اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان عدد الطلاب في النظامية محدودا، إذ اعتاد الطلبة على ارتياد المساجد لتلقي علومهم الأساسية. وعن أمور معاشهم فقد وفرت لهم النظامية المسكن والمأكل في المدرسة، وكذلك كان ينالهم دائما نصيب من الأوقاف التي توقف على المدرسة، ولقد تخرج من النظامية عدد من العلماء الذين نالوا شهرة بعد ذلك منهم الإمام الحافظ فخر الدين بن عساكر، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام، وابن رافع الأسدي الذي درس بالنظامية ثم عين معيدا بها. وأبو علي ابن منصور الخطيبي المعروف بالأجل الذي أصبح مدرسا بها.
والمدرسة النظامية تعد نموذجاً مشرفاً للإسهام الأهلي في تطوير التعليم والارتقاء به، بل والمساهمة في محاربة البدع وتأصيل المنهج السني في المجتمع. وتعتبر هذه المدرسة بداية التنظيم المدرسي والجماعي في الإسلام، فالتنظيمات المنهجية والتدريسية التي انتظمت في هذه المدرسة، كان لها أثرا حضارياً كبيراً في الحياة العقلية الإسلامية وفي التنظيم التدريسي في هذه المدرسة اتخذ نظاماً بديعاً فأصبح لكل موضوع مدرس خاص، فقد هيأت لطلابها أسباب العيش ومساكن للطلاب.
درس في هذه المدرسة كبار العلماء والفقهاء ، فأبو إسحاق الشيرازي درس في المدرسة حوالي أربع سنوات. ويعتبر الإمام الغزالي من أكبر المدرسين نشاطاً في تأليف الكتب. ومن مؤلفاته المشهورة كتاب "إحياء علوم الدين" و"كيمياء السعادة" و"تهافت الفلاسفة" و"الاقتصاد في الاعتقاد". وأبو بكر الشاسي ومجد الدين الفيروز آبادي المعيد بالمدرسة وصاحب القاموس المحيط وغيرهم من أعلام المدرسين.
وكانت الدراسة بالمدرسة النظامية تمتد قرابة أربع سنوات يدرس فيها الطالب الفقه وأصوله، وبعض العلوم المساعدة. وقد أصبحت هذه المدرسة قبلة أنظار طلبة العلم من مختلف أصناف العالم الإسلامي. فورد إليها الطلبة ودرسوا فيها ونهلوا من معين علمائها. حيث وصل المسلمون في عهد السلاجقة إلى درجة عظيمة من التقدم في كثير من العلوم كالطب والفلسفة والكيمياء والفلك والرياضيات والجغرافيا. فقد استفادوا من الترجمة والاقتباس من التراثين اليوناني والفارسي. وهضموا ما فيهما، ثم اخذوا يستنبطون منهما، ويضيفون عليهما، فظهرت مآثر التركمان المسلمين في كثير من العلوم.
وأخذ علماء التركمان في العصر السلجوقي، وبعدها بكتابة مؤلفاتهم باللغتين العربية والفارسية، وسبب ذلك كون هاتين اللغتين آنذاك بمثابة اللغة العالمية، مثلما اليوم الإنجليزية، وكانوا يتباهون بأنهم يتقنون هذه اللغات وبارعين في كتابتها ولذلك كثرت المؤلفات بهاتين اللغتين في العلوم المختلفة، مما جعل الدارسين يلمون بأطراف من مختلف العلوم والفنون في عصرهم، ويحرصون على إظهار ذلك في كتاباتهم. وراجت هذه الظاهرة عند العلماء والكتاب والشعراء. فأصبح دليلاً على مبلغ ما وصل إليه العلم من التقدم عند المسلمين عامة في عصر السلجوقي. وبعد سنة 817هـ/ 1414م طمست أخبار استمرار والدراسة والتدريس في هذه المدرسة وانمحى ذلك المكان الذي يشع بأنوار العلم والمعرفة وكان ينبوعاً من ينابيع الثقافة الإسلامية.