اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يقولون إن في معتقدهم قواعد فلسفية وعلمية. ودعاته منتشرون على وجه البسيطة. والدعاة الذين في بلاد التبت علموا مدام بلافتسكي جميع الحقائق الثيوصوفية، وقد بلغ منعم التصوُّف مبلغاً عظيماً جداً. فقويت طبيعتهم الروحية حتَّى خضعت لها أجسادهم وعقولهم ولذلك تسلطوا على قوى الطبيعة، وصاروا قادرين على عمل العجائب واجتراح المعجزات.
وأساس معتقدهم أنه يوجد إله مجرَّد واجب الوجود لذاته لا يدرك الإنسان كنهه. وإنَّ الحياة والوجدان والكون نفسه من مظاهره أو تجلياته. فإنه هو أزليٌّ ولكن الكون زائل يبقى مدة ملايين من السنين ثم يزول، ويعود الخالق فيخلق كونا آخر وهلم جرًّا. ويصدر الكون منه باتحاد الهيولى بالجوهر أو النفي بالإيجاب لا لأنَّ الهيولى والجوهر منفصلان أحدهما عن الآخر بل لأنهما مفترقان كافتراق القطب الإيجابي عن القطب السلبي في المغناطيس مع أنهما موجودان في كل ذرة.
ويتدرج الهيولى والجوهر على سبع صور هي مراتب النشوء السبع وكل مرتبة يقل الجوهر فيها ظهورا عن التي قبلها، ويزيد الهيولى إلى المرتبة السابعة ثم ينقلب الأمر فيقل الهيولى ويزيد الجوهر رويدا رويدا حتى يعود الجسم روحا مجردا كما كان أوَّلًا. وهذه المراتب السبع موجودة في الإنسان وثلاث منها روحية وهي: الروح والنفس والعقل. وأربع منها هيوليَّة وهي: العواطف والحياة والجسم الفلكي والجسم الطبيعي.
فعند موت الإنسان ينفصل الجسم الفلكي عن الجسم الطبيعي وتعود الحياة إلى الحياة العامة وتبقى العواطف في الأثير مدة طويلة أو قصيرة حسب ما كانت خاضعة للطبيعة العليا ولكنها تزول أخيرًا.
وأما الثلاث الباقية وهي الروح والنفس والعقل فتكون من حياة الانسان في هذه الدنيا متصلة بطبيعته الأرضية بواسطة العقل وهذا العقل قسمان علوي وسفلي فالعلوي يحاول الصعود إلى الاعلى والسفلي مختلط بالعواطف ويطلب الحياة الدنيا. وعند الموت تطلب هذه الثلاث الانفصال عن طبيعة الانسان الدنيا ويعود العقل السفلي إلى مصدره وهو المثل العلوي حاملا معه ما تعلمه بالاختبار مدة حلول النفس في الجسد. وترتاح هذه الثلاث مع ما اكتسبه العقل بالاختبار في حالة من الوجدان مستقلة عن الجسم الطبيعي وعن حدوده وعوائقه الكثيرة.
وتدوم هذه الحالة بحسب درجة الإرتقاء التي بلغها الانسان وهو على الأرض وتنتهي بعود هذا الوجدان إلى جسم آخر. فان أهل هذا المذهب يعتقدون بالحلول أو التجسد أو التقمص، ويقولون أن العقل يحاول ترقية الجسم الذي يحل فيه والافكار التي بفتكرها هي أشياءٌ حقيقية ولكن مادتها لطيفة جدا وهي من مادة الأثير وإن أفكار كل حلول تنتهي في جسم فكري هو نتيجة ذلك الحلول أو التجسد وهذا الجسم الفكري يكون كقالب يُفرغ فيه الجسم المادي الذي تحلُّ النفس فيه في التجسد التالي. وعندهم أن الغرائز التي يولد بها الطفل وتظهر في الدماغ والمجموع العصبي هي نتيجة الحالة التي كان فيها وهو في الجسم السابق لهذا الجسم.
