English  

كتب second reign

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

فترة الحكم الثانية (معلومة)


السياسة الداخلية

عاد فلاد الثالث إلى الأفلاق ليجد بلادًا مهترئة مزقتها الحرب، تضج بالجرائم، قلت بها المساحات المزروعة وانعدمت التجارة داخلها أو من خلالها في الوقت الذي كان فلاد الثالث فيه في أمس الحاجة لاقتصاد داخلي قوي يعينه على مواجهة خطر أعدائه، سواء الداخليين منهم كالبويار وأعضاء عائلة دانشتي أو الخطر العثماني المُحدق به خاصة مع تداعي المملكة المجرية من جهة، وانهيار الإمبراطورية الرومانية الشرقية قبل بضع سنين من جهة أخرى، وعليه انتهج فلاد الثالث العديد من السياسات المتشددة من أجل إعادة النظام والنهوض بالبلاد اقتصاديًأ، بناءً على هذا وضع فلاد ثلاثة أهداف سعى لتحقيقها خلال جلوسه على عرش البلاد، وتمثّلت هذه الأهداف في إعادة بناء اقتصاد البلاد، وتعزيز دفاعاته الداخلية وإعادة تحصين الأفلاق، علاوة على توطيد حكمه في البلاد.

وعليه وجه فلاد الثالث أولى اهتماماته نحو التنمية الاقتصادية، فاهتم بالفلاحين، وشيّد العديد من القرى الجديدة للارتفاع بمعدلات الإنتاج الزراعي، كما وعى تمامًا أهمية التجارة ودورها في الارتقاء باقتصاد الأفلاق، ومن ثمّ قدّم مساعداته للتجار المحليين بتحديد نشاط التجار الأجانب في ثلاثة مدن تجارية فقط، وهي؛ تارغشور، وكامبولونغ وترغوفيشت.

على الجانب السياسي، اعتبر فلاد الثالث البويار سببًا رئيسيًا فيما آلت إليه البلاد وما وصلت إليه من تخبط وفوضى، كذلك لم ينس دورهم في التآمر على والده وقتله قبل قرابة خمسة عشر عامًأ، لهذا قرر التخلص منهم بقتلهم ومنح مناصبهم في البلاط، التي كانت من قبل حِكرًا على النبلاء، لأشخاص أخرين مجهولي النسب، ممن يضمن ولائهم، كما قرّب إليه كذلك بعض الأجانب، كما فضّل الفرسان والعوام من الفلاحين الأحرار على البويار في احتلال المناصب الأقل أهمية في البلاط، بعدها أمر بإطلاق سراح السجناء، مهما كانت الجرائم المرتكبة، كذلك أصدر عفوًا عامًا عن المحكوم عليهم بالإعدام، وذلك ليساوي بين الجميع قبل أن يسن القوانين لمعاقبة كافة الجرائم؛ كالسرقة والزنا والكذب والخيانة بعقاب واحد، وهو قطع الرقبة، كما عامل البويار بنفس الحدة إيمانًا منه بدورهم الرئيسي في إضعاف الأفلاق من خلال صراعاتهم الداخلية على السلطة، من جانبه، رأى فلاد الثالث أن في قراره هذا منتهى العدالة والإنصاف، بأن يجعل كل فرد حكمًا على نفسه، يقرر مصيره بيده في ظل العقوبة المعروفة مُسبقًا دون تهاون، فأما حياة شريفة في ظل القوانين الموضوعة والمعروفة للجميع، أو الموت دون رحمة.

كما قام بإعادة هيكلة الجيش، مع احتفاظه بنفر قليل من الحرس الخاص، معظمه من المرتزقة الذين ضمن ولائهم عن طريق السماح لهم بنهب المناطق المُغار عليها وكذلك منحهم العديد من الترقيات والامتيازات الأخرى، كما عمد إلى تأسيس ميليشيات من الفلاحين كجيش احتياط، يتم الاستعانة به حال نشوب الحرب.

