اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
توسعت فرنسا في غرب إفريقيا لتسترد هيبتها التي فقدت عقب هزيمتها في 1870م أمام روسيا، وأيضًا استفادت من مقررات مؤتمر برلين سنة 1302/1884م الذي سمح بتنظيم الاحتلال الأوروبي للقارة السوداء، فوضعت فرنسا نصب عينها مملكة الإمام ساموري توري، ووجدت الفرصة سانحة عندما ارتمى في أحضانها عدوه تيبا حاكم كندوجو.
فكانت فرنسا تنسق مع تيبا ليحرك قواته إذا حركت هي قواتها حتى تُضعِف من مقاومة ساموري، وما زالت فرنسا تحاربه حتى اضطر لهدنة تنجلي بموجبها قواته من الضفة اليسرى لنهر النيجر تماماً ويعترف باستيلاء فرنسا عليها وعلى مناجم الذهب في بوريه وإرغامه على التعامل مع المراكز التجارية الفرنسية، ومقابلها تعترف له فرنسا بملكيته للضفة اليمنى من النهر.
بعد المعاهدة توجه ساموري توري إلى عدوه تيبا ليقضي عليه وحاصره ستة أشهر في عاصمته سيكاسو لكنه أخفق في فتحها، ولجأ الفرنسيون إلى الحيلة ليخففوا عن حليفهم تيبا الحصار ففك الإمام حصاره عن العاصمة وعاد إلى بلاده لكن بعد أن تحمل خسائر كبيرة فقد قُتل سبعة آلاف من جنده واثنين من أشهر قواده، وثار بعض شعبه عليه في أعقاب هذه الحملة، وعارضوا مطالبه بزيادة الجند.
تولى قيادة الجيش الفرنسي في المنطقة قائد شديد العداوة للإسلام والمسلمين اسمه أرشينار، وفرض على ساموري معاهدة أخرى سنة 1889م تنازل فيها ساموري توري عن بعض الأراضي وتعهد بعدم الإغارة على البلاد التي احتلتها فرنسا، وقبلها ساموري توري؛ لأنه كان في حالة ضعف ولم يشأ أن يصطدم مع الفرنسيين آنذاك.
وأراد القائد الفرنسي أن يستغل تيبا في صراعه مع الإمام مرة أخرى، خاصة أن تيبا أرسل له رسالة يقول له فيها: «إني على ثقة من حسن استقبال أهل البلاد لكم فهم لن يخافوكم، ولن يخشوا إغاراتكم، وسوف يتغير رأيهم فيكم، وتتلاشى كراهيتهم عندما يتفهمونكم ويدركون أغراضكم.»
وحاول أرشينار أن يستميل ساموري توري وأن يغريه بمعسول القول في رسائل عديدة أرسلها له واقتراحات اقترحها عليه لكن كان الإمام يقظًا فواجهها بالاحتقار الذي تستحقه.
وقد استطاع القائد أرشينار أن يحتل مدينتين من مدن ساموري توري، وهما: كانكان، وبيساندوجو، لكن عندما دخلها وجدهما أكوامًا من الرماد فقد أحرقهما الإمام حتى لا يستفيد منهما بشيء.
وكانت مملكة ساموري تدعوها فرنسا بالإمبراطورية المتنقلة؛ لأن ساموري كان كلما فقد جزءًا من مملكته عوضه بأجزاء أخرى من الممالك الوثنية المجاورة فكأنه لم يفقد شيئًا وإنما غير حدود مملكته بهذا.
غيرت الحكومة الفرنسية القائد أرشينار وأتت بقائد آخر اسمه بونييه (Bonnerr) بغية تحقيق نصر سريع بعد أن طالت مدة مقاومة ساموري، وجرد القائد الجديد حملة بقيادة مونتي (Monteil) لكنها منيت بهزيمة ساحقة من قوات الإمام ساموري وأسر من الجند الفرنسيين عدد كبير، ثم أرسلت فرنسا حملة أخرى فهزمت كما هزمت سابقتها، فجنحت فرنسا للسلم، وأرسلت حاكم السنغال الفرنسي ليعقد معاهدة مع الإمام الذي قبلها لحاجته إلى الراحة والإعداد وللتفرغ لنشر الإسلام بين الوثنيين، لكن الفرنسيين لجأوا إلى الحيلة والخداع في هذه المعاهدة وتمكنوا على إثرها من تعقب الإمام في معركة كبيرة في يوليو سنة 1898م كسبها ساموري ضد القائد الفرنسي لارتيج (Lartigue) لكنه أخطأ فتحرك غرباً فدخل الغابات الاستوائية وجبال الدان في فصل الأمطار فأصابت جنده المجاعة وتشتتوا فلم يجتمعوا بعد هذا.
أراد ساموري أن يعود إلى ساننكورو لكن الفرنسيين رفضوا إلا أن يأتيهم بأبنائه رهينة ويسلم أسلحته فعظم عليه ذلك فواصل القتال حتى قبض عليه غدراً ونفي إلى جزيرة أوجويه (Ougoue) في سنة 1889م وقيل نفي إلى الغابون، وتوفي في سنة 1900 رحمه الله، واستقرت فرنسا في غرب إفريقيا عقب هذا الانتصار المفاجئ.
وقد ترك حفيدة أحمد سيكو توري ليتولى المقاومة من بعده وليصبح أول رئيس لغينيا التي حصلت على استقلالها سنة 1958م.
أما عدوه تيبا فقد استولى الفرنسيون على بلاده، وهذه عاقبة كل خائن عميل.
لكن يكفي ساموري شرفًا وفخرًا أن أقام دولة نشرت الإسلام وحاربت الوثنية كل تلك المدة، ويكفيه أنه وقف أمام دولة عظمى آنذاك ثلاثة عشر عامًا أذاقها الهزيمة مرات عديدة، ووحد شعب المانديجو بعد أن كانت قبائل متناثرة وعشائر متناحرة فرحمه الله، وأعلى درجته في عليين.