اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت الخلافةُ الفاطميَّة خلافةً مذهبيَّةً شيعيَّةً شعارها الإمامة الدينيَّة، وكان لهذه الصفة المذهبَّية أثرها في صوغ كثير من النظم والرسوم التي اختصت بها. كان نظامُ الحُكم في ظل الخلافة الفاطميَّة، كما كان في سائر الدول الإسلاميَّة الأُخرى، خلال العصور الوسطى مُنذُ انقضاء الخلافة الراشدة، نظامًا مُطلقًا يستأثرُ فيه الخليفة بجميع السُلطات الرُوحيَّة والزمنيَّة، وقد سارت الخِلافة الفاطميَّة على هذا النحو منذ قيامها بالمغرب، ثمَّ بعد ذلك مُنذ قيامها بمصر، فكان الخليفة الفاطميّ، هو الدولة، وهو صاحب السُلطات المُطلق. وكانت نظريَّة الحُكم الفاطميَّة تقُومُ على المبدأ القائل: «إنَّ طاعة الإمام جامعة للمُلوك والرَّعايا، والرَّعايا تجمع الأعطاء والطَّاعة، وإنَّ الوزير يجمع السياسة والجباية، والجباية جامعة للوُزراء والعُمَّال، وأن الملك يجمع الطاعة والسياسة، والعاملُ يجمع الجباية والأعطاء، وإنَّ الأعطاء جامعٌ للعُمَّال والرعايا، وإنَّ السياسة مُشتركة». يتضح من ذلك أنَّ الأمام هو رئيس الدولة الأعلى، وقد يكون هو الإمام الروحيّ والملكُ الزمني معًا، وقد يكون تحت رياسته ملوكٌ آخرون، يُدينون له بالطاعة الدينيَّة والدُنيويَّة، وهو الحاكم المُطلق، ومن تحته تتدرجُ السُلطات من أعلى إلى أسفل. انطلاقًا من هذا، فإنَّ الخليفة الفاطميّ كان يحكُمُ حُكمًا مُطلقًا، مثل الخُلفاء الأُمويين والعبَّاسيين قبله، لكنَّهُ تميَّز عنهم بالهالة الدينيَّة المُعظَّمة التي فاقت تلك الهالة التي أحاطها العبَّاسيون بالخليفة، فالأخيرة ظهرت لظروفٍ سياسيَّة، بينما قداسة الخليفة عند الفاطميين أصلٌ من أُصول الإيمان، فالخليفةُ الفاطميُّ هو في الوقت نفسه إمام المذهب الإسماعيلي، وهو معصومٌ عن الخطأ وِفق المُعتقد الشيعي، وهو قائمُ الزمان، وقيامه يرجع إلى مشيئة الله. واتخذ الفاطميّون ألقابًا تعكسُ مكانتهم وأحقيَّتهم في حُكم المُسلمين كلقب «إمام» و«صاحب الزمان» و«السُلطان الشريف»، بالإضافة إلى لقب «أمير المؤمنين» الذي كان مُرادفًا للقب الخليفة منذ عهد عُمر بن الخطَّاب، كما أنَّهم حرصوا على إضافة نعوتهم الخاصة إلى لفظ الجلالة كما فعل العبَّاسيّون قبلهم، فكان الخليفة الفاطميّ يتلقب بألقاب مثل: «المُعز لدين الله»، و«العزيز بالله»... وما إلى ذلك. وقال ابن خلكان: «سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنَ المِصْرِيِّينَ يَقُوْلُوْنَ إنَّ هَؤلَاءِ القَوْمَ فِي أَوَائِلِ دَوْلَتِهِم قَالُوا لِبَعْضِ العُلَمَاءِ: "اُكْتُبْ لَنَا وَرَقَةً تَذْكُرُ فِيْهَا ألْقَابًا تَصْلُحُ لِلخُلَفَاءَ"، حَتَّى إذَا تَوَلَّى وَاحِدٌ لَقَّبُوهُ بِبَعْضِ تِلْكَ الأَلْقَابِ، فَكَتَبَ لَهُمُ ألْقَابًا كَثِيْرَةً». وسار الخُلفاء الفاطميّون على نظام الحُكم الوراثي بتفويضٍ من الله، كما كان حالُ الخُلفاء العبَّاسيين، وكان قصرُ الخِلافة الفاطميّ يقعُ في منطقة خان الخليلي بشارع بين القصرين المُعاصر. دُفن عددٌ من أئمَّة الإسماعيليَّة والخُلفاء الفاطميين في مسجد الإمام الحُسين بالقاهرة، وتحديدًا من الإمام التاسع التقي مُحمَّد إلى الإمام العُشرون والخليفة العاشر منصور الآمر بأحكام الله، وذلك في موضع يُقال له «باب مُخلفات الرسول» حيثُ يُعتقد أنَّ بعضًا من شعر رأس الرسول مُحمَّد قد حُفظ، وحيثُ قيل أنَّ رأس الإمام الحُسين بن عليّ قد نُقل.
