اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يمكن ملاحظة التدخل الصحفي في مجال السياسة كما يحدث في الحملات الانتخابية وفي مجال صحافة السلام. واقترح توماس هانيتزش، الأستاذ المساعد في دراسات الاتصالات والبحوث الإعلامية في جامعة ميونيخ، سلسلة متصلة يمكن الاعتماد عليها في قياس درجة التدخل. "لقد أصبح قطب التدخل في السلسلة المتصلة جليًا في نماذج الأدوار مثل الدور "التشاركي" و"المدافع" و"التبشيري" مع الصحفيين الذين يضطلعون بأدوار أكثر نشاطًا في عملية المراسلة. وهناك عاملان يربطان بين التدخل والثقافة الصحفية: وهما البعد عن أصحاب السلطة وتوجه السوق. ومن المتوقع أن يكون الصحفيون الذين على مسافة من أصحاب السلطة أكثر تشككًا، في حين يميل الصحفيون الذين على مقربة منهم لأن يصبحوا أكثر دفاعية وألا يتدخلوا بنفس القدر الذي يتدخل به الصحفي المتشكك. وعلى الجانب الآخر، ينظر الصحفيون إلى المواطنين باعتبارهم مستهلكين في الثقافة الإخبارية الموجهة نحو السوق. وفي المقابل، في ثقافة المصلحة العامة يصبح الصحفيون أقل توجهًا للسوق وينظرون إلى الجمهور باعتبارهم مواطنين وليس مستهلكين. فهم "يهتمون بالأخبار المتعلقة بالاحتياجات الديمقراطية للمجتمع" ويتميزون بأنهم أقل تدخلية. ويميل "وسيط التغيير الحاسم"، وهو واحد من الأوساط الصحفية المهنية الأربعة التي يشير إليها هانتيزش، إلى "التأكيد على أهمية الدفاع عن التغيير الاجتماعي، والتأثير على الرأي العام ووضع الأجندة السياسية"، كما أنه يعد مثالًا على نمط المراسلة التدخلية. وتختلف درجة التدخل في عملية المراسلة الصحفية عبر البلدان المختلفة. وفي دراسة أجراها هانيتزش وآخرون تضمنت إجراء مقابلات مع 2100 صحفي محترف من 18 دولة، تبين أن الصحفيين غير الغربيين يميلون لأن يصبحوا أكثر تدخلًا في تصورات أدوارهم وأكثر مرونة فيما يتعلق بوجهات نظرهم الأخلاقية. ووفقًا لهذه الدراسة، يتبين أن 73% من الصحفيين المصريين و68% من الصحفيين الأتراك ينظرون إلى أنفسهم على أنهم "وسطاء التغيير الحاسمون" ومن ثَم كتدخليين إلى حد ما. أما في ألمانيا، فيوجد 10% من الصحفيين وفي الولايات المتحدة يوجد 21% منهم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم "وسطاء التغيير الحاسمين". وبصورة عامة، "يوجد مستوى عالٍ من التدخل في ثقافة الصحافة التي يمكن وصفها بـ "البرجماتية". ففي الثقافة الإخبارية البرجماتية، لن يتم إدراج سوى المواد السياسية التي تتميز بقيمة إخبارية عالية في أخبار التليفزيون، بينما يتم استبعاد المواد السياسية الأخرى. علاوةً على ذلك، تُستخدم خطابات المرشحين كمادة خام يبني منها الصحفي بعد ذلك قصته الخاصة.
في عملية إذاعة الحملات الانتخابية، يتدخل الصحفيون في عملية التغيير السياسي عندما ينقلون، على سبيل المثال، جانبًا من الخطاب الذي يدلي به السياسي. وبصورة عامة، يعد التدخل الصحفي أكثر تواجدًا في ثقافة الاتصال السياسي، والتي تتميز بأنها موجهة للإعلام. وهنا، يجب على الساسة والمتحدثين الرسميين السياسيين "قبول ثوابت الإنتاج الإعلامي وقواعده الخاصة إذا رغبوا في أن يتقلدوا أي منصب يمكنهم من خلاله توصيل رسالتهم". وكنتيجة لذلك، يظهر ميل نحو "إضفاء الطابع الشخصي على السياسة، وتفضيل الجوانب السياسية ذات اللمسة البشرية، والانحياز إلى أشكال البرامج المعلوماتية الترفيهية المرئية والمسرحية (التليفزيونية)". وفي إطار ذلك، أجرى فرانك إيسير، أستاذ الإعلام الدولي والمقارن بجامعة زيوريخ، بحثًا حول طول مدة مقاطع الصوت والصورة (اقتباسات قصيرة وصور مرئية للسياسيين الذين يظهرون في الأخبار التليفزيونية) بهدف تحليل عملية التدخل الصحفي.