وخلال تلك الفترة، قام فلاد الثالث بتشييد كنيسة في تراغشور تخليدًا لذكرى أبيه وأخيه اللذين قُتلا بالقرب من هذه المنطقة، كما أخرج من ماله الخاص لتشييد دير في سناغوف.

الغارات على ترانسيلفانيا

من جانبه، أيقن فلاد الثالث لعلاقة البويار في الأفلاق بالنبلاء من سكسون ترانسيلفانيا وارتباطهم بهم، مما دفع فلاد الثالث للتخلّص منهم عن طريق منع امتيازاتهم التجارية داخل الأفلاق ومهاجنة مدنهم، حيث اجتاحت جنود فلاد الثالث مدينة براشوف (بالرومانية: Brașov، بالألمانية: Kronstadt، نق: كرونشتاد) عام 1459 وأعدم قرابة 30,000 من تجار المدينة وقادتها خزقًا صبيحة الاحتفال بعيد القديس برثولماوس، في 11 يونيو 1459، بعد اتهامه إياهم بالفساد والتآمر على الأفلاق، بعدها خلد إلى الراحة وتناول الغذاء وسط الجثث المعلقة على الخوازيق، تاركًا إيها للتعفن، تحذيرًا منه لكل من تسوّل له نفسه الخروج عن طاعته، وقد صدرت المطبوعات الألمانية تحوي مشاهد لتخليد هذه الواقعة عام 1499، كما أغار مرة ثانية على مدينة سيبيو بترانسيلفانيا عام 1460 وأعدم 10,000 من أهلها.

الحرب ضد العثمانيين

في عام 1459، نادى الأب بيوس الثاني بحملة صليبية جديدة ضد الدولة العثمانية من خلال مجمع مانتوفا المُنعقد في 26 سبتمبر من العام نفسه، وفي 14 يناير 1460 استقرّ الرأي على أن يقود ماتياس كورفينوس ملك المجر وكرواتيا وابن "يوحنا هونيادي" هذه الحملة والتي خُطط لها الاستمرار لثلاثة أعوام متتالية، على أن يدعمه البابا بأربعين ألف قطعة نقود ذهبية، وهوما كان كافيًا لحشد جيش قوامه إثني عشر ألف رجلًا وشراء عشر سفن حربية، ولم تنجح المساعي الباباوية في جمع تأييد ملوك أوروبا للحملة على العثمانيين، والتي لم تجد تأييدًا صادقًا سوى من فلاد الثالث والذي عرض على ماتياس كورفينوس الانضمام لجانبه في محاولة للإبقاء على استقلال الأفلاق، مما زاد من أسهم فلاد الثالث لدى البابا.

وفي عام 1460، ألقت القوات العثمانية القبض على ميخائيل زيلاغي وصي عرش المجر، وحليف فلاد الثالث الوحيد، أثناء عبوره الأراضي البلغارية، واقتيد بصحبة رجاله إلى القسطنطينية، حيث تم تعذيب جنوده حتى الموت، بينما أمر السلطان محمد الثاني بإعدام زيلاغي بنشره حيًا إلى نصفين، ومع نهاية العام نفسه، أرسل السلطان العثماني محمد الثاني رسله إلى فلاد الثالث لمطالبته بدفع الجزية المتأخرة عليه منذ عام 1459 والمٌقدرة بعشرة ألاف دوقت علاوة على تقديم الأفلاق لخمسمئة من أبنائها للعمل كإنكشاريين (بالتركية العثمانية: يڭيچرى) في صفوف الجيش العثماني، من جانبه، رفض فلاد شروط السلطان عثماني لقناعته بأن قبول تلك الشروط واستمراره في دفع الجزية يعني قبوله ضمنيًا بالوصاية العثمانية على الأفلاق، في الوقت الذي باتت فيه استقلالية الأفلاق الشغل الشاغل له، هو ما حارب فلاد من أجله، كذلك الغالبية العظمى من أخلافه وأسلافه، وظل تعامل فلاد مع رسل السلطان العثماني سببًا في انهيار العلاقة بين الأفلاق والدولة العثمانية تمامًا، حيث أمر فلاد بتسمير عمائم الرسل على رؤوسهم بمسامير حديدية بعد أن رفضوا خلعها في حضرته احترامًا وإجلالًا، كما أرسل فلاد الثالث خطابًا لسكسون ترانسيلفانيا بتاريخ 10 سبتمبر 1460، محذرًا إياهم من غزو محمد الثاني المتوقع للبلاد وطالبًا منهم العون خلال حربه ضد الجيوش العثمانية، التي عبرت بالفعل نهر الدانوب وبدأت في جمع الأفراد قصرًا وإرسالهم لمعسكرات التدريب، وهو ما لم يروق لفلاد الثالث الذي تحرك بجنده مهاجمًا القوات العثمانية، والقى القبض على العديد من أفرادها وأمر بإعدامهم خزقًا، واستمرت المناوشات بين أمير الأفلاق والقوات العثمانية حتى عام 1461 عندما عرض عليه السلطان محمد الثاني الحضور إلى القسطنطينية للتفاوض.

