اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أثبتت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي السابق خلال النصف الثاني من القرن العشرين أن السلاح النووي يشكل رادعًا معقولاً لكلا الطرفين عن الانخراط في حرب نووية، وسقفًا لا يمكن تجاوزه في صراعاتهما حول العالم دفاعًا عن مصالحهما، ذلك أنه وكما قال الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن «إن حربًا نووية لا يمكن ربحها، ويجب عدم خوضها». كذلك فقد خيضت كل الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، بأسلحة تقليدية، وتحوَّل السلاح النووي إلى اصطلاح سياسي يؤثِّر في نسج العلاقات الدولية وإضفاء قوة معنوية رادعة للدول التي تمتلكه، ويعزِّز مكانتها الإقليمية والدولية، ويحمي مصالحها وأهدافها الجيوستراتيجية. من هنا سعت الدول الكبرى التي ربحت الحرب العالمية الثانية (دول النادي النووي الخمس)، إلى منع انتشار هذا السلاح من خلال معاهدة عدم الانتشار (NPT)، والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وذلك عبر تدابير الوقاية والحماية ومراقبة البرامج النووية للدول التي تسعى إلى استخدام الطاقة النووية لأهداف سلمية، وبشكل صارم.
إلا أن بعض الدول خرق معاهدة عدم الانتشار، وتمكَّن من حيازة أسلحة نووية، كالهند والباكستان وكوريا الشمالية، وإسرائيل، وخضعت ردة الفعل الدولية على ذلك لاعتبارات سياسية تتعلَّق بمصالح الدول الكبرى، فغضّت الطرف عن بعضها، ووقفت بوجه بعضها الآخر، ما أكَّد وجهة النظر المزدوجة للدول الكبرى ومجلس الأمن حيال هذه القضايا، وبالتالي أظهر عدم موضوعية تطبيق المعاهدة بمنع الانتشار، وهذا ما حفّز إيران على تطوير برنامجها النووي لأهداف سلمية كما تقول. إلا أن سياسة الولايات المتحدة واستراتيجيتها حيال الانتشار النووي في العالم بشكل عام، والشرق الأوسط بشكل خاص، تقوم على ردة الفعل تجاه النوايا عند بعض الدول، خصوصًا تلك التي تعارض سياستها العالمية واستراتيجيتها للحفاظ على أمنها القومي. وإيران اليوم تعتبر «عدوة» لمصالح الولايات المتحدة، ونوويةً ستهدِّد مصالح الأمن الإستراتيجي المتمثِّل في الشرق الأوسط بما يعنيه هذا الاصطلاح ويحتويه من موارد الطاقة، ووجود إسرائيل كحليف إستراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه، كذلك وجود دول صديقة وحليفة على طول الخليج العربي وعرضه، وصولاً إلى بحر قزوين ودول آسيا الوسطى وأفغانستان، والعراق حيث الوجود الأميركي العملي المتمثِّل بقواتها البرية، وقواعدها في تركيا والمحيط الهندي وباكستان والجزيرة العربية وغيرها. إن سعي الولايات المتحدة اليوم لإجبار إيران على وقف برنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم ومنعها من حيازة سلاح نووي، من خلال دول الاتحاد الأوروبي وروسيا، أو مجلس الأمن، والتهديد باستخدام القوة أو العقوبات ضدها في حال عدم إذعانها «للإرادة الدولية»، أدى إلى ردة فعل إيرانية تهدِّد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة كلها، ومن ثم ضرب مصالحها عبر العالم، ما يؤشر إلى أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران سيؤدي حتمًا إلى تهديد السلام في منطقة الشرق الأوسط بكاملها، وربما في مختلف أنحاء العالم، حيث تنتشر مصالح للولايات المتحدة بأشكالها المختلفة.
