اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عمدت الدولة الأيوبية إلى القضاء على المذهب الشيعي، ومحو أثره وتدعيم ونشر المذهب السني في كافة أنحاء البلاد، وذلك بعد أن بلغ الصراع الديني في الإسلام ذروته في تلك الفترة، كانت السياسة التعليمية التي لجأ إليها الفاطميون لنشر الدعوة لمذهبهم في مصر وما رافقه من تعذيب وتفكيك، قابلها السلاجقة في الشام بتعصبهم للمذهب السني، وأنشأوا المدارس لمكافحة المذهب الشيعي. لم تكد تتم لنور الدين زنكي السيطرة على مصر حتى تعجل صلاح الدين بمحو الخلافة الفاطمية، وتوحيد البلاد تحت راية الخليفة العباسي السني. أخذ صلاح الدين منذ أن ولي مصر للخليفة الفاطمي العاضد بالعمل على نشر المذهب السني، فأنشأ عددًا من المدارس السنية، وقد تجلت ظاهرة التصوف والإكثار من بناء منازل للصوفية عرفت باسم الخوانق. اهتم صلاح الدين بجذب العلماء وكذلك جذب الصوفية فأنشأ أول خانقاه للصوفية في مصر وجعلها برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، ووقف عليهم أوقافًا جليلة، وولى عليهم شيخًا يدبر أمورهم عرف بشيخ الشيوخ، يذكر تقي الدين المقريزي: «أن سكانها من الصوفية كانوا معروفين بالعلم والصلاح، وأن عدد من كان بها بلغ الثلاثمائة، وقد رتب لهم السلطان الخبز والحلوى في كل يوم، وأربعين درهماً في العام ثمن كسوة، وبنى لهم حماماً بجوارهم، ومن أراد منهم السفر، أعطي نفقة تعينه على بلوغ غايته». وقال الرحالة ابن جبير: «وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأن قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرغ خاطرها لعبادته من الفكر في أسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم بالجنان». كانت لسياسة صلاح الدين وخلفائه مع المتصوفين الأثر الكبير في تشجيع كثرة الزوايا والربط اللتين اجتذبتا حولهما الأتباع والمريدين، في المقابل كان لكثرة الإقبال على التصوف في العصر الأيوبي بعد ازدياد عدد الوافدين على مصر من زعماء المتصوفة ومشايخهم وبخاصة من المغرب العربي الذين أشاعوا حياة الزهد والتقشف، قد ترك أثرًا خطيرًا في المجتمع المصري نتيجة زيادة العاطلين عن العمل، والذي انعكس سلبًا على الحياة الاقتصادية في الدولة الأيوبية.
عانى بعض المسيحيين في بلاد المسلمين أشد المعاناه من الصليبيين الغزاه، فعندما احتل الصليبيون مدينة أنطاكية، طردوا الأروام من كنائسهم الكبرى، وطردوا أساقفهم، ثم عينوا بطريركًا وعدة أساقفة، وقام اللاتين المنتصرين بالاستيلاء على أديرة الأرمن والروم والسوريين والجورجيين، كما عاملوا المسيحيين الأرثوذكس معاملة قاسية إذ استولوا على كنائسهم وحولوها إلى كنائس لاتينية، على الرغم من مشاركة الأرمن والسوريان والموارنة في مساعدة الصليبيين. لما احتل الصليبيون القدس منعوا النصارى المصريين من الحج إليها بدعوى أنهم ملحدون، وكتب أحد المؤرخين الأقباط يشكو من هذه المعاملة: «لم يكن حزن اليعاقبة بأقل من المسلمين، بأي حق يمنع النصارى الأقباط من الحج إلى القدس أو الاقتراب من المدينة، إن الصليبيين يكرهوننا، كما لو كنا ضللنا عن الإيمان القويم». افتتح صلاح الدين عهده في الوزارة بطرد الموظفين الأقباط من مناصبهم، ولكنه سرعان ما أعادهم إليها مرة أخرى، ومن المحتمل أن يكون إخراجه للذميين من وظائفهم هو بمثابة حركة تطهير أجريت ضد الفاطميين أكثر منها بغضًا من النصارى، كما أنه صار لزامًا