ومع نهاية نوفمبر 1461، أرسل فلاد الثالث خطابا للسلطان العثماني مفاده عجزه عن الاستمرار في دفع الجزية، بعدما أتت الحرب ضد سكسون ترانسيلفانياما على كافة موارد البلاد، كما أورد إليه عدم قدرته على مغادرة الأفلاق مخافة انتهاز ملك المجر للفرصة والهجوم على البلاد أثناء غيابه، منهيًا الخطاب بقطع عهود بإرسال ذهب للسلطان عثماني متى توافرت لديه الموارد، كما عرض على السلطان العثماني أن يوفد باشا يحكم الأفلاق باسم فلاد الثالث ما إذا ما أراد السلطان حضوره إلى القسطنطينية، وبعد وصول كتاب فلاد الثالث للسلطان العثماني، حصل الأخير على معلومات استخباراتية عن تحالف فلاد الثالث مع ملك المجر وكذب ادعائات فلاد الثالث بالخوف من انقلاب ملك المجر عليه واحتلاله الأفلاق، ولهذا قرر السلطان محمد الثاني إرسال بگ نيكوبوليس، حمزة باشا، لعقد لقاء مع فلاد الثالث في جورجيو، كما أمر السلطان العثماني مبعوثه بالانقضاض على أمير الأفلاق هناك واستياقه أسيرًا إلى القسطنطينية، وبالفعل، توجه حمزة باشا على رأس قوة قوامها ألف فارس لتنفيذ المطالب السلطانية، غير أن تلك المعلومات قد سبقت وصول المبعوث العثماني لفلاد الذي أصبح على دراية بالنوايا الحقيقية للعثمانيين، فقام بحشد جنوده لشن هجوم خاطف على القوات العثمانية، والتي انتظرها عند الممرات الجبلية شمال جورجيو، حيث شن هجومه المفاجئ على الفرسان العثمانيين المحاصرين بين الممرات الجبلية الضيقة، ونجح في تطويق القوات العثمانية والفتك بالعديد من أفرادها باستخدام المدافع اليدوية، والقبض على المتبقي منهم وفي مقدمتهم قائدهم حمزة باشا، فأمر بإعدمهم جميعًا على خوازيق، جاعلًا أطولها للقائد حمزة باشا للدلالة على علو رتبته، وتشير المراجع إلى أن فلاد الثالث يعد أول من استخدم البارود في الحملات الصليبية بطرق مبتكرة للقتل، وقد أرسل فلاد الثالث خطابًا لكورفينوس بتاريخ 2 فبراير 1462، يخبره فيه بانتصاره على القوات العثمانية وأسر قائدها، بعدها، توجّه لحصن جورجيو، حيث عسكرت باقي القوات العثمانية، واستخدم اتقانه للسان العثماني وتنكره في هيئة سيپاهي، فأمر الجنود بفتح أبواب الحصن، وبعد امتثال الجنود لأوامره، اجتاح فلاد الثالث الحصن ودمره عن أخره وقتل من فيه من جنود، بعدها قرر الانتقام من السكان الذين قدموا الدعم للقوات العثمانية، فبدأ بجنوب الأفلاق، بعدها عبر نهر الدانوب المتجمّد إلى بلغاريا، ومع وصوله لبلغاريا، قسّم فلاد الثالث قواته لفرق صغيرة، مما ساعده على تغطية مساحة 800 كيلومترًا من الأراضي البلغارية في إسبوعين، أودى خلالهما بحياة ما يقرب من 25,000 تركي ومسلم بلغاري، وقد أرسل خطابًا أخرًا لكورفينوس بتاريخ 11 فبراير 1462 يحدثه عن انتصاراته الجديدة، جاء فيه:

وفي الوقت الذي أخلى فيه فلاد الثالث سبيل المسيحيين البلغاريين، مما ساعد على هجرة أعداد كبيرة منهم إلى الأفلاق، بلغ عدد ضحاياه تلك الحملة العسكرية 6,414 في جورجيو، و1,350 في إيني سالا، و6,840 في دورستور، و343 في أورشوفا، و840 في هارشوفا، و210 في ماروتين، و630 في تورتوكايا، و384 في تورنو وباتين ونوفوغراد، و410 في سيستوف، و1,138 في نيكوبوليس وغيغن، وأخيرًا، 1,460 في راهوڤا.

وفور وصول تلك الأنباء لمسامع السلطان العثماني، الذي كان مشغولُأ بحصار كورينث، فقام بإرسال الصدر الأعظم، محمود باشا، على رأس قوة قوامها 18,000 جندي لتدمير مدينة برايلا الوالاكية الساحلية، إلا أن فلاد الثالث نجح في الارتداد سريعًا إلى المدينة وتمكن من الانتصار على القوات العثمانية، والتي ذكرت المصادر التاريخية نجاة 8,000 فرد منها فقط.

انتشرت أخبار انتصارات فلاد الثالث في كافة أرجاء العالم المسيحي، وعمّت الاحتفالات في كافة المدن الساكسونية بإقليم ترانسيلفانيا، وإيطاليا، والدولة البابوية، حيث ساهمت انتصارات فلاد الثالث في رفع الحصار عن كورينث، كذلك نجاة كافا والقرم بأكملها من غزو بحري متوقع من جانب السلطان العثماني، الذي آثر الارتداد إلى الأناضول، لتحضير جيش كبير يقوده بنفسه للقضاء على أمير الأفلاق.

الهجوم الليلي

للمزيد من المعلومات: الهجوم الليلي

أرسل السلطان العثماني رسله إلى كافة أنحاء السلطنة لحشد القوات والزحف بهم نحو الأفلاق لاستردادها من يد فلاد الثالث، حيث أمر السلطان العثماني جنوده بالتحرك أحد يومي 26 إبريل أو 17 مايو 1462، فالتاريخ مُختلف عليه بين المؤرخين، واختلف قوام الجيش العثماني بحسب اختلاف المصادر التاريخية، حيث جاء تقدير قوام الجيش العثماني في بعض المصادر التاريخية بنحو 150,000 فرد، بينما ذكر المؤرخ اليوناني خالكونديليس أن الجيش العثماني المتوجه لمحاربة فلاد الثالث هو أكبر الجيوش العثمانية التي تم حشدها منذ غزو القسطنطينية، وقدر خالكونديليس عدد القوات العثمانية بنحو 250,000 فردأ، في الوقت الذي قدّر فيه المؤرخ العثماني طورسون بك عدد القوات العثمانية بنحة 300,000 فرد، في حين أرسل ليوناردو توكو خطابًا لفرانشيسكو سفورزا الأول دوق ميلانو يبلغه فيه بعدد القوات العثمانية المتأهبة للزحف صوب الأفلاق بنحو 400,000 فرد من الروملي والأناضول، وتعتبر هذه الأرقام جميعها مبالغ فيها، في الوقت الذي اتفق فيه المؤرخين المعاصرين على أن التقدير الأقرب للحقيقة هو الذي أورده المبعوث البندقي في بودا، توماسي، والذي قدّر عدد القوات العثمانية بنحة 60,000 جندي نظامي بالإضافة إلى 30,000 غير نظامي، كما جعل السلطان محمد الثاني، الأمير رادو الوسيم، شقيق فلاد الثالث، على رأس قوة مكونة من 4,000 من الفرسان.

