اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت لابن جني عناية كبيرة بالقراءات القرآنية، وهو حريص في مؤلفاته على إظهار مكانتها وأهميِّتها، سواء من الناحية الدينيَّة أو اللغويَّة والأدبيَّة، ولا يُفرِّق في ذلك بين القراءات المتواترة والشاذَّة. واهتمام ابن جني وإجلاله للقراءات القرآنية أفضى به إلى أن يؤلِّف كتابين حولها، وأشهر ما كتبه ابن جني في القراءات هو كتابه "المحتسب"، وألَّف كذلك رسالةً تحت عنوان "في شواذ القراءات"، تناول فيها القراءات وعلاقتها بالرسم، وتطرَّق فيها أيضًا إلى نقط القرآن والمشاكل المتعلِّقة. وتناول ابن جني للقراءات القرآنية لا يقتصر على المؤلفات السابقة فحسب، إذ امتدَّ تعاطيه معها أيضًا إلى مؤلفاته الأخرى، ولكن في الأغلب يستعين بها في المسائل اللغويَّة والأدبيَّة لا الدينيَّة. استعان ابن جني في تأليفه "المحتسب" بمؤلفات سابقيه في علم القراءات، وتأثَّر على وجه التحديد بمنهج ابن مجاهد، خاصةً في كتابه المفقود الذي يُوثِّق فيه القراءات الشاذَّة.
الدوافع التي جعلت ابن جني يُلقِي عناية بالقراءات القرآنية - طبقاً لقوله - هي دوافع دينية محضة، رغبةً في الدفاع عن القرآن، غير أن بعض الباحثين يلاحظ أنَّ ابن جني استعمل القراءات القرآنية ميداناً ليُطبِّق عملياً نظرياته اللغوية، فيستعمل خبرته الواسعة في اللغة حتى يحتجُّ للقرآن ويُثبت خُلُوَّه من الأخطاء اللغوية، فكان غرضه من تناول القراءات ديني وعلمي في الوقت ذاته.
بعد أن أتمَّ النحاة وضع قواعدهم المحورية، وترسَّخت مبادئهم في اللغة، تباينت مواقفهم بعد ذلك من القراءات المخالفة لتلك القواعد والمبادئ، حيث أخضع بعض النحاة القراءات القرآنية للقواعد النحوية، وأصبح النص القرآني مُعرَّضاً لأوصاف الصحة والخطأ اللغوي، بينما جعل البعض الآخر النص القرآني أصلاً تُبنَى عليه القواعد، بحيث يصير منيعاً من الخطأ ومنبعاً تُستَنبط منه القواعد ويصحُّ القياس عليه. وموقف ابن جني - كنحوي - من القراءات القرآنية اتسم عموماً بالإجلال والاحترام، وكان قليلاً ما ينتقد القراءات أو يُخطِّئها، وفي الأغلب يدافع عنها ويُبرِّر لها من أصل اللغة. وابن جني شديد الثقة بالقُرَّاء، حتى وإن لم يجد وجهاً يُبرِّر فيه قراءتهم، فهو غالباً لا يتهمهم بالوضع أو حتى الخطأ والسهو، ويضع دائماً احتمال أن تكون القراءة صحيحة وتُبرِّرها لهجة مندثرة من لهجات العربيَّة الفصيحة، فيقول في قراءة أبي الحسن البصري «وَالأَنجِيلَ» بفتح الهمزة: «ولكنَّه الشيخ أبو سعيد انظر الله وجهه، ونوَّر ضريحه، فكيف الظنّ بالإمام في فصاحته وتحرِّيه وثقته؟ ومعاذ الله أن يكون شيئاً جنح فيه إلى رأيه، دون أن يكون أخذه عمَّن قبله». ويقول في قراءة ابن عباس «وَأَيقَنَ أَنَّهُ الفِرَاق» بدلاً من القراءة المشهورة «وظَنَّ أنَّهُ الفِرَاق»: «ينبغي أن نُحسِن الظن بابن عباس، فيُقال أنَّه أعلم بلغة القوم من كثيرٍ من علمائهم، ولم يكن ليُخفَى عليه أنَّ "ظننت" قد تكون بمعنى "علمت"». غير أنَّ ابن جني لا يمتنع في بعض الأحيان عن تخطئة القراءات، دون الخوض في القارئ، وقد لاحظ محمد خالد عيال سليمان وجود هذا التناقض في منهج ابن جني، وهو في ذلك لا يُفرِّق بين المتواتر والشاذ، وهذه إحدى الانتقادات التي تُوجَّه إليه، ومن ذلك تخطئته لقراءة حمزة الزيات التي يجمع فيها بين ساكنين. وقد بلغ ابن جني مبلغاً يناقض فيه نفسه ويُفسِّر القراءات الخاطئة بـ"الجهل" وبـ"السهو" وبـ"القصور عن إدراك حقيقة الأمر"، ولكن يظلُّ ابن جني من أكثر النُّحاة رعاية للقراءات، وإذا ردَّ بعضها يظلُّ من أكثرهم لباقةً في الردِّ، وقليلاً ما يذمُّ القرَّاء.