وأوضح إيسر في إطار بحثه ماهية العوامل التي تؤثر على التدخل الصحفي عند إذاعة الحملات الانتخابية (في السياقات الوطنية المختلفة). وفي مجال الصحافة المهنية، يظهر تأثير الهيكل الإعلامي وكذلك الهيكل السياسي على درجة التدخل الصحفي. ووفقًا لهذا النموذج، يحدث هذا التدخل في إطار الثقافة السياسية، والتي على إثرها لا يثق الرأي العام في المؤسسات السياسية. وبشكل عام، يحدث هذا التدخل كثيرًا عندما يصل الإعلام إلى درجة عالية من الاستقلال، وخاصة الاستقلال عن السيطرة السياسية. وكنتيجة لذلك، تميل مقاطع الصوت الخاصة بالسياسيين في تقرير تدخلي ما إلى أن تصبح قصيرة نوعًا ما، في حين تميل تلك التقارير الصادرة عن الصحفيين لأن تكون أطول. علاوةً على ذلك، يؤدي التدخل عالي المستوى في الحملة الانتخابية إلى "إنتاج إطار أضيق من التغطية الإخبارية في الانتخابات بشكل عام". وفي نمط المراسلة التدخلية، أصبحت الصحافة أكثر تركيزًا على الصحفيين بدلًا من التركيز على السياسيين أو الموضوع الذي يكتبون حوله، وبالتالي "يزداد تأثير الصحفيين، وسلطتهم ومكانتهم". وبهذا، يرتفع مستوى التدخل في الإعلام عندما يتجه الصحفيون إلى نقل محتوى الحملات الانتخابية بمفرداتهم الخاصة. وفي إطار ذلك، عكف جيسبر سترومباك، الأستاذ في مجال الإعلام والاتصالات بجامعة ميد السويدية، ودانييلا ديمتروف، أستاذ مساعد بكلية جرينلي للصحافة والاتصالات بجامعة ولاية آيوا، على تطوير المؤشرات التي يمكن الاعتماد عليها في قياس درجة التدخل الصحفي، على سبيل المثال، في مجال الحملات الانتخابية. وتوصل الباحثان إلى المؤشرات التالية ذات الصلة:
وبالاعتماد على هذه المؤشرات، يمكن قياس درجة التدخل الصحفي في تقارير الأخبار السياسية.
تعد صحافة السلام تدخلية بطبيعتها؛ حيث إنها تعزز بفعالية فكرة السلام عبر الاتصالات العامة (Hanitzsch 2007b, 2). علاوةً على ذلك، "تجمع صحافة السلام بين مجال الصحافة والسلام باعتباره هدفًا خارجيًا". إن الصحفيين الذين يدافعون عن السلام لم يعد يُنظر إليهم كمراقبين محايدين، ولكن يقومون بالمراسلة بطريقة انتقائية. "يطلق على الصحافة بأنها صحافة السلام عندما يتاح لكل من المحررين والمراسلين إمكانية الاختيار – من بين القصص التي يمكنهم المراسلة حولها، والوسيلة التي ينتهجونها في المراسلة". ويذكر هازنتيش أن صحفيي السلام ينظرون إلى جمهورهم باعتبارهم سلبيين وبحاجة إلى تنويرهم بواسطة عملهم الصحفي. إن هذا النوع هو شكل من أشكال الصحافة يعمل خارج مفاهيم قيم الموضوعية والحيادية والتجرد. "ولقد اكتسبت صحافة السلام زخمًا معياريًا؛ فهي تعطي أولوية لمفهوم السلام باعتباره قيمتها الأساسية ونقطة انطلاقتها التحليلية". وبهذا يعد هذا النوع من الصحافة تدخليًا، فالهدف الأساسي منه لا يكمن في المراسلة بطريقة حيادية، بل في إيجاد الواقعية وتعيين الأمثلة والدعوة للتغيير. ويعتبر هذا النوع نفسه وسيلة يمكن من خلالها الدعوة للسلام وتسوية النزاعات بطريقة غير عنيفة.