اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شهدت الحركة الأدبية نشاطًا واضحًا خلال هذه الفترة، حيث احتل الشعر والنثر والنظم مكانة كبيرة جراء الأحداث السياسية آنذاك. فكان من ثمره إنتاج شعر المراثي على سبيل المثال لا الحصر. كان محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي، المعروف بابن الأبار، فقيهًا وكاتبًا وشاعرًا ومُؤرخًا بارزًا في الفقه واللغة والنثر والنظم. كما كتب أيضًا في الأدب والتاريخ. ومن آثاره «تكملة كتاب الصلة» لابن بشكوال، حيث ترجم فيها لأعيان أهل الأندلس وعُلمائها وشُعرائها، ونُشر في مُجلدين ضمن المكتبة الأندلسية. كما أسهم بكتاب «الحلة السيراء»، والذي ترجم فيه لطائفة مُختارة من أعيان الأندلس من أُمراء ووُزراء وكُتاب وشُعراء، ونُشر بعناية المُستشرق رينهارت دوزي، ولكن مع إغفال بعض التراجم. وتوجد منه نسخة خطية كاملة بمكتبة الإسكوريال تحمل رقم 1654 الغزيري، وقام بتحقيقها ونشرها الدكتور حُسين مُؤنس في مجلدين بالقاهرة عام 1964. وله مُؤلفات أُخرى مثل كتاب «تحفة القادم»، حيث يُقدم نُخبة مُختارة من نظم شُعراء الأندلس الذين سبقت وفاتهم مولده، وبعض الطارئين عليها من الغرباء، وتُوجد نسخة خطية منه في الإسكوريال تحمل رقم 356 الغزيري؛ و«إيماض البرق في أدباء الشرق»؛ و«كتاب الإعتاب»، والذي يشتمل على تراجم طائفة من كُتاب الأندلس وبعض الكُتاب المشرقيين، وتُوجد منه نسخة في الإسكوريال تحمل رقم 1731 الغزيري. كان له قصيدة بارزة يُردد فيها صريخ الأندلس ويصف آلامها ومحنها عندما أرسله الأمير أبو جميل زيَّان أمير بلنسية سفيرًا إلى أبي زكريا الحفصي أمير إفريقية، وكان هذا مطلعها:
أما في الغزل، قال
وكان علي بن محمد بن أحمد بن حريق الشاعر البلنسي من أعلام الشعر وألف كتب عديدة في الأدب. وبرع ابن مرج الكحل بنوع خاص في الغزل والشعر الوصفي المُبتكر، وعاش فترة في غرناطة وذاع صيته في سائر الأندلس. ومن أشعاره في وصف عشة بنهر الفنداق الذي يمر بلوشة من قصيدة «عرج بمنعرج الكثيب الأعفر»:
عُدَّ لسان الدين بن الخطيب أعظم كُتاب وشُعراء ومُفكري ومُؤرخي الأندلس في أوج الحركة الفكرية بها. فترك تُراثًا ضخمًا مُنوعًا من مُؤلفات أدبية وتاريخية وطبية، والكثير من القصائد والمُوشحات، ورسائل أدبية وسياسية تمتاز بروعة البيان والأسلوب. ومن أبرز مُؤلفاته «الإحاطة في أخبار غرناطة»، و«التاج المُحلَّى في مُساجلة القدح المُعلَّى»، و«ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»، و«اللمحة البدريَّة في الدولة النصريَّة»، و«رقم الحلل في نظم الدُول»، و«نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب»، و«كناسة الدُكَّان بعد انتقال السُكَّان»، و«معيار الاختيار في ذكر المشاهد والديار»، و«السحر والشعر». ومن مُؤلفاته الطبيَّة: «عمل من طب لمن حب»، و«الرجز في عمل الترياق»، و«رسالة تكوين الجنين». ومن مُؤلفاته السياسيَّة: «رسالة في السياسة»، و«كتاب الإشارة إلى أدب الوزارة». وله ديوان شعر عنوانه: «الصيب والجهام والماضي والكهام». ولابن الخطيب تُراث حافل من الرسائل الأدبية والسياسية التي وردت في مُختلف مُؤلفاته، ونقل عنه المقري وابن خلدون. وكان ابن الخطيب من أئمة المُوشحات الأندلسية،واشتهر بتأليف «جادك الغيث»، التي كتب في مطلعها:
كما كان عزيز بن عبد الملك القيسي شاعرًا كبيرًا، حيث برز في أحداث مرسية السياسية آنذاك وظفر بإمارتها مُدة قصيرة. ومن قوله عندما حلت به المحنة:
فيما كان علي بن إبراهيم بن عليّ المعروف بابن الفخار من أعلام الكتابة والنظم وتولى القضاء فترة من الزمن. وبرع في التوشيح إبراهيم بن سهل الإشبيلي، ومن أشعاره:
ومن موشحاته:
كما كان أبو عبد الله محمد بن الجيان المرسي، كاتب ووزير ابن هود، عالمًا بالحديث والرواية وبارعًا في النثر والنظم. ومن شعره قصيدة مطلعها:
برع الأديب والشاعر أبو الطيب صالح بن شريف الرندي في النثر والنظم معًا، وله مقامات بديعة في مجالات عدة، وله تأليف في العروض وفي الشعر سماه «الكافي في علم القوافي»، وأودعه جملة وافرة من نظمه ومُختصرًا في الفرائض. ومن شعره في الغزل والتصوف:
كان أبو عبد الله بن سلبطور من الشعراء المُميزين إلا أنه انكب في نهاية حياته على ملاذته وشهواته وأضاع إرثه وثروته. وأيضًا يظهر كل من الكاتب والشاعر أبو عبد الله محمد بن جُزى، الذي برع في النثر والنظم، والذي أنشأ رحلة ابن بطوطة من مذكرات صاحبها؛ كما ضلع قاض الجماعة، أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسيني، في الحديث والفقه والعروض والأدب، وجمع شعره في ديوان أسماه «جهد المقل»؛ و والشاعر والأديب أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري، الذي كتب عن الوباء الكبير الذي عصف بالأندلس سنة 749 هـ (1348 م) رسالة عنوانها: «تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد»، حيث وصف عصف الوباء وسيره بمدينة ألمرية، وتُوجد نسخة مخطوطة لها بمكتبة الإسكوريال برقم 1785 الغزيري، كما أن له ديوان شعر محفوظ بمكتبة الإسكوريال.
