درس راوول فيتالي أوّلاً السلالم الموسيقية البابلية التي تم اكتشافها في أربعة رقم طينية تم العثور عليها في العراق ( بلاد ما بين الرافدين )، ومن خلال تحليل معاني الدرجات الموسيقية ( الأوتار ) استنتج أن ترتيبها هو معاكس لما كان مسلّم به قبلاً، واستطاع بناءً على هذا الاستنتاج أن يحدد جميع أبعاد السلالم الموسيقية البابلية في بلاد ما بين الرافدين بدقة عالية، وهو أوّل من استطاع أن يصل لهذا التحديد الدقيق، ولقيت النتائج التي توصّل لها في هذا المجال قبولاً واسعاً من العلماء المختصين بالموضوع، والدراسات اللاحقة أكدت استنتاجاته واعترفت له بسبق هذا الاستنتاج. التدوين الموسيقي الموجود على الرقيم H-6 كما قلنا مؤلف من تتالي بعد موسيقي – عدد، حيث البعد الموسيقي معروف تحديداً بين أي درجتين هو، مثلاً “قبليت” هو البعد ما بين الدرجتين لا ورِه الأعلى منها ( بعد مقابلة أسماء درجات السلالم البابلية بما هو قريب منها في السلم الموسيقي الغربي المعاصر ).
بعض المحاولات لقراءة التدوين الموسيقي افترضت أن وجود البعد «لا – ره» يليه العدد 3 مثلاً يعني عزف الدرجتين «لا» و «ره» معاً ثلاث مرات متتالية، أي تعدُّد أصوات ( هارمونية )، بينما غيرها افترض أن البعد «لا – ره» يعني عزف الدرجات «لا – سي – دو – ره» بالتتالي لكن بقي تفسير العدد المكتوب بعد البعد الموسيقي صعباً. بعد أن درس راؤول فيتالي المحاولات السابقة لقراءة التدوين الموسيقي واعتمد على اكتشافاته بخصوص السلالم الموسيقية البابلية، قدّم قراءته الخاصة الكاملة للتدوين الموسيقي وبناها على الأسس التالية:
- رفض فكرة تعدد الأصوات التي تقول بأن البعد لا – ره مثلاً يعني عزف الدرجتين لا وره معاً، قِدَم التدوين الموسيقي هو أحد الأسباب ولكن يوجد سبب آخر ذَكَرَه وهو أن بعض تلك الأبعاد بالنتيجة ستكون متنافرة غير صافية مما يعني أن عزف الدرجتين معاً لن يعطي نتيجة محبذة حسب ما هو معروف في علم الهارموني، وبالتالي قَبِل بالفكرة الأخرى التي تقول أي أن البعد لا – ره مثلاً يعني غناء أو عزف الدرجات لا – سي – دو – ره بالتتالي.
- قارَن الأعداد الواردة في سطور التدوين الموسيقي مع عدد المقاطع الصوتية في سطور نص النشيد وهي محدّدة مسبقاً من قبل علماء آخرين، فلاحظ أن عدد المقاطع الصوتية في كل سطر من نص النشيد المكتوب يساوي ثلاثة أضعاف مجموع الأعداد الواردة في سطر مقابِل من التدوين الموسيقي، فاعتبر إذاً أن الأعداد الواردة في التدوين الموسيقي لها دلالة إيقاعية، فإذا كان كل مقطع صوتي يأخذ زمن واحد فهذا يعني أن الأعداد الواردة في التدوين الموسيقي كل منها يدل على عدد مازورات ثلاثية الزمن، أي عدد ضربات آلة الإيقاع القوية عندما يكون الإيقاع ثلاثياً.
- في نهاية السطر الأول من التدوين بَعدَ آخِر بُعدٍ وعدد، ترد كلمتان “أشتما آري” وتم ترجمتهما بمعنى “لا تُسمع – أعطِ” ففهمها راوول فيتالي بمعنى “لا تُسمِع النص – أعطِ” أي أن نصف آخر متتالية ( وما سبقها ) هو عزف بدون غناء بينما يبدأ الغناء من بداية نصفها الثاني، وهذا معناه أن السطر الأول من التدوين الموسيقي حتى منتصف المتتالية الأخيرة منه هو مقدمة موسيقية بدون غناء، أيضاً بما أنّ عدد سطور التدوين الموسيقي ستة بينما عدد سطور النشيد هي أربعة فهذا يعني أيضاً أن السطر الأخير من التدوين الموسيقي هو أيضاً عزف بدون غناء أي خاتمة موسيقية.