عليهم أن يتزينوا بزي خاص بهم. كانت سياسة صلاح الدين واضحة بالتسامح مع النصارى الشرقيين، ويعود ذلك إلى أن النصارى سهلوا له مهمة الاستيلاء على بيت المقدس، وذلك بإلحاحهم على الصليبيين بأن يسلموا المدينة، لمَّا كان عددهم يفوق عدد الصليبيين تمكنوا من تحقيق رغبتهم. رافق صلاح الدين في حملته لبيت المقدس عدد كبير من الأقباط، ودخلوا معه القدس كَكُتاب وكعمال مهرة. بعد انتصار صلاح الدين على الصليبيين منحهم ديرًا ملاصقًا للقبر المقدس بالقدس وهو المعروف باسم دير السلطان، مكافئة لمواقفهم النبيلة معه ضد الصليبيين، كما أعاد الأقباط إلى وظائفهم العليا في الدولة، واسترد آخرون أموالهم وممتلكاتهم التي سلبت منهم أيام سقوط الدولة الفاطمية، اختار صلاح الدين قبطيًا هو صفي الدولة بن أبي المعالي الملقب بابن شرقي ككاتب خاص له. كانت أحوال الأقباط في أيام الدولة الايوبية رغم ما تخللها من صعوبات أفضل من غيرها من الدول، حيث شارك المسيحيون العرب في إدارة الدولة الايوبية، ومن أبرزهم: أبو سعيد بن أبي اليمن بن النحال وزير العدل، والأسعد أبو الفرج صليب بن ميخائيل صاحب ديوان الملك الصالح، والطبيب علم الدين أبو النصر جرجس، وأبو الفرج بن ميخائيل رئيس ديوان الملك العادل، وابن المصوف أمين أموال الحكومة في ايام صلاح الدين وغيرهم. أُقيم أول مطران قبطي في القدس سنة 1236م، وذلك مع ازدياد الأقباط في القدس وازدياد ممتلكاتهم من كنائس وأديرة، ولكثرة وجود الأقباط في الشام قام البابا كيرلس الثالث برسامة أول مطران قبطي للقدس سنة 1236م وأعطاه السلطان الرعاية من فلسطين حتى نواحي الفرات، وقبل هذا كانت مصالح الأقباط ترعاها الكنيسة السريانية في القدس.
أثناء الحملة الصليبية الثالثة ظل اليهود مقيمين في عسقلان وذلك لأنها لم تتعرض للإبادة مثل نظيرتها من المدن، أما القدس فلم يُسمح لليهود خلال هذه الفترة التي أعقبت تأسيس مملكة بيت المقدس إلا بأربع عائلات فقط للسُكنى في المدينة المقدسة. أظهر الملك بلدوين الأول تقاربًا مع اليهود كرعايا، فسمح لهم بدخول المدينة المقدسة، أما بالنسبة لباقي مدن الشام فقد تناقص عدد اليهود بشكل عام خوفًا من المذابح والقتل. عُومل اليهود معاملة حسنة ومارسوا أثناء الحكم الصليبي لبلاد المسلمين مهنة الصباغة وصناعة الزجاج وامتلك اليهود سفنًا بخارية والتزم اليهود بدفع الضريبة للحكم الصليبي، وقد استفاد اليهود من الأوضاع السائدة في القرن الثاني عشر الميلادي وأصبحت العلاقات بين الجالية اليهودية والنظام الصليبي إيجابية مما سهل عمليات الهجرة اليهودية وتسهيل عمليات الحج، بقيت القدس المدينة الوحيدة المحرمة على اليهود حتى عام 1178م، عندما دخل صلاح الدين المدينة وسمح لهم بدخولها، واصل خلفاء صلاح الدين نفس السياسة مع اليهود إلى أن سياسة التسامح لم تمنع صلاح الدين من تحويل المعابد اليهودية إلى مساجد على أساس أنها كانت في الأصل مساجد فقام الصليبيون بتدميرها. بقى اليهود في القدس حتى جاء عام 1244م حين تم تحرير المدينة المقدسة على يد الخوارزمين والصالح نجم الدين أيوب، حيث تم إعفاؤهم من الضرائب. كان لليهود دور في مواجهة الحروب الصليبية، حيث تشير الروايات إلى أن السيوف الصليبية لم تفرق بين المسلمين والمسيحيين واليهود العرب في مجزرة بيت المقدس، فقد كانت النظرة الصليبية الدينية تجاه الفريقين على أساس تكفر المسلميين واليهود باعتبارهم أعداء المسيح.
