اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أمام تلك المُستجدَّات، خرج سيف الدولة خارج حلب، وجمع الحلبيين وقال لهم: «عساكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد خالفها، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي عسكري، وأعود إليكم وأكون من ظاهر البلد، وأنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء»، أي أنَّهُ أراد حصر الجيش البيزنطي بين فكَّي كمَّاشة، فنصح الحلبيين بِإغلاق أبواب المدينة والدفاع عنها من الداخل عندما يُحاصرها الجيش البيزنطي، في حين يُحاصره هو من الخارج، فيضطر أفراده لِلقتال على جبهتين. رفض عامة أهل حلب الفكرة، فقال لهم: «اثبتوا فإني معكم». نزل عسكر سيف الدولة في جبل بانقوسا عند باب اليهود، وهو الباب الشمالي من أبواب حلب، ثُمَّ استنفر أهل المدينة للقتال، فخرج منهم 100,000 رجل. ومن أبرز الأسباب التي دفعت الأهالي إلى رفض خطَّة سيف الدولة أنَّ فيهم من كان يعجز عن السير إلى بلاد الروم لِلغزو، وقد قرُبت الآن المسافة، فلمَّا رأى إصرارهم بذل خزائن السلاح لهم.
ونزلت عسكر البيزنطيين في حي الهزازة شمال غربي المدينة في ثمانين ألف فارس، فوقع القتال في أماكن مُتفرِّقة، ثُمَّ قدمت مُؤخرة الجيش البيزنطي في أربعين ألف راجل مُزودين بِالرماح وفيهم يُوحنَّا زمسكيس، واتَّخذ الجيش مواقعه على النهر وأحاط أفراده بِسيف الدولة، فهاجم يُوحنَّا زمسكيس بِقُوَّاته قُوَّات سيف الدولة، وجرى قتالٌ ضارٍ بين الطرفين، ولم يستطع سيف الدولة الصُمُود بِجيشه القليل العدد، فانهزم الحلبيون. وفرَّ سيف الدولة فسلك طريق بالس، فطارده يُوحنَّا وأدركه في ضيعة سبعين، فقتل جماعة من وُجوه أصحابه، منهم أبي داود بن حمدان، وأبي مُحمَّد الفيَّاضي كاتب سيف الدولة، وقائد جيش سيف الدولة يومئذٍ بُشرى الصغير، وجميع أولاد داود بن حمدان وابن لِلحُسين بن حمدان، ومات الكثيرون عند باب اليهود وهم يتدافعون للدخول إلى المدينة، بينما تمكّن سيف الدولة من الفرار إلى قنَّسرين.
استولى نقفور فوقاس على دار سيف الدولة التي تقع خارج حلب وتُسمَّى «الدارين»، فنهب ما تحويه من مالٍ ودوابٍ وسلاح، وخرَّب الدار، وملك الربض التي حولها. حاصر البيزنطيون حلب يوم السبت 20 ذي القعدة 351هـ المُوافق فيه 19 كانون الأوَّل (ديسمبر) 962م، فخرج شُيُوخ حلب يوم الإثنين 22 ذي القعدة المُوافق فيه 21 كانون الأوَّل (ديسمبر) يطلبون من نقفور أن يفُك حصاره، فاشترط تسليم سيف الدولة، فأخبروه أنه فرَّ من المدينة، فطمع في الاستيلاء عليها عنوةً. ثُمَّ أرسل نقفور يومها رسولًا إلى شُيُوخ حلب يعرض على المدينة الأمان مُقابل أموال، وأن يُمكِّنوا جيشه من الدخول من باب والخُرُوج من آخر، وينصرف عنهم. فطلبوا مهلة لِلتشاور، فقبل ذلك. ثم خرج شُيوخ حلب في اليوم التالي بقبول العرض. شكَّك نقفور في نوايا أهل حلب بأنهم أعدّوا كمينًا لِقُوَّاته حين يدخلون المدينة، فأنكر بعض الحاضرين ذلك، وأقسموا أنَّهُ لم يبق بِالمدينة من يحمل السلاح، فأدرك نقفور ضعف دفاعات المدينة، وصرفهم على أن يأتوه في اليوم التالي. وفي المساء، هاجم البيزنطيُّون أسوار المدينة، واعتلوا أقصر بُقعة في السور بالقُرب من باب قنسرين، وحاولوا هدمها، فواجههم أهل المدينة ببعض المُقاومة. وأصلحوا السُور وكبَّروا، فتراجع البيزنطيُّون إلى جبل جوشن. استغلَّ بعض أوباش الناس واللُصوص انشغال أهل حلب بِالدفاع عن المدينة، فهاجموا منازل الناس، وخانات التُجَّار، لينهبوها. فانشغل شُيوخ البلد عن الدفاع عن السُور، ولحقوا بِمنازلهم. ولمَّا رأى البيزنطيون السور دون دفاع، نصبوا السلالم على السور، ودخلوا المدينة من جهة بُرج الغنم، وذلك ليلة الثُلاثاء 22 ذي القعدة المُوافق فيه 22 كانون الأوَّل (ديسمبر).
انقضَّ البيزنطيُّون على السُكَّان العُزَّل الأبرياء فوضعوا السيف فيهم، وارتكبوا مجزرة رهيبة راح ضحيَّتها كثيرٌ من الأهالي، وأسر نقفور عددًا كبيرًا من النساء والأطفال، وقتل مُعظم الرجال، وحرَّروا من كان بيد المُسلمين من الأسرى البيزنطيين، وكانوا 1,400 أسير، وقيل 1,200 أسير، وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، ويقتل، ويسبي. كما خرّب قصر سيف الدولة، وأخذ ما فيه من مال وسلاح. ثم أحرق نقفور المسجد الجامع ومُعظم أسواق ودُور المدينة، ثُمَّ عمد البيزنطيُّون إلى خباب الزيت فصبُّوا فيها الماء حتَّى فاض الزيت على الأرض، وأُحرق ما بقي في المدينة من مساجد.
لم يسلم من القتل والأسر إلا من فرّ إلى القلعة من العلويين والهاشميين والكُتّاب وأصحاب الأموال. ولم يكن لِلقلعة يومئذٍ سُور، وكان بها جماعة من الديلم. فحاصر البيزنطيون القلعة، لكنَّها صمدت واستعصت عليهم. وعلى الرُغم من من سوء أوضاع المُعتصمين وما تعرَّضوا له من الشدَّة والجُوع بِسبب قلَّة المؤونة، حتَّى أنَّهم كانوا يتسلَّلون ليلًا لِلبحث عن الأقوات؛ فإنَّ حاميتها شكَّلت مصدر خطرٍ على الجُنُود البيزنطيين، إذ كانوا ينقضُّون عليهم من حينٍ إلى آخر، ما أثار تُيُودور ابن أُخت نقفور وأصرَّ على الاستيلاء على القلعة، على الرُغم من مُعارضة الدمستق، الذي رأى أن ينصرف عنهم بِفعل أنهم عُراة، وإذا نزلوا هلكوا لِأنَّهم لا يجدون قوتًا. وعندما اقترب من باب القلعة رماه ديلمي بسهامه، فقتله، وحُملت جُثَّته إلى الدمستق دون رأس. فطلب نقفور تسليم من قتل ابن أخته، فرمى المدافعون برأس تيودور، فقتل نقفور 1,200 أسير، وقيل نحو 2,000 أسير، لكنَّهُ استثنى من ذلك الشُبَّان، وكان لزامًا عليه أن يُهاجم القلعة، غير أنَّهُ بدلًا من أن يقوم بِذلك، قرَّر الارتداد عن المدينة.