من جانبه، توجه فلاد الثالث لملك المجر، كورفينوس، طالبًا منه العون، وتأكيدًا على صدق نواياه، عرض فلاد الثالث على ملك المجر أن يتحول من الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية، ومع ذلك، لم ينل فلاد الثالث أي دعم من كورفينوس، فنادى بالتعبئة العامة في البلاد، ولم يقتصر الانضمام للجيش على الذكور في سن تأدية الخدمة العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل النساء والأطفال من سن الثانية عشر ووحدات من العبيد ذوي الأصول الغجرية، كذلك، لم يخلو تقييم قوة جيش فلاد الثالث من المبالغات، حيث قدّره ليوناردو توكو في خطابه بنحو 200,000 مقاتل، أي نصف تقديره للقوات العثمانية، بينما قدّرت العديد من المصادر التاريخية قوام قوات الأفلاق بما يتراوح بين 22,000 و30,900 مقاتل، وساد العرف أن عدد القوات لم يزيد عن 30,000 مقاتل فقط، أغلبهم من الفلاحين ورعاة الماشية، في ظل وجود عدد محدود من البويار على صهوات الجياد، مسلحين بالحراب والسيوف والخناجر وتغطيهم الدروع المسلسلة، كما شارك في المعركة الحرس الشخصي لفلاد الثالث الذي ضم بين صفوفه مرتزقة وغجر من مناطق مختلفة.

المعركة

مع بداية المعارك، حاول الجيش العثماني إقامة معسكره عند مدينة فيدن، إلا أنه فر مدحورًا بعد أن ردته سهام الرماة الوالاكيين، وفي 4 يونيو 1462، نجحت فرقة من الانكشاريين في احتلال مدينة تورنو سيفيرين بعد مقاومة من القوات الولاكية أودت بحياة 300 جندي عثماني، بعدها استمر الجيش العثماني في التقدم في ظل اتباع فلاد الثالث وجنوده لسياسة الأرض المحروقة، كما قام بتسميم المياة وخلق المستنقعات لتعطيل تقدم القوات العثمانية عن طريق تحويل مجاري الجداول والأنهار الصغيرة، كذلك قام بتصميم الفخاخ والمصائد الأرضية، كما عمد إلى تهجير أهالي القرى وحيواناتهم إلى المناطق الجبلية بعيدًا عن متناول القوات العثمانية، التي استمرت في التقدم لمدة سبعة أيام كاملة دون مأكل أو مشرب، من جانبه اتبع فلاد الثالث أسلوب حرب العصابات ضد القوات العثمانية، كما أرسل العديد ممن يعانون من أمراض فتاكة كالجذام والسل والزهري وبصورة أكبر هؤلاء الذين يعانون الطاعون الدبلي لمعسكرات العثمانيين لنشر الأوبئة بين الجنود، وهو ما حدث بالفعل، حيث انتشرت عدوى الطاعون بين الجنود العثمانيين بصورة وبائية، من جانبه قام الأسطول العثماني بشن هجمات ضد مدينتي برايلا وكيليا الساحليتين ولكن دون فائدة تُذكر، خاصة بعد تدمير فلاد الثالث لغالبية الموانئ البحرية العثمانية في بلغاريا.