أقر الأيوبيون للموحدين الدروز بمكانتهم كأمراء حرب على جبل لبنان لمقاومتهم عن المشرق الإسلامي أمام غزو الفرنجة، حيث كان للمقاتلين العرب الدروز وجود ملموس في معركة حطين، فأراد صلاح الدين أن يكافئهم على ذلك مكافأة رمزية، فأوكل لهم خدمة وإدارة شؤون مقام النبي شعيب المجاور لسهل حطين الذي جرت عليه المعركة. لم تقتصر مشاركة الدروز في معركة حطين فقط بل شاركوا في العديد من المواجهات الرئيسية والثانوية ضد الصليبيين، وعندما تقدم صلاح الدين لتحرير المدن التي يحتلها الصليبيون على الساحل السوري الممتد آنذاك من الإسكندرونة وأنطاكية شمالًا إلى ساحل غزة جنوبًا، انضم إليه المقاتلون الدروز بقيادة أميرهم آنذاك جمال الدين التنوخي، فقام صلاح الدين بتعينه حاكمًا على مدينة بيروت وجبل لبنان.
بالرغم من أن السلاطين الأيوبيين كان همهم الجهاد والكفاح ضد الصليبيين، إلا أنهم اهتموا بالعلم والعلماء، فهذا الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق من شدة رغبته في الأدب وأهله اشترط لكل من يحفظ كتاب المفصل للزمخشري مئة دينار وخلعة. كما أن بهرام شاه فرخشاه صاحب بعلبك كان شاعرًا وأديبًا، والمؤرخ أبو الفداء هو اسماعيل بن علي عماد الدين صاحب حماة. إلى جانب الملوك والأمراء برزت طبقة من الوزراء والكتاب الذين ساهموا مساهمة فاعلة في الحياة العلمية في ذلك العصر، ومنهم: القاضي الفاضل أبو علي محي الدين اللخمي وزير صلاح الدين وصاحب الطريقة الفاضلة في الإنشاء، وكتب عددًا ضخمًا من الرسائل، وعماد الدين الأصفهاني الكاتب والمؤرخ الذي عينه صلاح الدين نائبًا عن القاضي الفاضل، اشتهر بمؤلفاته الأدبية خريدة القصر وخريدة العصر والفتح القسي في الفتح القدس والبرق الشامي، والأمير أسامة بن منقذ أحد أمراء بني منقذ أصحاب حصن شيرز، الذي ألف كتاب الاعتبار المتضمن لدراسة مقارنة بين عادات المسلمين والفرنجة، وبهاء الدين أبو المحاسن المعروف بابن شداد صاحب كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، والأديب ضياء الدين بن الأثير وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين، والمؤرخ عز الدين بن الأثير صاحب كتاب الكامل في التاريخ، وجمال الدين القفطي صاحب كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء، والمؤرخ الدمشقي شهاب الدين أبو شامة المقدسي صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية وما وقع من الحروب الصليبية، والقاضي شمس الدين ابن خلكان صاحب كتاب وفيات الأعيان، والمؤرخ جمال الدين بن واصل الحموي صاحب كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، وابن أبي أصيبعة صاحب كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء، وأبي صالح الأرمني وابن عساكر الدمشقي.