بعد سُقوط دولة الأغالبة، عمِل الخليفة عُبيد الله المهدي على تنظيم دولته الجديدة بما يؤهلها لمهامٍ أكبر من مُجرَّد السيطرة على المغرب، أي للتوسُّع شرقًا مُستقبلًا. فأعدَّ لها تنظيماتٍ على المُستوى المُتقدِّم كدولةٍ ناشئةٍ مُتطوِّرة، فأعاد تقسيم البلاد الخاضعة له بشكلٍ يُناسبُ الظُروف الواقعة، وعيَّن الحُكَّام لأقاليمها ووُلاةً لإدارة أجزائها الواسعة، ويذكُرُ المقريزي بعضًا من ذلك، فأشار إلى أنَّ المهدي استعمل العُمَّال على الأقاليم، فعيَّن على جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خِنزير، فوصل إلى «مارز» يوم 10 ذي القعدة 297هـ المُوافق فيه 20 تمّوز (يوليو) 910م، فولّى أخاهُ على جرجنت. وقد توسَّع ابن خِنزير سنة 298هـ، فسار في عسكره إلى «دفش»، فغنم وسبى وأحرق، ولم يُحسن العمل، فعيَّن المهدي بدلًا منه عليّ بن عُمر البلوى. وقد وزَّع المهدي أعيان الكتاميين والرجال المُقربين منه على ولايات الدولة حتَّى غدت مُتماسكة الأجزاء قويَّة البُنيان. وقسَّم الفاطميّون الدولة إلى عدَّة ولايات أعمال هي: ولاية عسقلان، وهي أجلُّ الولايات، وولاية قوص، وولاية الشرقيَّة، وولاية الغربيَّة، وولاية الإسكندريَّة، وولاية إفريقية، وولاية صقلية، وولاية الحرمين، وولاية اليمن. وقد فقدت الدولة ولاية عسقلان لصالح الصليبيين، لكنَّها حافظت على ولايات قوص والشرقيَّة والغربيَّة والإسكندريَّة حتّى أواخر أيَّامها، أمَّا الولايات المغربيَّة فقد سقطت من أيديهم قبل ذلك، إذ ما لبثت أن قامت دولة المُرابطين في المغرب سنة 1040م، وتخلَّى حُكَّامها عن المذهب الشيعي. ولبِثت صقلية كذلك تابعةً من الناحية الشرعيَّة للخِلافة حتَّى انتهت بالسُقوط في يد النورمان في سنة 462هـ المُوافقة لِسنة 1072م. وكانت أعمال الحرمين واليمن أيضًا تابعة للخِلافة الفاطميَّة من الوجهة المذهبيَّة، يُدعى فيها للخليفة الفاطميّ، ولكنَّها كانت مُستقلَّة بشؤونها.
كانت الوزارة في العهد الفاطميّ الأوَّل وزارة تنفيذ لأنَّ السُلطات كُلَّها كانت بيد الخليفة. ولم يكن الوُزراء إلَّا مُعاونين للخليفة يُنفذون سياسته وأوامره. أمَّا في العهد الفاطميّ المُتأخر، فقد زاد نُفوذُ الوُزراء وأصبحت لهم كلمةٌ في تسيير الأمور واتخاذ القرارات. ولعلَّ أهم ما يُمَيز منصب الوزارة في العصر الفاطميّ هو أن الكثير من وزراء الفاطميين كانوا من النصارى واليهود، مثل: عيسى بن نسطورس، ويعقوب بن كلس، وعسلوج بن الحسن. وخِلال النصف الثاني من العصر الفاطميّ تغلَّب الوُزراء وسيطروا على شؤون الدولة كُلَّها، وسلبوا الخُلفاء كُلَّ سُلطانٍ ونُفوذِ، حتَّى أطلق البعض على هذا العصر اسم «عصر الوزراء العظام». وبلغ من نُفوذ الوزراء في ذلك العصر أن غلب سُلطانهم على سُلطان الخُلفاء بشكلٍ عام، وزاد نُفوذ الوُزراء حتَّى أنَّهم كانوا يُعينون بعض الخُلفاء ويعزلونهم، بل ويتآمرون عليهم، كما اتخذوا ألقابًا كلقب «الملك» وألقاباً أُخرى تفيد مزيدًا من التفضيل مثل «الأكمل» و«الأفضل» و«الأشرف»، وأصبحت الوزارة أهم وظائف الدولة وأكبرها، حيثُ تضاءلت إلى جانبها وظيفة الخليفة. وأوَّل هؤلاء الوُزراء كان بدرُ الدين الجمالي، الذي جمع بين إمارة الجيش والوزارة، وكان الآمر الناهي في الدولة ما عدا في الشؤون الدينيَّة.
أدى تأسيس الدولة الفاطميَّة إلى ظهور خلافةٍ جديدة في العالم الإسلامي، تتبع المذهب الشيعيّ عوضًا عن المذهب السنُّي الذي كانت تتبعه الدولة العباسية، وبالتالي فقد ظهر منصب قاضي قضاةٍ جديدٍ بين المسلمين يوازي قاضي بغداد، إلا أنَّه يتبع المذهب الإسماعيلي ويستند إليه في أحكامه عوضًا عن الحنفيّ. وكان يستقرُّ قاضي القضاة عادةً في الجامع الأزهر الذي بناه الفاطميُّون بعد فتحهم لمصر مباشرة. كان أول قاضي قضاةٍ فاطمي هو النعمان بن محمَّد الذي عيَّنه الخليفة المعز لدين الله، وقد كان أول من يؤسِّس نظامًا قضائيًّا بالدولة الفاطمية. عندما كانت لدى المواطنين مظالم على أمرٍ ما، فإنَّهم كانوا يتجهون إلى حاجب الخليفة، فينظر الحاجب في المظالم، فإذا كانت صغيرةً فإنَّه يحولها إلى قضاة أو ولاة الدولة، أما إن كانت غير ذلك فإنَّه يجمعها ويعرضها على الخليفة. أما الأحكام الشرعيَّة فإنها تؤول إلى قاضي القضاة ليحكم فيها، والذي كان يمثِّل أعلى سلطةٍ قضائيَّة في الدولة. كما كان يوجد منصبٌ يلي قاضي القضاة مباشرة في أهميَّته وقوته، هو داعي الدُّعاة. اندثر المذهب الإسماعيليُّ في مصر مع زوال الدولة الفاطمية، وزال معه منصب قاضي القضاة بمصر وسائر المؤسَّسة القضائية الفاطمية.