اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا تزال اللغة السريانية حيّة بكافة لهجاتها وتشكل لغة مخاطبة في عدة مناطق انتشارها التاريخي، في العراق تعتبر السريانية ثالث لغة بعد العربية والكردية، وتنتشر اللهجة الشرقية بشكل أساسي بين ناطقيها مع وجود عدد من الاستثناءات،(9) ينص دستور العراق على اعتبار اللغة السريانية لغة رسمية في المناطق التي يشكل الناطقين بها كثافة سكانية، الأمر المطبق في محافظة نينوى التي تعتبر مركز الثقل الرئيسي للغة السريانية، وتعتبر لغة رسمية في أقضية الحمدانية وبخديدا وبرطلة وكرمليس وتلكيف والشيخان، إضافة إلى إلى قضاء سميل في محافظة دهوك وقضاء شقلاوة في محافظة أربيل، بينما تنتشر في عدد آخر من قرى شمال العراق وأقضيته وإنما دون الاعتراف بها كلغة رسمية، إلى جانب انتشارها بفعل الهجرة من الريف إلى المدينة في المدن الكبرى خصوصًا بغداد والبصرة. فضلاً عن ذلك تدرس اللغة السريانية في بعض المدارس الحكومية في بغداد وسهل نينوى وكذلك في محافظات دهوك وأربيل وكركوك إلى جانب العربية والكردية والإنجليزية.
في سوريا لا تزال اللغة السريانية حية خصوصًا في المحافظات الشمالية كحلب والحسكة، وتنتشر باللهجتين الشرقية والغربية، انعكاساً للتنوع الطائفي بين السريان، بحيث تنتشر اللهجة الشرقية بين أبناء كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية في حين تنتشر اللهجة الغربية بين أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية الكاثوليكية. يوجد أيضًا من يتحدث لهجة سريانية غريبة وأقرب إلى الآرامية التي تحدثها يسوع في منطقة معلولا شمال دمشق وثلاث قرى مجاورة ويبلغ عددهم حوالي 18,000 نسمة، وتسمى هذه اللهجة التي تستعمل الأبجدية السريانية باسم "اللهجة الآرامية السريانية". أسست الحكومة السورية معهدًا لتعليم اللغتين الآرامية والسريانية في معلولا، كذلك تعلم الطوائف المسيحية السريانية اللغة للإكليروس والمواطنين كلغة طقسية.
أما في تركيا بحدودها الحالية، فقد كانت السريانية منتشرة بكثافة فيها، خصوصًا في قسمها الجنوبي، إذ شكلت الرها ونصيبين، إلى جانب المدن التاريخية السريانية كماردين وآمد(10)، كما احتضنت المنطقة البطريركية السريانية الأرثوذكسية من القرن السادس وحتى أوائل القرن العشرين، حيث شهدت المنطقة سلسلة من المجازر قامت بها الدولة العثمانية بحق سريان تلك المناطق خلال الحرب العالمية الأولى، ما أدى في الوقت ذاته إلى نشوء حركة نزوح اتجاه سوريا والعراق، وقد أدت مجازر سيفو إلى مقتل أكثر من ربع مليون من المسيحيين التابعين للطوائف السريانية. أما في الوقت الراهن يقتصر وجود اللغة السريانية على عدد من القرى في طور عابدين، التي تتحدث بلهجة خاصة من السريانية الغربية تسمى بالطورويو نسبة إلى اسم المنطقة.
تنتشر السريانية كذلك في إيران في محافظة آذربیجان الغربیة بين أبناء كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، خصوصًا في مدينتي أرومية وسلماس، وكانت أقدم صحيفة باللغة السريانية عام 1847 قد صدرت من أرومية باسم زهريرا دباهر. وقد تقلص عدد الناطقين بالسريانية بسبب الهجرة في الوقت الحالي. كما إيران كذلك الحال في أرمينيا حيث لا تزال اللغة السريانية منطوقة في عدد من القرى قرب العاصمة يريفان، ويعود السبب الرئيس لتواجد السريان في أرمينيا إلى العلاقات القوية التاريخية بين الطرفين.
هناك دول أخرى لا تزال تحوي على عدد كبير من أتباع الطوائف السريانية، أبرزها الهند حيث على الرغم من تجاوز عدد أبناء هذه الكنائس 6 مليون نسمة، إلا أن اللغة بحد ذاتها تقتصر على نخبة من الإكليروس، ولبنان حيث تعلم السريانية في المدارس اللاهوتية للإكليروس، وهناك عدد من المحاولات الأخرى لإحيائها بين العموم، إلى جانب كونها منطوقة من قبل المهاجرين السريان العراقيين في أعقاب عام 2003.
شهدت نهاية القرن التاسع عشر حركة هجرة كثيفة من الشرق الأوسط تجاه أوروبا وقارتي أمريكا الشمالية والجنوبية، عملية الهجرة كانت أكثر كثافة لدى المسيحيين من المسملين المشرقيين، أسباب الهجرة يمكن حصرها بانهيار الاقتصاد في الدولة العثمانية وارتفاع معدل الضرائب، واشتدت وطأة الهجرة في أعقاب المجازر الحميدية ومذابح سيفو خلال الحرب العالمية الأولى. برز في المغترب عدد كبير من مثقفي الناطقي في السريانية، لعل أشهرهم نعوم فايق الذي أسس عدة جرائد ومجلات سريانية في الولايات المتحدة وأوروبا منها جريدة حويودو، ܚܘܝܕܐ التي لا تزال تصدر حتى اليوم في السويد. الموجة الثانية في الهجرة، بدأت في ستينات القرن العشرين لأسباب اقتصادية، وخاصة إلى السويد وألمانيا، تلتها موجات هجرة بسبب الحروب المتواصلة بين العراق وإيران، إضافة إلى ذلك أدت حرب الخليج الثانية واحتلال العراق إلى هجرة مئات الألاف من الناطقين بالسريانية إلى دول أخرى الأردن وسوريا ولبنان.
تنتشر السريانية حالياً بلهجتها الشرقية والغربية في أوروبا، بشكل خاص في السويد حيث تأسست هناك صحافة ومحطات إذاعية وتلفزة ناطقة بالسريانية. وأبدت الحكومة السويدية دعمًا خاصًا لتشجيع تعلم اللغة السريانية والحفاظ عليها. كما تتواجد أعداد كبيرة نسبياً من الناطقين بالسريانية في ألمانيا وهولندا.
في الولايات المتحدة يبلغ عدد أتباع الكنائس السريانية بحوالي النصف مليون وينتشرون بكثافة في ديترويت ضمن ولاية ميشيغان كما يشكلون نسبة كبيرة نسبياً في تورلوك حيث توجد هناك قناة تلفازية ومحطات راديو ناطقة بالسريانية، وبالرغم من هذا فإن عدد المتحدثين بالسريانية كلغة أم في الإحصاءت الرسمية لا يتعدى 50,000 نسمة.
في النصف الثاني من القرن العشرين وصلت اللغة السريانية كلغة ليتورجية للصلاة إلى عدد من بلدان الخليج العربي مع وصول العمالة الهندية للمنطقة (خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة )، حيث أسس هناك أبناء الكنائس السريانية الهندية عدة رعاية انتظمت بعضها بأبرشيات يرأسها أسقف بينما ارتبطت أخرى بالكرسي البطريركي الذي تعتبره مرجعية لها.