استمر تقدم العثمانيين صوب ترغوفيشت بعد فشلهم في اقتحام قلعة بوخارست وجزيرة سناعوف الحصينة، وفي 17 يونيو، شن فلاد الثالث هجومًا ليليًا على معسكر العثمانيين باستخدام قوات يتراوح عددها بين 7,000 و10,000 خيّال بغية اعتيال السلطان العثماني، فبعدما عسكرت القوات العثمانية جنوب العاصمة الوالاكية، يذكر المؤرخ اليوناني خالكونديليس نجاح فلاد الثالث التسلل داخل معسكر العثمانيين متنكرًا في هيئة جندي عثماني، ومن خلال جولته داخل المعسكر تمكّن من تحديد موقع الخيمة السلطانية، ومن ثمّ، اختار فلاد الثالث أن يقوم بهجومه ليلًا خاصة مع علمه بالنظم العسكرية العثمانية والتي تمنع تواجد الجنود خارج خيامهم بعد حلول الظلام، واستمرت المناوشات منذ الساعة الثالثة بعد حلول الظلام وحتى الرابعة من صباح اليوم التالي، ليخلق حالة من الفوضى العارمة داخل معسكر العثمانيين، حث شن الوالاكيين أكثر من سلسلة واحدة من الهجمات، والتي اختلفت المصادر في تحديد النتيجة النهائية لها؛ حيث أكدت بعض المصادر مقتل العديد من الجنود العثمانيين، بينما أكدت مصادر أخرى خروج العثمانيين بخسائر طفيفة جراء تلك الهجمات وإن فقدوا العديد من الخيول والجمال، والنتيجة الثانية قد تكون الأرجح، خاصة مع إلقاء بعض المصادر التاريخية الغربية اللوم على بويار والاكي يُدعى غالش (بالرومانية: Galeş) أُسندت إليه مهمة مهاجمة المعسكر من الجهة المقابلة، إلا أنه لم يمتلك من الشجاعة ما يكفي للقيام بدوره في الهجوم، ومع ذلك، يذكر التاريخ قيادة فلاد الثالث لكتيبة الفرسان الأسياويين واستهدافه للخيمة السلطانية، غير أنه وجد بها الصدرين الأعظمين؛ محمود باشا وإسحق باشا، ، في الوقت نفسه، قام الانكشاريون بقيادة علي بك ميخائيل أوغلو بهجوم مضاد على القوات الوالاكية للحد من الخسائر العثمانية في المعركة، والتي بلغت قرابة 15,000 جندي مقابل 5,000 جندي والاكي.

أمر السلطان محمد الثاني جنوده، باستكمال المسير صوب ترغوفيشت ومحاصرتها، وعند الوصول إليها، وجد أبواب المدينة مفتوحة على مصرعيها وقد هجرها من فيها، فدخل العاصمة بصحبة جنوده، وسار لمدة نصف ساعة في طرقات المدينة التي زُيًنت جنباتها بجثث أكثر من 25,000 جندي عثماني ومسلم بلغاري، موضوعة كلها على خوازيق، كما وجد جثة حمزة باشا وقد تعفّنت تمامًا على أطول تلك الخوازيق الموجودة، وفي ذلك تختلف المصادر كذلك، حيث ورد في بعض المصادر أن العاصمة ترغوفيشت لم تكن مهجورة، بل حوت حامية صغيرة لحمايتها، كما أُختلف كذلك على موضع الجثث، حيث تشير المصادر العثمانية تحديدًا أن السلطان محمد الثاني سار مسافة 60 ميلًأ قبل الوصول لترغوفيشت في طريق تحيط به جثث الجنود الأتراك والأسرى البلغاريين من الجانبين، ولكن يبقى مؤكدًا أن السلطان لم يحتمل هول ما رأى، حيث أمر جنوده بالمبيت هذه الليلة خارج ترغوفيشت، وحفر خندق عميق حول المعسكر مخافة تعرضه لهجوم أخر مثلما تعرّض له سابقًا، وفي صباح اليوم التالي، 22 يونيو، أصدر السلطان أوامره بالانسحاب.

تلى ذلك بأيام قليلة هجوم شتيفان الثالث، أمير مولدوفا وابن عم فلاد الثالث على مدينتي أكيرمان وكيليا لاسترجاعهما من أيدي الأخير، وبوازع من السلطان العثماني، إلا أن القوات الأفلاقية نجحت في الدفاع عن المدينتين، كما أُصيب شتيفان الثالث في قدمه من نيران المدفعية، واستمر انسحاب القوات العثمانية حتى وصلت لمدينة برايلا في 29 يونيو، والتي أمر السلطان العثماني بإحراقها عن أخرها، بعدها أمر بالإبحار صوب أدرنة عاصمة العثمانيين والتي وصلها في 11 يوليو، وفي اليوم التالي لوصوله، أمر السلطان محمد الثاني بإقامة الاحتفالات ابتهاجًا بنصره العظيم على فلاد الثالث، وتسيير المواكب التي ضمت العديد من النساء والأطفال الذين تم استرقاقهم من الأفلاق، بخلاف 200,000 من رؤوس الماشية والخيول.