شهد العصر الأيوبي ازدهارًا في علم اللغة، ومن أبرز من برعوا في هذا العلم محمد بن بري، وأبو الفتح البلطي، وابن عبد المعطي الزواوي، وابن الحاجب. أما الشعر فقد طغى عليه طابع الجهاد والكفاح، وأصبحت أغلب القصائد الشعرية في جميع أنحاء الشرق العربي تشيد بالانتصارات وأعمال البطولة، ومن أشهر شعراء العصر الأيوبي الشاعر المصري ابن سيناء صاحب كتاب دار الطرز، وابن شمس الخلافة، وكمال الدين ابن النبيه المصري، والشاعر الصوفي عمر بن الفارض، وجمال الدين يحيى بن مطروح، وبهاء الدين زهير الذي عاش في خدمة الملك الصالح أيوب. أظهر سلاطين بني أيوب عناية كبيرة في اقتناء الكتب شملت المنطق والفلسفة والهندسة والفلك والموسيقى والطب بالإضافة إلى الكتب الدينية، فالملك المؤيد مسعود بن صلاح الدين صاحب اليمن كان مغرمًا باقتناء الكتب حتى اشتملت مكتبته على آلاف الكتب، والمكتبة التي عني بها السلطان الكامل بالقلعة كانت في الأصل تؤلف مكتبة القاضي الفاضل، ثم عني بها ابنه الأشرف أحمد حتى أمر السلطان الكامل بوضع اليد عليها ونقلها إلى القلعة سنة 626 هـ الموافق 1229م، لتصبح نواة مكتبة كبيرة ضمت ثمانية وستين ألف مجلد.
زادت عدد المدارس زمن الأيوبيين، حتى أصبح بالقاهرة حوالي ثلاثة عشر مدرسة، والواقع أن الأيوبيين لم يبتكروا نظام المدارس، وإنما يعود الفضل في ذلك للسلاجقة الذين استحدثوا هذا النظام لنشر المذهب السني ومكافحة الفكر الشيعي، وتهيئة عقول المسلمين لفكرة الجهاد، وكان نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ملكشاه أول من أسس مدرسة في بغداد. يذهب المؤرخون إلى القول أن صلاح الدين إنما قصد إنشاء المدارس محاربة المذهب الشيعي، وعن كثرة مدارس القاهرة يقول ابن جبير: «ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد». أنشأ الأيوبيون مدرستان بالفيوم وأربع وعشرون مدرسة بالفسطاط والقاهرة، وفي الشام أُنشئ أثناء العصر الأيوبي خمسون مدرسة في دمشق واثنتان وعشرون مدرسة في حلب، أما المدارس التي أنشئت بالفسطاط (مصر القديمة) والقاهرة في العصر الايوبي فهي كما يلي: المدرسة الناصرية أو الشريفية أو مدرسة زين التجاري: أنشأها صلاح الدين الايوبي في أول المحرم سنة 566 هـ الموافق 1170م جنوب مسجد عمرو بن العاص، ووقفها على المذهب الشافعي، وكانت أول مدرسة أنشئت بديار مصر تحت اشراف الدولة، وأول من درس بها الفقيه ابن زين التجار. المدرسة القمحية: أنشأها صلاح الدين بجوار مسجد عمرو بن العاص أيضًا ووقفها على المذهب المالكي، ووقف عليها ضيعة بالفيوم كانت تدر قمحًا كثيرًا يوزع على طلابها وعلى العالمين بها، ولذلك سميت بالمدرسة القميحة. المدرسة القطبية: أنشأها الأمير قطب الدين خسرو بالقاهرة، وهو أحد أمراء صلاح الدين ووقفها على المذهب الشافعي. مدرسة ابن الارسوقي: أنشأها التاجر العسقلاني ابن الأرسوقي بالقسطاط. المدرسة السيوفية: أنشأها صلاح الدين سنة 572 هـ الموافق 1176م