والنفس التي تطلب الحلول تنجذب إلى الأمة أو العائلة التي تجهزها بما يلزم لها من المواد الطبيعية والوسائط العقلية ولذلك تكون المواد الطبيعية مطبوعة بخواص تلك الأمة وتلك العائلة جسدا وعقلا ولكنها تتركب بحسب الجسم الفكري المشار اليه آنفا. ولذلك تُرسَّخ الملكات العقلية والأدبية التي يحصل عليها الإنسان مدة حلوله في الجسد مرة أو مرارًا وهذا هو سبيل الإرتقاء ويعبر عنه عندهم بكل (كرْما) ومعناها باللغة السنسكريتية العمل. فكل الأفكار الصالحة والطالحة تترك لها أثرا في الجسم الفكري ثم تظهر في الحياة التالية التي يحياها الإنسان ولا مناص له من ذلك ولكنه يستطيع أن يزيد هذه الآثار أو يزيلها فإذا عمل بمقتضى الأثر الرديء زاد رداءة في الحياة التالية وإذا عمل ضده أبطل فعله وأزاله وإذا عمل بمقتضى الأثر الجيد زاد جودة وإذا عمل ضده أضعفه أو أزاله. فالحياة التالية تتوقف على الحياة الحاضرة.
والناس أخوة ومن مصدر واحد وعليهم أن يعيشوا كذلك لكي يعم الخير والنفع. وستزول جميع الفروقات التي بين طوائف الناس على تمادي الأزمان. ومن غرض الجمعية الثيوصوفية أولا أن تكون مركزا لأخوية عامة تشمل كل نوع الإنسان، وثانيا أن تعضد درس علوم المشرق وأديانه وعلومه، وثالها أن تبحث في نوامیس الطبيعة التي لم تبسط حتى الآن بسطا كافيا وفي قوى الانسان الطبيعية. هذه خلاصة هذا المذهب الفلسفي ويظهر لنا أنه شبيه ببعض المذاهب الباطنية التي انتشرت في المشرق والمغرب من قديم الزمان.
تری بلافاتسكي أن فكرة الله في الثيوصوفيا تختلف عما هي موجودة في باقي الأديان، فهي تقول: إن الله «هو باني الكون الأزلي، الذي لا يني يتطور، وليس خالقه ذلك الكون عينه المتفتح عن ماهيته، وليس المصنوع. إنه، في رمزيته، دائرة لا محيط لها، ليس لها إلا صفة واحدة فاعلة أبدًا تحيط بكل الصفات الموجودة، أو المعقولة الأخرى. إنه القانون الأوحد، الذي تنبثق عنه القوانين المتجلية؛ الأبدية، والثابت، ضمن ذلك القانون غير المتجلي أبدًا؛ لأنه القانون المطلق، الذي يكون، في فترات تجليه، الصيرورة الأبدية» (بلافاتسكي: 1889م: 54).
وهي ترى أن الشرارة الإلهية في الإنسان؛ إذ هي واحدة ومتماثلة في جوهرها مع الروح الشاملة، فإن «ذاتنا الروحية، عليمة عمليا بكل شيء، بيد أنها لا تستطيع أن تبين معرفتها نظرة إلى عراقيل المادة؛ لذا فإننا كلما أزلنا هذه العراقيل، وبعبارة أخرى، كلما شُلَّ الجسم الجرماني فيما يختص بنشاطه ووعيه المستقلين، كما في النوم، أو السبغة العميقين، أو كما في المرض، أيضا، تجلت الذات الباطنة تجليا أكمل على هذه المرتبة» (بلا فاتسكي: 1889م: 27). وهي ترى أن كل فرقة دينية، أو فلسفية، كان لها تعالیم باطنية، أو سرية تحت تعاليمها العلنية الظاهرة، وتضرب أمثلة كثيرة على ذلك في الشعوب القديمة، وترى أن الثيوصوفيا امتداد للحكمة الباطنية هذه، وتجسيد لها.
ومن أهم الأفكار والمعتقدات التي تشكل بنيتها: فيمكن إيجازها في:
تقول بلافاتسكي:
ولا تختلف هذه الأفكار في جملتها عن تصورات الفلاسفة القائلين بالدين الطبيعي والطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة وكذا جل الفلاسفة الحدسيين والروحيين من جهة وأصحاب الفكر الماسوني من جهة أخرى.