القراءات التي يصفها ابن جني بالشذوذ لا يعني أنَّه يطعن فيها أو يوصمها بالنقصان، والشاذ عند ابن جني هو كُلُّ القراءات غير القراءات السبعة التي اقتصر عليها ابن مجاهد، وألحق بها هذه التسمية موافقةً لأهلِ زمانه، وهو لا يعني بذلك أنَّ لغتها شاذَّة، ومع أنَّها ليست شائعة كالقراءات المتواترة إلا أنَّ ابن جني يجدها حجة موثوقة يصحُّ الاعتماد عليها، يقول ابن جني في مقدمة "المحتسب": «إنَّ القرآن الكريم انتظم لغات العرب على مثناتها، وإنَّ القراءات فيه جاءت على ضربين: الأوَّل؛ اجتمع عليه أكثر قُرَّاء الأمصار، وهو ما أودعه ابن مجاهد في كتابه "السبعة"، والثاني؛ سمَّاه أهل زماننا شاذاً، أي خارج عن قراءة القراء السبعة المُقدَّم ذكرها، إلا أنَّه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قُرَّائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعلَّه أو كثير منه مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه». ويرى شوقي ضيف أنَّ ابن جني تابع ابن مجاهد في مفهومه عن القراءات الشاذة، أي أنَّه لا يقصد أنَّها شاذة بمعنى خاطئة، وإنَّما تأتي بعد القراءات الشائعة المشهورة في الترتيب والوثوقيَّة، ولاحظ جايد زيدان أن مفهوم ابن جني لا يطابق تماماً مفهوم ابن مجاهد حول الشذوذ في القراءة، فابن مجاهد لا يستحسن القراءة القراءات الشاذَّة ولا يُشجِّع تداولها بين العامة، على عكس ابن جني الذي دافع عن القراءات الشاذَّة واجتهد في الاجتجاج لها وتوجيهها بشتَّى السُبُل. غير أنَّ ابن جني لا يحتجُّ لجميع القراءات الشاذَّة، والشاذُّ عنده على نوعين، نوع سنده موصول إلى النبيِّ ولكنَّه لم يُحقِّق شرط التواتر، وهو النوع الذي يحتجُّ له ابن جني ويعتقد بقوَّته، ونوع آخر من الشاذِّ سنده منقطع، وهي القراءات الضعيفة التي يُرجَّح أنَّها موضوعة أو مُحرَّفة، وهذا النوع يمتنع ابن جني عن الاحتجاج له، فيقول في "المحتسب": «إنَّ جميع ما شذَّ عن قراءة القُرَّاء السبعة، وشهرتهم مغنيَّة عن تسميتهم، ضربان؛ ضربٌ شذَّ عن القراءات السبعة عارياً عن الصُنعة، فلا وجه للتشاغل به، وضربٌ ثانٍ شذَّ عن السبعة وغمض فيه عن ظاهر الصنعة، وهو المُعوَّل المُعتَمد عليه».