ووقفها على المذهب الحنفي، وكانت قريبة من سوق الصنارقيين. المدرسة الصلاحية أو مدرسة الخيوشاني: أنشأها صلاح الدين بجوار ضريح الإمام الشافعي، ووقفها على المذهب الشافعي، وأشرف على بنائها الشيخ نجم الدين بن الموفق الخبوشاني ودرس بها. مدرسة المشهد: أنشأها صلاح الدين بجوار المشهد الحسيني. المدرسة التقوية: نسبته إلى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخ صلاح الدين، وقد أنشأها بالفسطاط في المكان المقابل لجزيرة الروضة، ووقفها على المذهب الشافعي، وحينما كانت الفيوم اقطاعا لتقي الدين عمر بني بها مدرستين إحداهما للشافعية والأخرى للمالكية. المدرسة الفاضلية: أنشأها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن على البيساني بالقاهرة ووقفها على مذهبي الشافعية والمالكية، وجعل لها مكتبة ضخمة قوامها حوالي مائة ألف مجلد. المدرسة العادلية: أنشأها الملك العادل ووقفها على المذهب المالكي. المدرسة الأزكشية: أنشأها الأمير أباز كوج أحد أمراء صلاح الدين، ووقفها على المذهب الحنفي. المدرسة الغزنوية: بناها الأمير حسام الدين قايماز مملوك السلطان نجم الدين أيوب، ووقفها على المذهب الحنفي. المدرسة القطبية: أنشأتها السيدة عصمة الدين مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل ووقفها على مذهبي الشافعية والحنفية. المدرسة الشريفية: أنشأها ابن نصر اسماعيلي بن ثعلب ووقفها على المذهب الشافعي. المدرسة الفائزية: أنشئت سنة 612 هـ الموافق 1215م، ووقفت على المذهب الشافعي. المدرسة الصاحبية: أنشأها صفي الدين عبد الله بن شكر، ووقفها على المذهب المالكي وعلم النحو. المدرسة الكاملية: وكانت تعرف بدار الحديث، أنشأها الملك الكامل. المدرسة الفخرية: أنشئت سنة 622 هـ الموافق 1225م. المدرسة السيفية. المدرسة العاشورية. المدرسة المسرورية. المدرسة الصيرمية. مدرسة ابن رشيق: ووقفت على المذهب المالكي. المدرسة الصالحية: أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب في سنة 640 هـ الموافق 1243م بخط ما بين القصرين قريبًا من الصاغة، ووقفها على المذاهب الأربعة، وهو أول من عمل بديار مصر دروسًا أربعة في مكان واحد، ودخل في هذه المدرسة باب القصر الشرقي الكبير المعروف بباب الزهوتة. بلغت جملة المدارس المعروفة بمصر القديمة والقاهرة في العصر الأيوبي أربعًا وعشرين مدرسة منها: ست مدارس خصصت للمذهب الشافعي، وثلاث مدارس خصصت للمذهب الحنفي، وثلاث مدارس خصصت للمذهب المالكي، ومدرسة واحدة خصصت للمذهبين الشافعي والمالكي معًا، ومدرسة واحدة خصصت للمذهبين الشافعي والحنفي معًا، ومدرسة واحدة خصصت للمذهب المالكي وعلم النحو، ومدرسة واحدة خصصت للمذاهب الأربعة، ومدرسة واحدة خصصت للحديث، سبع مدارس لم تحدد مذاهب الدراسة بها. من المظاهر الهامة ما لوحظ بمصر من قلة المدارس الحنبلية وكثرة المدارس التي يجري بها تدريس المذاهب الثلاثة عكس ما كان جاريًا في دمشق.
