English  

كتب previous persecutions

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الاضطهادات السابقة (معلومة)


منذ ظهورها وحتى تشريعها في حكم قسطنطين، كانت المسيحية ديانة غير شرعية في أعين الدولة الرومانية. وطوال القرنين الأولين من وجودها، لم تلقَ المسيحية ومعتنقوها قبولًا شعبيًا يُعتد به. كان المسيحيون دائمًا محط اشتباه، وأعضاء في «جمعية سرية» يتواصل أتباعها باستخدام شفرة خاصة، ويتجنبون الاختلاط مع المحيط العام. كان العداء الشعبي -غضب الجماهير- هو ما حرّض أول عمليات الاضطهاد، وليس الإجراءات الرسمية. في عام 112 تقريبًا، تلقى بلينيوس، وهو حاكم بيثينيا-بنطس، قوائم طويلة من الاتهامات الموجهة إلى المسيحيين من قبل مواطنين مجهولين نصحه الإمبراطور تراجان بتجاهلها. في ليون عام 177، كان تدخل السلطات المدنية هو وحده ما ردع مجموعة من الغوغاء الوثنيين عن إخراج المسيحيين من منازلهم وضربهم حتى الموت.

بالنسبة إلى أتباع المذاهب التقليدية، كان المسيحيون مخلوقات غريبة شاذة: ليسوا من الرومان تمامًا، لكنهم ليسوا بربريين تمامًا في الوقت نفسه، وقد شكلت ممارساتهم تهديدًا كبيرًا للعادات والتقاليد. نبذ المسيحيون المهرجانات العامة، ورفضوا المشاركة في عبادة الأباطرة، وتجنبوا المناصب العامة، وانتقدوا التقاليد العتيقة على الملأ. مزق اعتناق المسيحية لحمة الكثير من العائلات: روى القديس جاستن عن زوج وثني تبرأ من زوجته المسيحية، وتحدث ترتليان عن أولاد حُرموا من الميراث جزاء اعتناقهم المسيحية. كانت الديانة الرومانية التقليدية متغلغلة في نسيج المجتمع والدولة الرومانيين على نحو كبير، غير أن المسيحيين أبوا أن يطيعوا شعائرها. وفقًا لكلام تاسيتس، أظهر المسيحيون (odium generis humani) «بغضًا للبشرية». ساد اعتقاد بين الأشخاص الأكثر سذاجة أن المسيحيين كانوا يستخدمون السحر الأسود سعيًا منهم خلف أهداف ثورية، بالإضافة إلى ممارستهم سفاح القربى (زنا المحارم) وأكل لحوم البشر.

على الرغم من ذلك، طوال القرنين الأولين من العصر المسيحي، لم يصدر أي إمبراطور قوانين عامة ضد الديانة المسيحية أو كنيستها، وكانت أعمال الاضطهاد هذه تجري تحت سلطة مسؤولين حكوميين محليين. في بيثينيا-بونتوس عام 111، جرى الاضطهاد تحت سلطة الحاكم الإمبراطوري بلينيوس؛ وفي سميرنا عام 156 وفي سيلي قرب قرطاج عام 180،جرى تحت سلطة نائب القنصل؛ وفي ليون عام 177،جرى  تحت سلطة حاكم المقاطعة. عندما أعدم الإمبراطور نيرون مسيحيين زاعمًا تورطهم في حريق عام 64، كان ذلك شأنًا محليًا بالكامل، ولم ينتشر خارج خدود مدينة روما. كانت أعمال الاضطهاد المبكرة هذه عنيفة دون شك، بيد أنها كانت متقطعة وقصيرة ومحدودة الانتشار، وكان تهديدها للمسيحية بمجملها محدودًا. غير أن تقلب الإجراءات الرسمية في حد ذاته جعل تهديد عنف الدولة يخيم على مخيلة المسيحيين.