وابن جني عندما يدافع عن القراءات الشاذَّة ويُشجِّع على الاهتمام بها فهو لا يرمي إلى مخالفة القُرَّاء، الذين جعلوا التواتر شرطاً لقبول القراءة وضمَّها إلى القراءات المعتبرة، التي يصحُّ تلاوتها والصلاة بها، ولكنَّه أيضًا لا يقبل الحط من شأنها، وعلى الرغم من أنَّه يوافق القُرَّاء في منع التلاوة بها، فهو يعتقد بقوَّتها ويؤكِّد على أهمِّيتها الدينية، يقول ابن جني: «إلا أنَّنا وإن لم نقرأ في التلاوة به، مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع في القراءة كُلَّ جائز روايةً ودرايةً، فإنَّا نعتقد قُوَّة هذا المُسَمَّى شاذاًُ، وأنَّه مِمَّا أمر الله بتقبُّله، وأراد مِنَّا العمل بموجبه». ويُصرِّح ابن جني أنَّه لا يريد خلق خلافات بالخروج عن إجماع القُرَّاء، يقول: «ولسنا نقول ذلك فسحاً بخلاف القُرَّاء المجتمع [عليهم] في أهل الأمصار على قرائتهم، أو تسويغها للعدول عمَّا أقرَّته الثِقَات عنهم»، ويذكر أنَّه اتبع في تأليف "المحتسب" الأسلوب المألوف عن القُرَّاء، حتى «يحظوا به ولا ينأوا عن فهمه». ومع تأكيده على عدم الخروج عن إجماع القراء، وتوجيهه لعدد من القراءات التي خطَّأها بعض النُّحاة، إلا أنَّ ابن جني يردُّ عدداً من القراءات المتواترة التي أجمع القرَّاء على صحَّتها، منها قراءات عن القرَّاء السبعة، ويرى فاضل السامرائي أنَّ ابن جني لم يخرج عن منهج النُّحاة في تغليط القرآن، ولكنَّه كان أكثر تساهلاً مقارنةً بغيره.
يُوصَف منهج ابن جني في "المُحتَسب" بالموضوعيَّة والمنهجيَّة. وحاول ابن جني قدر استطاعته تقليد الثقات من القُرَّاء، حتى يكسب ثقتهم، وحاول أن يجعل منهجه مُشابهاً للمنهج المُتَّبع في كُتُب القراءات التقليديَّة. واتَّبع ابن جني أسلوب أستاذه أبي علي الفارسي في كتابه "الحِجَّة في القراءات السَّبعة"، وأخذ منه على وجه الخصوص طريقته في طرح القراءات والاحتجاج لها، حيث يبدأ ابن جني في . ولا يُفرَّق ابن جني في منهج احتجاجه بين القراءات الشاذَّة أو المتواترة، فيساوي بينهما، ويجتجُّ للقراءة الشاذَّة بالطريقة ذاتها التي يحتجُّ للقراءة المتواترة. ويميل ابن جني في نقده القراءات إلى الاختصار، فلا يُطِيل الاحتجاج لغير ضرورةٍ. واستطاع ابن جني التحرُّر من التأثير المذهبي في نقد القراءات، سواءً المذهبيَّة الدينية أو الأدبيَّة، فلا يُفرِّق بين قراءات أهل الكوفة والبصرة على أساسٍ مذهبي، ويلتفت إلى الدليل وحده بغضَّ النظر عن أصل القارئ. وابن جني، كغيره من النُّحاة، من المؤيديين للمعيار اللغوي في الحكم على القراءات، إلى جانب معايير أخرى عمل بها ابن جني في "المحتسب"، والتفت ابن جني في الحكم على القراءات أيضًا إلى سند القراءة وموافقتها للمصاحف، وهي المعايير التي اتفق عليها القراء في وصف القراءة بالصحَّة أو الشذوذ.
يستعمل ابن جني القراءات المتواترة ليحتجّ للقراءات الشاذَّة، فيحاول التوفيق بينهما حتى يُقنِع القرَّاء أنَّ الشاذَّ لم يأتِ بما يُخالف الشائع والمشهور، وهكذا لا يوجد دافع لرفضه.