الهزيمة

على الرغم من رحيل السلطان محمد الثاني عن الأفلاق، إلا أنه أبقى على رادو سل فروموس في البلاد على رأس قوات من فرسان السپاهية والجنود الإنكشاريين، للقضاء على فلاد الثالث نهائيًا، في مقابل ذلك لم يقف السلطان العثماني عن دعم قوات رادو بالأموال أو العتاد، مما ساعدهم على الاستمرار في الحرب ضد فلاد الثالث والتوغل داخل مملكته حتى تسنى لهم محاصرة قلعة بويناري، معقل فلاد الثالث، والذي على الرغم من ذلك، تمكن من الفرار منها بعد انتحار زوجته، التي فضّلت إلقاء نفسها من أسوار القلعة عن الوقوع في أسر القوات الموالية للدولة العثمانية، وبنهاية الحصار وفرار فلاد الثالث، منح السلطان العثماني لقب "بگ الأفلاق" لرادو وأجلسه على عرش البلاد.

وترجع هزيمة فلاد الثالث في حربه لتعاون البويار مع رادو، الذي نجح في استمالتهم بعد أن نكّل بهم فلاد الثالث من قبل، حيث تمكن رادو من اقناعهم بعودة الامتيازات التي تمتعوا بها سابقًا حال التخلص من فلاد، علاوة على اقتناع البويار أنفسهم أن السلطة العثمانية على الأفلاق ستكون أشد وطئًا من نظيرتها المجرية، مما شجعهم على قبول شروط رادو وتقديم الدعم له.

وبحلول 9 سبتمبر، حقق فلاد ثلاثة انتصارات متتالية على القوات العثمانية بقيادة رداو، ولكن استمرار القتال أتى على كل ما بقى لديه من نقود، ومن ثمّ لم يتمكن من دفع رواتب جنوده المرتزقة، فسافر إلى المجر طالبًا العون من الملك كورفينوس، الذي بدوره لم يكن ينوي الدخول في حرب ضد الدولة العثمانية، فلم يقدم لفلاد أي دعم، بل ألقى القبض عليه وزج به في السجن بتهمة الخيانة العظمى، بعد أن زوّر كورفينوس خطابَا للسلطان محمد الثاني يدعوه فيه إلى السلام، ونسبه لفلاد الثالث، مما يُعطى كورفينوس الفرصة في الاستئثار بأموال الدولة البابوية التي أُرسلت إليه مُسبقًا والعودة إلى المجر دون حرب.

الأسر في المجر

سٌجن فلاد الثالث لفترة في حصن أوراتيا، نُقل بعدها إلى فيشغراد شمال بودا على الضفة الشرقية لنهر الدانوب، حيث قضى عشر سنوات، قبل نقله مرة أخيرة للسجن في بودا.

وكغيرها من التفاصيل الكثيرة في حياة فلاد الثالث، لا تزال فترة سجنه موضع نقاش بين المؤرخين، وإن ساد الاعتقاد أنها خلال الفترة ما بين عامي 1462 و1474، في الوقت الذي أظهرت فيه المخاطبات الدبلوماسية الصادرة عن بودا للدولة البابوية أن فلاد الثالث لم يقضي سوى أشهر معدودة في الأسر، كما أن سياسات رادو سل فروموس وتبعيته للدولة العثمانية كان لها أشد الأثر في سرعة إطلاق سراح فلاد الثالث لتشجيعه على الانقضاض على عرش الأفلاق مرة أخرى، علاوة على دور الوساطة الذي لعبه شتيفان سل مارى، ڤويڤود مولدوفا، لإطلاق سراح ابن عمه، خاصة بعد تعاظم الخطر العثماني على الأراضي الواقعة شمال الدانوب.

المصدر: wikipedia.org