- تكرار المقاطع الصوتية السبعة في آخر كل سطر من سطور النشيد في بداية السطر الذي يليه هو طريقة حتى ينتقل القارئ ( المغنّي ) من نهاية السطر على ظهر الرقيم إلى بداية السطر التالي على وجه الرقيم بدون أن ينسى آخر كلمات لئلا يحدث انقطاع زمني خلال عملية قلب الرقيم، وهذه الطريقة متّبعة حتى اليوم في المصاحف وفي قراءة الكتب الدينية حيث تعاد كتابة آخر كلمة من الصفحة في بداية الصفحة التي تليها، مع العلم أن حذف عدد المقاطع المعادة وايضاً إضافة زمن نصف المتتالية الأخيرة في سطر التدوين الموسيقي الأول إلى زمن سطر النشيد الأول ينطبق تماماً على معادلة ثلاثة أضعاف زمن التدوين نسبة لعدد مقاطع سطر النشيد المقابل.
- المقدمة والخاتمة الموسيقيتان لا يوجد ما يمكن أن يدل على الإيقاع الذي يفترض أن تسيرا عليه، لكن راوول فيتالي من دراسة المتتاليات في الخاتمة الموسيقية لاحظ أن كل منها يتألف من أربع درجات وهذا يتوافق أكثر مع إيقاع ثنائي لذلك اعتبر أن إيقاع الخاتمة الموسيقية هو ثنائي، وأيضاً باعتبار أن في المقدمة الموسيقية جمل موسيقية تشابه جمل موسيقية في الخاتمة اعتبر أن إيقاع المقدمة الموسيقية هو أيضاً إيقاع ثنائي، بينما إيقاع المقطع المغنّى هو إيقاع ثلاثي.
- أصبحت إذاً درجات المتتالية الموسيقية والزمن الذي يجب أن يستغرقه أداء كل متتالية معروفة، ولكن مازال غير معروف كيف يفترض أن يتم تقسم الزمن على درجات المتتالية، فأحياناً يمكن أن يكون متساوٍ إذا كان الزمن يساوي أو من مضاعفات عدد درجات المتتالية، وأحياناً هذا غير ممكن، لذلك قام راوول فيتالي بتوزيع الزمن على النغمات المختلفة بالطريقة الأكثر مناسبة للحس الموسيقي السليم معتبراً أن هذا الموضوع كان متروكاً لحسّ العازف، واعتمد في ذلك على مساعدة صديقه الموسيقار اللاذقاني المعروف محمود عجان.
- أصبح هناك إذاً ما يكفي لتقديم قراءة كاملة للتدوين الموسيقي على الرقيم H-6 والناتج كان له وقع موسيقي جميل جداً، وهذا هو التدوين الناتج:
في الواقع هناك من لم يقبل بهذه القراءة للتدوين الموسيقي فطريقة التدوين التي افترضها راوول فيتالي غير قادرة على تدوين كل الألحان الموسيقية، وهذا صحيح ولكن ليس هناك بالمقابل ما يشير بأن الألحان في أوغاريت في ذلك العصر كانت حرّة وغير مقيدة بقواعد، وهناك أيضاً قراءات أخرى للتدوين قدمها علماء مختلفون. لكن ما هو ثابت – حتى اليوم على الأقل – أن قراءة راوول فيتالي هي القراءة الوحيدة الكاملة والمفصلة والتي تقدم تفسيراً لكل الكلمات والأعداد الواردة في الرقيم H-6 وبشكل متوافق تماماً مع نص النشيد بدون وضع افتراضات معقدة لا تستند على أساس، والنتيجة الموسيقية جيدة جداً.
المصدر: wikipedia.org