عندما يفاضل ابن جني بين القراءات لا يُفرِّق بين الشاذِّ والمتواتر، ويلتفت إلى المعنى وموافقة القراءة لمعايير الصحَّة، فقد يُرجِّح القراءة الشاذَّة على القراءة العامَّة، وقد يُرجِّح أيضًا القراءة العامَّة على القراءة الشاذَّة. غير أنَّ ابن جني غالباً ما يُرجِّح القراءات المتواترة على القراءات الشاذَّة، ويمتدح الباحثون المعاصرون هذا التصرُّف من قبله. وقد يُفضِّل ابن جني القراءة الشاذَّة على المتواترة، ومن ذلك تفضيله لقراءة الحسن وعمرو: «عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أَسَاءَ» على القراءة المشهورة: «عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أَشَاءَ»، ويلتفت ابن جني إلى دلالة كُلٍّ من القرائتين في هذا الموقف، حيث فضَّل القراءة الشاذَّة لأنَّ دلالتها على العدل الإلهي أفضل من القراءة المتواترة في دلالتها على الإرادة الإلهيَّة. ويُفضِّل ابن جني قراءة أبي السمَّال: «وَالسَّمَاءُ رَفَعَهَا» في مقابل القراءة المشهورة: «والسَّمَاءَ رَفَعَهَا»، لأسبابٍ نحويَّة. ويُفضِّل كذلك قراءةً أخرى لأبي السمَّال: «إنَّا كُلُّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ»، برفع "كُلّ"، في حين يقرأها العامَّة بالنَّصب.
قد يقف ابن جني على قرائتين متناقضتين تماماً، فلا يُرجِّح إحداهُنَّ، لأنَّ هذا سيفضي به إلى تخطئة الأخرى، وهو ما يخالف منهجه، ولكنَّه يجتهد في التوفيق بين القرائتين المتناقضتين، ومن ذلك القراءة المشهورة: «لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا»، والقراءة الشاذَّة: «لتُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا»، حيث يقول ابن جني في توفيقه بين القرائتين في موقفٍ يدافع فيه عن القراءة الشاذَّة: «معنى هاتين القرائتين ضُدَّان كما ترى، لأنَّ أحدهما «لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خاصَّة»، والأخرى معناها لتُصِيبنَّ هؤلاء بأعيانهم خاصَّة. وإذا تباعد، وأمكن أن يُجمَع بينهما كان ذلك جميلاً، ولا يجوز أن يُراد زيادة "لا" من قبل أنَّه كان يصير معناه: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فليس هذا عندنا من مواضع دخول النُّون، ألا تراك لا تقول: لا ضربتُ رجلاً يدخُلنَّ المسجد، هذا خطأ لا يُقال، ولكن أقرب ما يُصرَف إليه الأمر في تلاقي معنى القراءتين، أن يكون يُراد: لا تُصِيبَنَّ، ثُمَّ حُذِفت الألف من "لا" تخفيفاً واكتفاءً منها».
في دراسته القراءات القرآنيَّة تطرَّق ابن جني إلى تفسير بعض الآيات، خاصةً عندما يُفاضل بين القراءات وفقاً لمعناها، ولم يؤلِّف ابن جني كتاباً مُستقلاً في تفسير القرآن، ولهذا لا يُدرَج اسمه في طبقات المُفسِّرين، ولكنَّ تفسيره للآيات القرآنيَّة جعله متناثراً بين صفحات "الخصائص" و"المُحتسب"، وخاصةً كتاب "المُحتسب" الذي وضعه ابن جني في علوم القرآن، ولم يُخصِّص ابن جني في مؤلفاته أبواباً أو فصولاً خاصة بالتفسير، والمسائل التي يعرج فيها على تفسير الآيات جاءت مختلطة بالمسائل اللغويَّة ومسائل علم القراءات، سوى الفصول التي يتحدَّث فيها عن تأثير العلوم اللغوية على تفسير القرآن. وتناولَ ابن جني تفسير بعض الآيات في مؤلفاته الأخرى، وفي "المسائل الخاطريات" يُركِّز ابن جني على تفسير القرآن، وهذا هو الكتاب الوحيد الذي يعقد فيه ابن جني فصولاً خاصة بالتفسير، ولكنَّ الكتاب ليس مختصاً بالتفسير ويناقش في معظمه مسائل لغويَّة. ويُعَدُّ ابن جني من المُفسِّرين اللغويين، وهو تيار من مدارس تفسير القرآن، يعتمد على الموروث اللغوي في تفسير الآيات المُشكلة وغريب القرآن. وتُعدُّ أحياناً الشروح والتعليقات التي ألَّفها ابن جني على دواوين شعريَّة من مصادر التفسير اللغوي، لأنَّه يستشهد بآيات قرآنيَّة للتأكيد على معانٍ مترادفة في الأبيات الشعرية. ومعظم تفسير ابن جني هو تفسير لغوي، يركن فيه إلى المعاني المعجميَّة والعلوم اللغويَّة، وتأثَّر ابن جني بالمفسِّرين اللغويِّين قبله، وعلى وجه الخصوص أبو عبيدة مُعمَّر بن المثنَّى والفراء والأخفش الأوسط وأبو بكر الزجاج. ووظَّف ابن جني خبرته الواسعة في مجال اللغة والصرف والنحو والبلاغة في التفسير، ما يجعل تفسيره فريداً من نوعه. وابن جني من المُفسِّرين بالرأي، وانتماؤه إلى المعتزلة من العوامل التي دفعته إلى تقديم العقل والرأي على الأثر، وقليلاً ما يلتفت ابن جني إلى الأحدايث المأثورة عن النبي، وفي بعض الأحيان يذكر الآراء التي استسقاها المُفسِّرون من الأحاديث ولكنَّه لا يتعرَّض للأحاديث نفسها ولا يستشهد بها.