كانت المدارس في العصر الأيوبي أشبه ماتكون بجامعات، فبعد أن كانت تدرس فيها العلوم الدينية، أصبحت مع الأيام تدرس العلوم اللغوية التي اشتملت على النحو واللغة والبيان والأدب، بالإضافة للفلسفة والعلوم الطبيعية. لم يكن يعين بالمدرسة أول الأمر إلا مدرس واحد يختار من مشايخ علماء عصره، ثم صار يعين أكثر من مدرس في المدارس الكبيرة، ففي المدرسة المالكية بالقاهرة والتي كانت تعرف بالقمحية، عين صلاح الدين أربعة مدرسين وجعل كلًا منهم يقوم بالتدريس لعشرين طالبًا. يساعد المدرس عادة معيد، وهو أقل مرتبة من المدرس، وأعظم درجة من عامة الطلبة، وظيفته إعادة الدرس الذي ألقاه عليه المدرس، وقلَّ أن خلت مدرسة من معيد في جميع مدارس العصر الأيوبي، وذكر السيوطي أن المدرسة الصالحية خلت من مدرس مدة ثلاثين سنة، واكتفى فيها بالمعيدين. أما طريقة التدريس فاعتمدت عادة على الإلقاء والتلقين، وباللإضافة للمدارس ذات التعليم العالي، وجدت في العصر الأيوبي كتاتيب لتعليم الصغار القراءة والكتابة وتحفيظهم القران الكريم، يقول ابن جبير: «من مآثر صلاح الدين ما أمر ببنائه من الكتاتيب لتعليم أبناء الفقراء والأيتام خاصة، وأجرى عليهم الجراية الكافية لهم». يقول المقريزي: «إن المدرس في المدرسة الصلاحية كان يتقاضى أربعين دينارًا في الشهر، ثم اضطربت الأمور فصار المدرس لا يتقاضى إلا ربع المعلوم».
لم تعرف الحياة الاجتماعية في مصر في العصر الأيوبي حياة البذخ والترف على غرار ما كان في العصر الفاطمي. تميز صلاح الدين بالبعد عن التلهي والشغف بالحياة، ومما يُروى عن صلاح الدين أنه عندما ولى ابنه الظاهر حلب، عمل وتلهى وشُغف بالمُلك وأحبه، فخاف صلاح الدين أن يسد عليه حبه للمنصب والجاه حسن الخدمة، فعزله عن ولاية حلب وأرسل مكانه أخاه العادل، كما طلب منه الملك العادل أن يكتب له اقطاع حلب كتابًا ككتاب البيع والشراء، فامتنع صلاح الدين وقال له: «أظننت أن البلاد تباع، أوما علمت أن البلاد لأهلها المرابطين بها، ونحن خزنة المسلمين ومراعاة للدين وحراس لأموالهم». تذكر المصادر أن صلاح الدين كان كريمًا ينفق كل ما في يده في جوه الخير، وقد بلغ من فرط كرمه وزهده أنه لم يكن لديه مال يتزكى به، ولما توفي لم يترك وراءه لا دار ولا مزرعة، قال ابن شداد كاتب سيرته: «لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ودينارا واحدا، ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا مزرعة».
اهتم الأيوبيون في إحياء الأعياد الدينية، مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، ورأس السنة الهجرية، ومولد النبي محمد، وليلة أول رجب وليلة نصفه وليلة شعبان وليلة نصفه، ولكن من غير اسراف، وبدون تهتك ومع مراعاة للجانب الاقتصادي. يُحدِّث المقريزي أن بعض خلفاء صلاح الدين أسرفوا أحيانًا في مد الأسمطة وإحياء بعض الحفلات، ومن ذلك ما اشتهر به العزيز عثمان من إقامة الأسمطة الكبرى لأعيان دولته بين حين وآخر، كما أن السلطان الكامل أقام سمطًا بمناسبة ختان ابنه العادل الصغير وانفق في سبيل ذلك أموالًا باهضة، كما أقام السلطان العادل الصغير سمطًا في الميدان الأسود تحت القلعة، ذبح فيه ألف رأس من الغنم، فضلًا عن البقر والجاموس والإبل، في المقابل قام صلاح الدين في بدايات حكمه لمصر بإلغاء الاحتفال بيوم عاشوراء. مثَّل العصر الأيوبي اهتمامًا بالغًا بالعمران والبناء، فقد أنشأ صلاح الدين في سلطنته الكثير من الكليات والمستشفيات