كانت الولايات المتحدة الأميركية الدولة الأولى في العالم التي افتتحت العصر النووي مع نهاية الحرب العالمية الثانية حين قامت بأول تفجير نووي في صحراء «نيومكسيكو» في 16 تموز/يوليو 1945، وأتبعته بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان، في 6 و9 آب/أغسطس من العام نفسه، نتج عن فظاعة تدميرهما استسلام اليابان، وعن ترجيع صداها دوي هزّ دول العالم في سياساتها واستراتيجياتها، وهذا ما دفع الدول الكبرى إلى خوض سباق هائل للحصول على السلاح النووي. على خلفية الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب وتصاعده، تسارعت وتيرة هذا السباق في فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها، والاتحاد السوفياتي السابق وحلفائه. لقد حوَّلت الأسلحة النووية صراع الشرق والغرب إلى صراع يمسّ كل فرد في العالم المعاصر، وعاشت البشرية مأزقًا وجوديًا لأنها ستكون أولى ضحايا أي حرب تندلع. كما أدى سباق التسلح النووي إلى أزمة مستمرة في حياة دول الشرق والغرب، فالدول النووية وقعت أسيرة منطق هذا السباق الذي طوّر قوانينه الخاصة بمعزل عن إرادة الدول نفسها، والتي أضحت تدور في حلقة مفرغة، فكلما تم تطوير أسلحة جديدة وتضاعف عددها وحجمها إزداد شعور الدول النووية بعدم الأمان. وهذا الشعور المتزايد بالإحساس بالخطر كان بدوره ينمِّي سباق التسلح ويزيد من حاجة الدول إلى طلب المزيد من الأسلحة النووية الجديدة. وهكذا تحوَّل سباق التسلح إلى عنوان للعلاقات الدولية، ومؤشر لنمط سلوك الدول وتعاملها في ما بينها. وأصبح التسلح قرارًا لتأكيد حاجة، وتلبية لوظيفة، أو استجابة لتحدٍ، ولم يعد اصطلاحًا عسكريًا يعني تكديسًا لطائرات ومدافع ودبابات وأسلحة دمار شامل فحسب، بل تحوَّل إلى سياسة واستراتيجيا، وصار يحمل مضامين أمنية، ونمطًا للعلاقات، تسعى الدول وخصوصًا الكبرى منها لفرض سلطتها وهيبتها من خلال تحقيق سبق فيه مهما كلف الثمن.
في هذا الجو الواقع على حافة التفجر، واندلاع الحرب، قدَّمت الدول الكثير من إمكاناتها، وبدَّدت الكثير من ثرواتها القومية في سبيل التسلح، وانخرطت في سباق محموم للتسلح سعيًا وراء «هدف سام» هو تحقيق أمنها. وبذلك تحوَّل السباق إلى وحش يلتهم ما يجده أمامه من وفورات وإنجازات اقتصادية، وتقدم صناعي، وعلى حساب تنمية مجتمعات هذه الدول ورخاء شعوبها. كما أدَّت حمى هذا السباق والتنافس على تطوير الأسلحة إلى انعكاس في البنية الفكرية والعسكرية للدول نتج منها: أ - تطور الاستراتجيات العسكرية للدول.
ب - تأثر السياسات العامة للدول بالسياسات العسكرية.
ج - تأثر السياسات الخارجية والعلاقات الدولية بهذا التطور وانعكاس ذلك على التزام الأعراف والقوانين الدولية.
د - تطوُّر العقائد العسكرية للدول والكتل الدولية لتتماشى مع كل تطور تقني.
لقد دفع التنافس النووي ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، ورغبة كل منهما في إحراز قصب السباق، والتفوق في امتلاك النوع والكم الأفضل في مجال التسلح، دولاً أخرى إلى امتلاك أسلحة نووية خوفًا من تهديد كل من هاتين الدولتين غيرهما من الدول. ويرى روبرت مكنمارا (وزير دفاع أسبق للولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي) «أن تاريخ البرامج النووية في دول مثل الصين، والهند، وباكستان، وحتى فرنسا، جاء نتيجة التهديد النووي للدول غير النووية، بحيث أصبح دافعًا لها لامتلاك أسلحة نووية»
على الرغم من أن التسلح حق سيادي يكفله القانون الدولي والعلاقات الدولية، إلاَّ أن هناك ضوابط تعارفت عليها الدول في تعاملها مع هذا الموضوع، وظهرت إلى الوجود اصطلاحات لكل منها معناها المحدَّد، فهناك اصطلاح نزع السلاح (Disarmament)، ومراقبة التسلُّح (Arms Control)، وعدم الانتشار (Non proliferation)، والحد من التسلُّح (Arms Limitation)، وغيرها. وقد شكَّل موضوع نزع السلاح مجالاً واسعًا للجهود الدولية المتفق عليها للتخفيض والإلغاء النهائي لكل أشكال الحرب، وقد صار اليوم مبدأً أساسيًا من مبادئ القانون الدولي حيث تحدِّد شرعة الأمم المتحدة الطرق الواجب إتباعها لنزع السلاح، وذلك من خلال جهازين رئيسين من أجهزة المنظمة الدولية: الجمعية العامة ومجلس الأمن، كما تضم الأمم المتحدة لجنة تعرف باسم لجنة نزع السلاح (Disarmament Commission) تتألف من أعضاء الأمم المتحدة كافة.