انتقد ابن جني بشدَّة التفسيرات التي وصفت الذات الإلهية بأوصاف بشرية لا تليق بمقام الألوهيَّة من وجهة نظره، وتدخل ضمن التجسيد والتشبيه. ويؤكِّد ابن جني أولاً على أنَّ اللغة أكثرها مجاز، وقليلاً ما تطابق الألفاظ المعاني المقصودة، ويرى أنَّ كثرة المجاز هي من مُمِيِّزات اللغة العربية. ويُوظِّف ابن جني المجاز اللغوي لتفسير القرآن بما يتناغم مع عقيدته الدينيَّة، وهو من الأساليب المعروفة عن المعتزلة في التفسير، حيث يركن أغلبهم إلى اللغة في دفع وهم التجسيد والتشبيه. ويرى ابن جني أنَّ المجاز من الوسائل المُهمَّة التي يجب على كُلِّ مُفسِّر الاطلاع عليها واستخدامها، وعقد باباً في الخصائص تحت عنوان "ما يؤمِّنه علم العربية من الاعتقادات الدينية" يُبيِّن فيه ضرورة تأويل بعض الآيات وصرف معنى كلماتها عن المعنى الأصلي، ويقول في بدايته: «اعلم أنَّ هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأنَّ الانتفاع به ليس إلى غاية، ولا وراءه من نهاية». ويُنزِّه ابن جني الذات الإلهية عن وصفها بأوصافٍ جسديَّة، كالقول أنَّ لله وجه أو ساق أو يد أو عين، ويؤول جميع الآيات التي قد يُفهم منها ذلك، وينتقد بشدَّة من يُصِرُّ على هذه الصفات، ويُرجِع موقفهم إلى الجهل باللغة وسوء الاعتقاد. يقول ابن جني في تفسير "يوم يُكشَف عن ساق": «».
أغلب مساهمات ابن جني في العلوم الدينية تنحصر في علوم القرآن، ومعظم مساهماته في هذا المجال تتعلَّق بالقراءات القرآنية، خاصَّةً الشاذَّة منها، إلا أنَّ ابن جني كانت له ميول نحو الاهتمام بالفقه الإسلامي، وعلى وجه الخصوص الفقه الحنفي. وألَّف ابن جني رسالةً يناقش فيها مسألة فقهية أثارها الفقيه الحنفي محمد بن الحسن الشيباني في كتابه "الأيمان"، وتتواجد اليوم مخطوطتان من هذا العمل؛ إحداها في مكتبة داماد إبراهيم بتركيا، والأخرى في مكتبة الفاتيكان. ويذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" أنَّ لابن جني كتاب آخر في الفقه، يشرح فيه كتاب "التبصرة في أصول الفقه"، من تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي. ورغم أنَّ ابن جني كان مطَّلعاً على أصول الفقه، حيث استعان بأصول الفقه في تأصيله للنحو، إلا أنَّ غينم الينبعاوي يستبعد تماماً أن يكون ابن جني قد شرح كتاب الشيرازي، وذلك أنَّ المصادر التاريخية تتفق على أنَّ الشيرازي ولد في سنة 393هـ، بعد وفاة ابن جني بسنة واحدة، كما أنَّ ابن خلكان يشير إلى أنَّ الشيرازي قد أخذ من ابن جني بعض أسماء كتبه، ما يُرجِّح أنَّ ما ذهب إليه حاجي خليفة كان سهواً.