اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
"لم يكنِ الوقتُ وقتَ إظهارِ الخَوَرِ والضعفِ بل لمْ يكنْ لنا وقتٌ للبكاء، فنحنُ في إفريقيا لسنا سوى حفنةٍ من الأتراكِ يمكنُ القضاءُ علينا في رمشةِ عين... لقد قضيتُ ذلكَ الشتاءِ في الاستعدادِ ولم أكنْ أُعطي لنفسي لحظةَ فراغٍ لكي لاأجدَ وقتاً للتفكيرِ في أخي" -من مذكراتِ خيرِ الدينِ عقب استشهادِ عُرُوجَ-
يذكرُ خيرُ الدينِ في مذكّراتِهِ أنّه عندما وصلَهُ نبأُ استشهادِ أخيه عُرُوجَ قررَ أنْ يعيشَ لغايةٍ واحدةٍ هي المضيُّ في الطريقِ الذي سلكهُ أخوهُ، وتتمثلُ تلك الغايةُ في التضييقِ على الأوروپيينَ في إفريقيا والبحرِ الأبيضِ المتوسطِ، فاتّخذَ العديدَ منَ الاحتياطاتِ والتدابيرَ، وقضى ذلكَ الشتاءَ في الاستعدادِ، فقامَ بإصلاحِ سفنهِ ومدافعِهِ ومعداتهِ وتجديدِها. يُذكرُ أنَّ مبعوثَ الإمبراطورِ شارلكانَ (كارلوسَ الخامسَ) جاءَهُ قائلاً: "لقد ماتَ أخوكَ وقُتِلَ أكثرُ جنودِه فكُسِر جناحُكَ. منْ تحسبُ نفسَكَ حتى تقفَ في وجهِ أقوى ملكٍ مسيحيٍّ بدونِ أخيك؟ ماذا يمكنكَ أنْ تفعل؟ خذْ سفنكَ ورجالَكَ واخرجْ منَ الجزائرِ فوراً، وإيَّاكَ وأنْ تطأ قدماكَ إفريقيا مرةً أخرى. إنَّ هذا آخرُ إنذارٍ أوجّهُهُ إليكَ، سوفَ أملأُ البحرَ بالسفنِ وأعودُ إلى الجزائرِ قريباً، فإذا تمكّنْتُ منكَ هناكَ، فَلْتَعْلَمْ بأنَّ عاقبتَكَ ستكونُ وخيمة".
في ذاكَ الوقتِ كانَ خيرُ الدينِ يُعرفُ في أوروپا باسمِ "ملك الجزائرِ" ويشغلُ منصبَ بَيْلَرْبَايْ لدى الدولةِ العثمانيةِ ورأى أنَّ مخاطبةَ شارلكانَ له بهذا الاستخفافِ تستلزمُ منه موقفاً، فكتبَ لهُ جواباً شديدَ اللهجةِ، فلمّا تسلّمَ شارلكانُ ردَّه أرسلَ أساطيلَ سدّتِ الأفقَ اشتركَ بها أمراءٌ تابعونَ له من نابولي وصقليّةَ وألمانيا والأراضِي المُنخفِضَةَِ. رستْ سفنُهُمْ قُبالَةَ الجزائرِ. كانَ خيرُ الدينِ مستعدّاً جيِّداً إذْ توقّعَ ردةَ فِعلِهِ وأرادَ تلقينَه درساً، فماإنْ أنزلُوا قواتِهِمْ إلى البرِّ حتى فاجأهُمْ وجنودَهُ بهجومٍ أدّى إلى مقتلةٍ كبيرةٍ فيما استسلمَ سبعمئةٍ إلى ثمانمئةٍ منهُم منْ أصلِ عشرين ألفاً، أمّا الباقونَ فلاذُوا بالفرارِ إلى سُفنِهِمْ، وعادَ قادةُ شارلكانَ مهزومين.