والمدارس المجانية، ولا يكاد يفتح مدينة حتى يؤسس فيها المعاهد والمرافق، ويبني الجسور والترع. يصف القلقشندي المجتمع المصري في العصر الأيوبي بقوله: «وزخرت القاهرة بالدور الضخمة، والمباني الرهيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة، وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت، مفروشة الأرض بالرخام... ولأهلها الميل إلى تعلية المساكن، فارتفعت بعض الدور طبقتين وأربع طبقات، وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها». ولم يقتصر هذا الاهتمام العمراني على القاهرة دون سواها، فقد ذكر ابن جبير في وصفه بعض مدن الصعيد: «إنها كانت ممتازة حسنًا ونظافة وبنيانًا وصفًا». فرض الجهاد وسائل معينة للتسلسة في المجتمع الأيوبي وخاصةً المجتمع الشامي مثل الخروج للصيد، إذ كان الأيوبيون يهتمون بصيد الحيوانات وفق ترتيب كأنه ترتيب الحرب، ومارسوا رياضة الرمي بالبندق التي انتقلت إليهم من العراق، كما مارسوا لعبة الكرة والصولجان التي مارسها السلطان صلاح الدين بشغف، على الرغم من أن الفقهاء لم ينظروا إليها بارتياح، كما حظيت رياضة الفروسية باهتمام الملوك والسلاطين.
ازدهر في العصر الأيوبي عنصران من عناصر العمارة الإسلامية، الأول: المدارس التي شيدت لنشر المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي، الثاني: تطور بناء الأسوار والاستحكامات والقلاع بتأثير ما عرفه المسلمون عند الصليبيين. أمر صلاح الدين سنة 1167م ببناء سور يحيط بالقاهرة ومصر (القطائع والعسكر والفسطاط)، وبتشييد قلعة الجبل وجعل الأشراف على هذا البناء للأمير بهاء الدين قراقوش، وجلبت مواد البناء من بعض أهرام الجيزة وساعد في العمل ألوف من أسرى الفرنج، وقد أضيف إلى القلعة بعد صلاح الدين أجزاء كثيرة كما حدث فيها تعديل غير بعض معالمها الأولى. من العمائر التي ترجع إلى العصر الأيوبي قبة الأمام الشافعي التي أنشأها سنة 1211م الملك الكامل محمد، كذلك المدرسة الصالحية التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 1242م ولم يبق منها الآن إلا جزء صغير، كذلك الإيوان المعروف بإيوان الثعالبة، وتعتبر قبة شجرة الدر كذلك من الآثار الأيوبية، يقول ابن جبير الذي زار مصر 578 هـ: «المسخرون في بناء هذا السور والمتولون لجميع اهتماماته ومسئوليته العظيمة كنشر الرخام، ونحت الصخور وحفر الخندق المحدق بالسور، هم الأسرى من الروم (الصليبيين) وعددهم لا يحص كثرة». زخرت القاهرة بالدور الضخمة والمنازل الرحيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة، وغالب مبانيها بالأجر وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت مفروشة الأرض بالرخام، وغالب سقوفها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة وكلها أو أكثرها جرى تبيض جدرانها بالكلس الناصع البياض، ولميل أهلها إلى تعلية المساكن، ارتفعت بعض الدور إلى طبقتين وأربع طبقات، وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها، ويصف البغدادي الذي زار القاهرة زمن الدولة الأيوبية ما جرى من نشاط في البناء والعمارة فيصف مظاهر الاهتمام ببناء المراحيض بالدور وأحكام قنواتها، حتى إذا تخربت الدار ظلت القناة قائمة، وحرص أرباب الدور على أن يمعنوا في حفر المرحاض حتى يصل إلى الماء الجوفي فلا يحتاج إلى الكسح، ويذكر عن الحمامات بالقاهرة أنه لم يشاهد فيما زاره من البلاد أتقن منها صنعا ولا أحكاما ولا أحسن منظراً.