عُد أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن خروف الإشبيلي أحد كبار عُلماء اللغة العربية والنحو العربي، الذين شاركوا في علم الأصول ووضعوا شرحًا لكتاب سيبويه «تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب» وكتب شرحًا للجمل وكتابًا للفرائض. كما كتب ردودًا في علم النحو على أبو زيد السهيلي وعلى جماعة آخرين. وعلى النهج ذاته، كان عمر بن محمد الأزدي الإشبيلي، المعروف بالشلوبين، إمامًا بارعًا في النحو والفقه. كما كان الأديب والرحالة ابن سعيد المغربي مُعاصرًا لابن الأبار القضاعي، وله مُؤلف ضخم من كتابين في فضائل مدن الأندلس والمغرب والمشرق، وهما: «المشرق في حلى المشرق» و«المغرب في حلى المغرب».
أما في الفقه وعلوم الدين، ظهر كل من علي بن أحمد بن محمد الغساني، والذي ألف في شرح الموطأ كتابًا ضخمًا في عشر مُجلدات أسماه «نهج السالك للتفقه في مذهب مالك»، ووضع شرحًا لكتاب مسلم باسم «اقتباس السراج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج» وله شرح تفريغ ابن الجلاب سماه «الترصيع في شرح مسائل التفريع»، وصنف في الآداب منظوماته ورسائله، ونظم في شمائل محمد نبي الله كتابًا أسماه «عنوان الفضائل على مضمن كتاب الشمائل» وألف كتاب «الوسيلة إلى إيابة المعنى في أسماء الله الحسنى»؛ وعمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي ثم الرندي الذي برع في علوم النحو والآداب ورواية الحديث، وله كتاب شرح جمل أبي القاسم الزجاجي؛ ويأتي معه المُؤرخ وراوي الحديث عيسى بن سليمان الرعيني الرندي، الذي كتب الكثير من الكتب والمُؤلفات التي ذهبت عقب أسر العدو له، وألف «معجمه» وكتابًا في الصحابة. وقال ابن الأبار عنه «كان حسن الوراقة، ضابطًا مُتقنًا عارفًا بالرجال». كما كان أبو حيان الغرناطي فقيهًا ظاهريًا بارعًا في الحديث والتفسير واللغة والأدب والنثر، ونظم المُوشحات، وترك مُؤلفات عدة في تلك المجالات مثل «الإلماع في إفساد إجازة الطباع» و«إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب» و«النافع في قراءات نافع».
كان محي الدين بن عربي، أحد أشهر المُتصوفين والشعراء والفلاسفة، حاضرًا في هذه الحقبة، والذي تُنسب إليه الطريقة الصوفية. تزيد مًؤلفاته عن 800، إلا أنه لم يتبق منها سوى 100. ومن أشهر مُؤلفاته فصوص الحكم، والفتوحات المكية، وترجمان الأشواق. وغدت تعاليمه في مجال علم الكون ذات أهمية كبيرة في أجزاء عدة من العالم الإسلامي.
لم تزدهر العُلوم كثيرًا كما كانت في الفترات السابقة، حيث انحصرت الحركة الفكرية الأندلسية في ذلك العصر في النواحي الأدبية دون العلمية. فكان فيلسوف غرناطة وحكيمها أبو زكريا يحيى بن هذيل من أشهر علماء ذلك العصر، حيث برع في الطب والفلسفة والعلوم والرياضة، وله ديوان يُسمى «السليمانيات». وكان من شيوخ ابن الخطيب، الذي وصفه بأنه «دُرة بين الناس مُعطلة، وخزانة على كل فائدة مُقفلة». كما كان أبو عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبي من عُلماء الفقه والهندسة والفلاحة، واختصر العديد من أمهات الكُتب مثل «بهجة المجالس» لابن عبد البر. وأسهم ابن الخطيب في مجالات الطب والفلسفة وكان من تلاميذه الطبيب العالم ابن المهنا، الذي شرح ألفية ابن سينا.