تذكرُ بعضُ المراجعُ هذهِ المعركةَ برواياتٍ مُسْهَبَةٍ عن روايةِ خيرِ الدينِ السالفةِ في مذكراتِهِ والذي لمْ يُفصّلْ في أحداثِها. يذكرُ "أحمدُ توفيقٍ المدنيّ" و"عزيزُ سامحٍ ألتر" أنَ الإسبانَ لمْ يحتمِلُوا ما أصابَهُم من هزيمةٍ عند أسوارٍ الجزائر السنةَ الماضيةَ على يدِ عُرُوجَ فشرَعُوا يستعدُّونَ للثأرِ، وزادَهم هلعَاً إعلانُ انضمامِ الجزائرِ للدولةِ العثمانيةِ ومن ثَمَّ وصولُ الخطرِ العثمانيَِ إلى الحوضِ الغربيِّ من المتوسطِ الذي كانَ تحتَ السيطرةِ الإسبانيةِ تماماً -فقد كانَ الإمبراطورِ الرومانيِّ المقدسِ شارلكانَ ملكاً على مملكتَيْ ناپولي وصقليّةَ فضلاً عن إسبانيا وكانتْ أهمُّ المدنِ الساحليةِ الجزائريّةِ من ضمنِ ممتلكاتِه-. انتهزَ الإسبانُ مقتلَ عُرُوجَ، وانتصارَهم في تِلِمْسانَ، وما أحدثاه من حزنٍ وأسىً، فاتفقُوا مع أبي حمو صاحبِ تِلِمْسانَ على التخلصِ من خيرِ الدينِ ودولتِهِ الناشئةِ، وذلك بأنْ يهاجمُوا بحراً في الوقتِ الذي يتقدَّمُ فيه نحوَها من البرِّ جيشُ أبي حمو. شملتِ الحملةُ الإسبانيةُ أربعينَ سفينةً كبيرةً تُقلُّ خمسةَ آلافِ مقاتلٍ. وصلَ الإسبانُ الجزائرَ يومَ 19 شعبان 925هـ الموافقِ ل17 أغسطس/آب 1519م، واختارُوا الساحلَ الممتدَّ يسارَ وادي الحراشِ ميداناً لإبرارِهِمْ، كانتْ خطةُ خيرِ الدينِ تجعلُ المعركةَ تكادُ تكونُ طبقَ الأصلِ لمعركةِ السنةِ الماضيةِ؛ أيْ تركُ الجيشِ الإسبانيِّ ينزلُ إلى البرِّ في النقطةِ التي يختارُ فيضعُ سلاحَه وعتادَه، ثمَّ مناوشَتُهُ في كمينٍ محاولةً للإحاطةِ به من كلِّ جهةٍ حتى يُنْهِكَهُ التعبُ قبلَ الالتحامِِ بهِ في معركةٍ فاصلةٍ في الساعةِ التي يرتئِي، وهكذا كان.
