اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد فرضها سيطرتها على كامل البلاد الروسيَّة والقسم الشرقي من بولونيا وعلى سواحل البحر الأسود، حاولت كاترين الثانية صبغ الإمبراطوريَّة بِلونٍ ثقافيٍّ مُوحَّد، فكان عليها أن تحتك بِحوالي مليون يهودي مُقيمين في هذه المناطق، نظرًا لِأنَّ اليهود كانوا يعيشون في مُجتمعاتٍ شبه مُنغلقة ويتبعون أساليب حياةٍ مُختلفة عن أساليب حياة الروس المسيحيين، فكانت خلفيتهم الثقافيَّة وديانتهم وعاداتهم وتقاليدهم مُختلفة عن خلفيَّة سائر الشعب. وتخوَّفت كاترين وحاشيتها من هجرة اليهود من المناطق التي يقطنوها بعد أن ضُمَّت إلى روسيا إلى المناطق الوُسطى من الإمبراطوريَّة ذات الغالبيَّة المسيحيَّة، فيكون من نتيجة ذلك ولادة بعض المشاكل الطائفيَّة، كما رغبت بربطهم بالأراضي التي يسكنوها لِتسهيل جباية الضرائب المُتوجبة على تلك الأراضي منهم. بناءً على هذا، أصدرت كاترين الثانية أمرًا بِإنشاء إقليمًا خاصًا لِسُكنى اليهود سنة 1791م، بحيثُ لا يُسمح لهم بِمُغادرته والسكن خارجه إلَّا لو تنصروا واعتنقوا المذهب الأرثوذكسي، وضمَّ ذلك الإقليم جميع المُقاطعات البولونيَّة التي كان يسكُنها اليهود قبل ضمِّها إلى روسيا، إلى جانب مناطق السُهوب القريبة من سواحل البحر الأسود، وبعض المناطق قليلة السُكَّان الواقعة شرق نهر الطونة (الدانوب). على الرُغم من أنَّ هذه الخُطوة هدفت كاترين من وراءها إلى صيانة القوميَّة الروسيَّة والحفاظ عليها وتحديد معالمها ومنع دُخول أيَّة تأثيرات أجنبيَّة عليها، إلَّا أنها ساهمت بِنُشوء وتطوير القوميَّة والهويَّة اليهوديَّة في روسيا، بعد أن حصرت اليهود كُلهم في منطقةٍ واحدة وعاملتهم على أُسسٍ عُنصريَّة تُميِّزهم عن سائر مُكوِّنات الشعب.
خِلال الفترة المُمتدة بين سنتيّ 1762 و1764م، أصدرت كاترين الثانية بيانًا رسميًا ينص على السماح لِجميع الأجانب القادمين إلى روسيا بالاستقرار في أي منطقةٍ أو حاكميَّةٍ يرغبون بها، كما أصدرت بيانًا آخر ينص على منح المُستوطنين الجُدد بضع امتيازاتٍ لِتشجيعهم على الاستقرار في البلاد. اجتذبت تلك البيانات بعض الألمان، فحدثت موجة هجرة كبيرة من ألمانيا باتجاه روسيا استقرَّ على أثرها عددٌ كبير من الألمان في حوض نهر الڤولغا، لِيُعرف أهالي تلك المنطقة مُنذ ذلك الحين بـ«ألمان الڤولغا». كان وُفود المُستوطنين الألمان على روسيا كبيرًا جدًا بحيثُ اضطرَّت كاترين بِحُلول سنة 1766م إلى إيقاف تلك الهجرات لِفترةٍ من وقت لِتنظيم أوضاع المُستوطنين السابقين أولًا. بلغ عدد المُستوطنات الألمانيَّة التي أُنشئت في حوض الڤولغا 12 مُستوطنة سنة 1765م، وارتفعت إلى 21 مُستوطنة سنة 1766م، ثُمَّ إلى 67 مُستوطنة سنة 1767م، و105 مُستوطنات سنة 1769م. ووفق الإحصاء الحُكومي الذي أُجري في تلك السنة، بلغ عدد المُستوطنين الألمان في حوض الڤولغا 23 ألف نسمة مُوزعين على 6500 عائلة، وقد قُدِّر لِهذه الفئة الجديدة من الشعب الروسي أن يكون لها دورًا فاعلًا في مُستقبل الإمبراطوريَّة.
وصل عدد السُكَّان الذين دخلوا في تبعيَّة الإمبراطوريَّة الروسيَّة خِلال عهد كاترين الثانية إلى حوالي 7 ملايين نسمة، نتيجة سيطرة الروس على سواحل البحر الأسود وحوض بحر آزوڤ والقرم وقسمٌ من بولونيا، وهذه كُلَّها بلادٌ وفيرة الخيرات والسُكَّان. نتيجةً هذا التنوُّع العرقي، كتب المُؤرِّخ الروسي ڤاسيلي كليوچڤسكي يقول أنَّ ذلك العهد شهد صراعًا حدًا على المصالح بين مُختلف الشُعُوب القاطنة في الإمبراطوريَّة، كما شهد تمييزًا بِحق بعض تلك الشُعُوب. من الأمثلة على ذلك أن فُرضت ضرائب وتقسيمات إداريَّة مُختلفة على كُل شعبٍ على حدى، فعلى سبيل المِثال كان الألمان معفيُّون من جميع الضرائب ومسموحٌ لهم الإقامة في أي منطقة من مناطق الإمبراطوريَّة، بينما حُددت لِليهود منطقة يُقيمون بها كما أُسلف، كما كان البولونيون معفيُّون بدايةً من الضريبة المفروضة على رؤوس أموالهم، ثُمَّ أُعيد فرضها عليهم بِنسبةٍ وصلت إلى حوالي نصف ما يملكونه من رؤوس الأموال. أدَّت هذه السياسة التي انتهجتها الإمبراطوريَّة إلى قيام عدَّة نزاعات عرقيَّة لاحقًا بين الألمان والبولونيين واليهود والروس في حوض الڤولغا.