اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أثبتت الأحداث الأخيرة أنَّ بيزنطة لا تزال تُكنُّ العداوة لِلعُثمانيين، وأنَّ الإمبراطور البيزنطي يستغل الفُرص المُتاحة لِزعزعة كيان الدولة العُثمانيَّة وتقسيم أراضيها، فأراد مُراد الثاني أن ينتقم من نظيره عمانوئيل، وأدرك هذا الأخير سوء عمله، وشعر بِالخطر يتهدَّده، فحاول أن يُخفِّف من غضب السُلطان، فبعث إليه يُهنِّئه بانتصاره على مُصطفى چلبي، ويعتذر عمَّا بدر منه، لكنَّ مُراد الثاني لم يكترث باعتذاره، فلم يكد الوفد البيزنطي يُغادر البلاط السُلطاني حتَّى أعدَّ العُثمانيُّون العدَّة لِضرب حصارٍ على القُسطنطينيَّة وفتحها. وكان الإمبراطور الكهل قد اعتزل السياسة وترك أُمُور الدولة لِقسيمه في المُلك، وابنه، يُوحنَّا الثامن، وانكبَّ على تأليف الكُتُب، فلمَّا بلغه انتصار السُلطان مُراد ومقتل مُصطفى چلبي اضطرَّ أن يعود إلى الحياة السياسيَّة لِإصلاح الوضع قبل أن يحصل ما لا تُحمد عُقباه، لا سيَّما وأنَّ يُوحنَّا الثامن كان يُعادي العُثمانيين دون تبصُّر بِالعواقب، ولم يكن قادرًا على الدفاع عن البلاد تجاه ما قد يقوم به العُثمانيين إزاءها. زحف السُلطان مُراد، في شهر جُمادى الآخرة 825هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 1422م، على رأس قُوَّاتٍ كثيفة تُقدَّر بِما بين ثلاثين وخمسين ألف جُندي إلى القُسطنطينيَّة وحاصرها. وقد تجهَّز الجيش العُثماني بِأدوات الحصار والمدافع الكبيرة، فكانت تلك أوَّل مرَّة تُستخدم فيها المدافع المشهورة بِالـ«شاهينيَّة» في الجُيُوش العُثمانيَّة. ذكر المُؤرِّخ البيزنطي «يُوحنَّا كنانوس»، الذي عاصر هذا الحصار، أنَّ الجيش العُثماني طهَّر المنطقة المُجاورة لِلقُسطنطينيَّة أولًا بِقيادة مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي، ثُمَّ وصل السُلطان مُراد يوم 20 حُزيران (يونيو) على رأس القُوَّة الأساسيَّة ومعه آلات الحصار، فأقامها على الأسوار وبدأ بِالتضييق على المدينة. استمرَّ هذا الحصار نحو أربعة أشهر، أي حتَّى نهايات شهر شوَّال المُوافق لِشهر أيلول (سپتمبر)، وقد شارك فيه العالم شمس الدين مُحمَّد بن علي البُخاري مع خمسُمائة من مُريديه، ممَّا أعطى العُثمانيين دفعًا معنويًّا. أمَّا الروم، فقد دافعوا عن بلادهم على أحسن وجه، وعملوا على إصلاح الإضرار التي كانت تلحق بِالأسوار، حتَّى أنَّ النساء شاركن في الدفاع عن المدينة. ويُروى أنَّ أشد هُجُوم تعرَّضت لهُ القُسطنطينيَّة كان في يوم الإثنين 6 رمضان المُوافق فيه 24 آب (أغسطس) من السنتين المذكورتين. غير أنَّ هذا الهُجُوم أيضًا لم يُسفر عن شيء. والحقيقة فإنَّ القُسطنطينيَّة كانت قاب قوسين أو أدنى من السُقُوط بِيد المُسلمين بعد أن تهالكت أوضاعها الداخليَّة نتيجة الحصار المُستمر، ولم يُنقذها سوى تمرُّد الشاهزاده مُصطفى چلبي الأصغر الشهير بِـ«كُجُك مُصطفى»، وهو الأخ الصغير لِمُراد الثاني، إذ كان قد خرج على أخيه وشقَّ عصا الطاعة، ممَّا اضطرَّ السُلطان إلى فك الحصار والعودة إلى الأناضول لِلتعامُل مع الوضع. بناءً على هذا، نجت القُسطنطينيَّة وبقيت في حوزة الروم لِمُدَّة إحدى وثلاثين سنةٍ أُخرى، إلى أن فتحها السُلطان مُحمَّد الفاتح. وكان هذا الحصار السادس، هو آخرُ حصارٍ فرضه المُسلمون على القُسطنطينيَّة قبل فتحها. ولقد شرح البيزنطيُّون هذه النجاة بِمُعجزةٍ فحواها أنَّ السيِّدة مريم العذراء، وقفت، في أثناء الحرب، على الأسوار، وأنَّها دافعت عنها، وتحقَّقت بِذلك المُعجزة ونجت المدينة.