أنزلَ الإسبانُ جندَهُم وعتادَهُم ومن خلفِهِم وادي الحراشِ جنوبَ شرقِ مدينةِ الجزائرِ بعدَ مناوشاتٍ يسيرةٍ، ولم يكُ بخَلَدِ خيرِ الدينِ النقطةُ التي سيركِّزُونَ هجومَهُم عليها إلى أنْ تحرّكَ الجيشُ بكاملِ قوّاتِه ليرْقَى صُعُداً المرتفعاتِ المحيطةِ بمدينةِ الجزائرِ فوصلُوا "كديةَ الصابونِ" المشرفةَ على المدينةِ من الجنوبِ، وأخذُوا بسرعةٍ ببناءِ قلعةٍ فوق الكديةِ دعَوْها "قلعةَ الإمبراطورِ"، وجهّزُوها بالمدافعِ الثقيلةِ لوضعِ الجزائرِ تحتَ تهديدِ نيرانِهم غيرَ أنَّ مهارةَ خيرِ الدينِ وتكتيكاتِهِ الحربيةِ -حسبَ المؤرخينَ- لمْ تُمكنْهُم، فلمْ تُصِبْ مدافعُهُم إلا الأسوارَ الخلفيةَ دونما ضررٍ كبيرٍ. ومع انشغالِ الإسبانِ ببناءِ القلعةِ كانُوا يترقّبُونَ الجيشَ الزيّاني التِلِمْسانيَّ وكانَ طرفاً أساسيّاً في المعركةِ المقبلةِ، لكنَّ انتظارَهم دامَ ستةَ أيامٍ وتمَّ بناءُ القلعةِ، وأرهقتِ المناوشاتُ الجيشَ الإسبانيَّ، ولم يظهرْ أثرٌ لجيشِ بني زيّانَ فقرّرتِ القيادةُ الإسبانيةُ المبادرةَ بالهجومِ. خلالَ يومينِ بدتِ علاماتُ الإعياءِ والإنهاكِ على الإسبانِ، فبدؤوا بالانسحابِ، وفي اليومِ الثالثِ شنَّ خيرُ الدينِ بفرقةٍ من خمسمئةِ مقاتلٍ هجوماً من خلفٍ على معسكرِ الإسبانِ لتدميرِهِ وحرقِ قواربِهم، خُدعَ الإسبانُ بحركةِ الالتفافِ هذهِ فهُرعُوا نحوَها تاركينَ مواقعَهُمُ الدّفاعيةَ، فاغتنمتْ قواتُ خيرِ الدينِ الفرصةَ، وانقضّتْ بكلِّ قوتِها مُحدِثَةً خللاً وإرباكاً في صفوفِ الإسبانِ ممّا اضطرَّ بعضَهُم لتسليمِ نفسِهِ دونما قتالٍ، وغدتِ القواتَ الإسبانيةُ وسطَ ذهولٍ كبيرٍ محاصرةً من البرِّ وليس أمامها سوى البحرِ، فاندفعتْ نحوَه مخلّفةً عتادَها في ساحِ القتالِ. في هذا الوقتِ ثارَ البحرُ واشتدَّ هيجانُهُ ما جعلَ اقترابَ السفنِ الإسبانيَّةِ من الساحلِ خطِراً وغيرَ متاحٍ، فلمْ يستطعِ الوصولَ إليها من الجندِ إلا القليلُ وبقيَ معظمُ الجيشِ على الساحلِ فقتلَ من قُتِلَ، وغرقَ حوالَيْ أربعةِ آلافٍ، واستسلمَ ما يزيدُ على ثلاثةِ آلافٍ قُتِلُوا أيضاً -يذكرُ بعضُ المؤرخينَ أنَّ قتلَهُم كانَ انتقاماً لمقتلِ إسحاقَ بنِ يعقوبَ أخي خيرِ الدينِ الأكبرِ الذي قُتلَ بعدَ استسلامِه-. انتهتِ المعركةُ في 26 شعبان 925هـ الموافقِ ل24 أغسطس/آب 1519م أيْ إنّها دامتْ ثمانيةَ أيامٍ، ويُذكَرُ أيضاً أنَّ أربعةً وعشرينَ سفينةً من الأسطولِ الإسبانيِّ جرفتْها الأمواجُ إلى الساحلِ بكلِّ ما فيها.
يذكرُ "عزيزُ سامح ألتر" أن خيرَ الدينِ في ربيعِ سنةِ 927هـ/1520م أرسلَ قوةً إلى تنسَ لإعادتِها إلى نفوذِهِ، فطلبَ صاحبُها النجدةَ من الإسبانِ، فقدمتْ خمسَ عشرةَ سفينةً لمساندتِهِ، ولكنَّ خيرَ الدينِ أرسلَ ثمانيَ عشرةَ سفينةً دعماً للقوةِ التي أرسلَها وقادَ بنفسِهِ عمارةً بحريةً أخرى، وتوجّهَ مباشرةً إلى تنسَ وضمَّ قلعتَها، وغنِمَ خمسَ سفنٍ إسبانيةِ، وعادِ بعدَها إلى الجزائر.