تغيّر نمط الإجراءات في القرن الثالث. أصبح الأباطرة أكثر نشاطًا وبدأ المسؤولون الحكوميون بمطاردة المسيحيين بشكل فعال عوضًا عن الاكتفاء بالاستجابة لإرادة الجماهير. تغيرت المسيحية هي الأخرى، فلم يعد معتنقوها «ذوي مراتب دنيا يثيرون السخط» فقط، إذ أصبح بعض المسيحيون أغنياء أو من الطبقات العليا. روى أوريجانوس، في نص كتبه في عام 248 تقريبًا، عن «الحشود التي تعتنق الدين، بمن فيهم رجال أغنياء وأشخاص في مناصب فخرية، وسيدات كريمات المحتد». ازداد حزم ردة الفعل الرسمية، ففي عام 202، وفقًا لما ورد في التاريخ الأوغسطي، وهي وثيقة تاريخية ذات موثوقية مشكوك فيها تعود إلى القرن الرابع، أصدر سيبتيموس سيفيروس (الذي حكم منذ عام 193 وحتى عام 211) قرارًا عامًا يحظر التحول إلى اليهودية والمسيحية. استهدف ماكسيمينوس ثراكس (الذي حكم منذ عام 235 وحتى عام 238) قادة مسيحيين. أعلن ديكيوس (الذي حكم منذ عام 249 وحتى عام 251)، سعيًا منه إلى إظهار المساندة للديانة، عن وجوب تقديم القرابين للآلهة من قِبل جميع سكان الإمبراطورية، بالإضافة إلى تناولهم من لحوم الأضاحي والإقرار بهذه الممارسات. أظهر المسيحيون عنادًا ورفضوا الإذعان. تعرض قادة كنسيون، مثل فابيان أسقف روما وبابولا أسقف أنطاكية، للاعتقال والمحاكمة والإعدام، إلى جانب بعض أعضاء الرعايا المسيحيين، مثل بيونيوس من سميرنا. عُذب اللاهوتي المسيحي أوريجانوس خلال عمليات الاضطهاد ومات نتيجة جراحه بعد عام من ذلك.

شكّل الاضطهاد الذي أشرف عليه ديكيوس ضربة قاصمة للكنيسة، فقمات حركة ردة جماعية في قرطاج، وأقدم الأسقف يوكتيمون في سميرنا على تقديم القرابين وشجع الآخرين أن يحذوا حذوه. ولأن الكنيسة كانت مدنية بالعموم، يُفترض أنه كان من السهل تحديد أفراد هيئة كهنوتها وعزلهم وتدميرهم، بيد أن ذلك لم يحدث. في يونيو عام 251، توفي ديكيوس في ساحة القتال، دون إتمام أعمال الاضطهاد التي بدأها. لم تُستأنف هذه العمليات إلا بعد مرور ست سنوات، ما سمح للكنيسة باستعادة بعض وظائفها. وصل فاليريان، صديق ديكيوس، إلى عرش الإمبراطورية في عام 253. ومع أنه اعتُبر أول الأمر «ودودًا بصورة استثنائية» تجاه المسيحيين، سرعان ما أظهر العكس بتصرفاته. في يوليو عام 257، أصدر مرسومًا اضطهاديًا جديدًا، إذ واجه المسيحيون النفي أو الحكم بالعمل في المناجم عقابًا على اعتناقهم الديانة المسيحية. وفي أغسطس عام 258، أصدر مرسومًا ثانيًا رفع فيه العقوبة إلى الحكم بالموت. توقف هذا الاضطهاد أيضًا في يونيو عام 260، حين تعرض فاليريان للأسر في أرض القتال. أنهى ابنُه، غالينوس (الذي حكم منذ عام 260 وحتى عام 268)، الاضطهاد ممهدًا بذلك لنحو 40 عامًا سادت فيها الحرية من العقوبات الرسمية، وأطلق يوسابيوس على تلك الفترة اسم «فترة السلام الصغيرة للكنيسة». لم يُعكر ذلك السلام، باستثناء عمليات اضطهاد عرضية منعزلة، حتى ارتقاء ديوكلتيانوس لعرش الإمبراطورية.

المصدر: wikipedia.org