصادر كل ما يؤكد حقائق القصة. -وأثناء عملية التحقيق من مصادرك، دُحتِّدُ الأخطاءَ الموجودةَ في الحقائق المُعيَّنَة وتُصححها. - وفي الوقت نفسه، تُزيلُ الضجة العاطفية من قصتك – الإهانات غير المبررة، العدوان أو العداء الذي شق طريقه إلى سردِكَ حين كنت مرهقا أو محبطاً أو خائفاً.
والآن سوف تنشرُها بطريقةٍ تثيرُ أكثر ردود فعل ممكنة وحراكا. - إضمنْ أن القصةَ مُحرَّرَةٌ بشكل جيد. فقد يُدمِّرُ المحررون غير الخبراء بالاستقصاء أثر قصة بقَصِّ الحقائق الخاطئة. فكن مستعدَّاً للقتال لما هو مهمٌّ، وللتنازل عمّا ليس مهمَّاً.
- إضمنْ أن القصة مُوضَّحةٌ فوتوغرافيَّاً وبيانياً بشكل ملائم. فالصور أو الرسوم البيانيَّة الضعيفة أو الغائبة ستجعل القصةَ عصيَّةً على الفهم وأقلَّ جاذبيَّةً.
- إضمنْ أن تحملَ القصةُ عناوينَ جيدةً. - لا تدعْ مُحرِّرَاً يكتب عنواناً يسيء تمثيل عملك أو يُعلنَ شيئاً ليس في القصة.
- قاتل لتحصَلَ على الحد الأقصى من لفت الانتباه والمكان الأفضل في وسيلة الإعلام لقصَّتك.