تركزت حركة العمارة بفلسطين في العهد الأيوبي بالقدس الشريف والخليل، وعليه فإن العمارة الأيوبية قليلة جدًا في المناطق والمدن الساحلية من فلسطين، واقتصر عملهم في تلك المناطق الداخلية والساحلية على تحويل العمائر القائمة إلى مساجد أو بيمارستان وغيرها. لكن هذا لم يمنع أحيانًا من إقامة رباطات عسكرية في المناطق الساحلية مثل رباطات: غزة وميماس وعسقلان وأسدود ويافا، ففي هذا العصر تركز الاهتمام على الإنفاق على القضايا العسكرية التي تخدم المعركة. بُنيت عمائر هذا العصر وفق مخطط مربع غير منتظم تتوسطها فسحة سماوية طولانية تحيط بها الغرف من ثلاثة أو أربعة جهات، وجعلت في طابقين وأقيم درج في إحدى زوايا هذه الفسحة السماوية، كانت الأساسات والجدران غالبا من الحجر، وتتصل بعضها ببعض بواسطة ملاط مؤلف من الكلس والرمل، وكانت الجدران تورق وتطلى بطلاء أبيض. كانت البيوت الأيوبية خالية من الزخارف، ويمكن القول إن العمارة في هذا العصر تشترك مع عمارة سائر بلاد الشام في أنها تحمل الطابع الإسلامي وهي متعددة الأغراض فلم تقتصر على بناء المساجد التي تُرى شواهدها في القدس والرملة والخليل، بل تعدتها إلى كثير من المباني كالمدارس والبيمارستانات وغيرها، ومن أهم شواهد هذه العمارة: جامع النبي يونس في بلدة حلحول الذي بناه الملك العظيم عيسى بن الملك العادل الأيوبي، وتجديد جامع الخليل (الحرم الإبراهيمي الشريف)، وتجديد عمارة الجامع الأبيض، وقيام صلاح الدين الأيوبي ببناء جامع نابلس الكبير.
شهدت الشام في العهد الأيوبي حركة عمرانية نشطة، تجلَّت في توسيع المدن وتجديد أسوارها، وتشييد العديد من الحصون والقلاع، وتزويد الطرق العامة بالخانات كمحطات للقوافل، وامتلأت المدن بالمباني العامة كالمساجد والمدارس والخانقاهات والبيمارستانات والحمامات والقيساريات والخانات والترب الفخمة المزودة بالقباب. كان يغلب على المباني الأيوبية طابع البساطة والتقشف من حيث الزخرفة بسبب حالة الحرب، ولكنها تميزت بالمتانة والقوة وإتقان التصميم والاعتماد على مادة الحجر، وإتقان نحته واستخدامه بمقاييس كبيرة، كذلك حدث تطور ملحوظ على العمارة العسكرية، حيث فاقت الأبراج والأسوار بحجمها وارتفاعها ومتانتها كل ما هو معروف من قبل ومن بعد، نجد ذلك في قلعتي حلب ودمشق بشكل خاص. تأصلت في تصاميم المباني العناصر التي شاعت في العهد السلجوقي، وامتزجت بالعناصر المحلية التراثية، فأصبحت فناءاتُها المزودة ببركة مستطيلة أو مضلعة، محاطةً بالأواوين في عدد من الجهات، وتشترك الأروقة معها أحيانًا، كما في مدرستي الفردوس والطرنطائية في حلب.
رغم طابع التقشف، فقد ارتقت فنون النقش على الخشب والجص، وتخلَّف عنها نماذجُ رائعة، كمحراب المدرسة الحلوية الخشبي في حلب، وكمنبر جامع الحنابلة في دمشق، وكاللوحات الجصية التي تشاهد في العديد من مباني دمشق الأيوبية، وفي قمة الإنجاز الزخرفي محراب مدرسة الفردوس في حلب المصنوع من الرخام الملون المتشابك الأشكال، الذي يعتبر من أندر محاريب العالم الإسلامي.