English  

كتب political framework

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الإطار السياسي (معلومة)


لما قام بنو العباس بطلب الخلافة أيدهم الفرس ونصروا دعوتهم، وسلموا إليهم أزِمَّة الخلافة بقيادة أبي مسلم الخرساني، فأصبح الفرس أصحاب الدولة وحُماتها، واستأثروا بشؤون الخلافة، وأوصى الخلفاء بإكرامهم، وخير دليل على ذلك وصية الخليفة المنصور لابنه المهدي لما قال: «وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل، وأوصيك بأهل خراسان خيرا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل»، وترقى الفرس إلى أعلى المناصب والمراتب عند العباسيين في أيام البرامكة، حيث تولوا الوزارة التي كانت تعد من أعلى المناصب. وأول من اتصل بالعباسيين من البرامكة هو خالد بن برمك، الذي نبغت الدولة البرمكية في أيامه، وامتدت إلى أن انقضت في أيام الرشيد.

خالد بن برمك

كان خالد بن برمك من رجال الدولة العباسية الأقوياء، وكان رجلًا فاضلًا جليلًا كريمًا حازمًا يقظًا، لمع اسمه عندما أظهر بسالةً وبراعةً حربيةً في قيادته لبعض الجيوش الخراسانية تحت لواء القائد أبو مسلم الخراساني، ونظّم الخراج وتقلد الغنائم وقسمها في جيش قحطبة بن شبيب قائد أبي مسلم. وأُرسل مع المسي بن زهير إلى دير قنى لإدارة الإقليم، ثم أمره الخليفة العباسي الأول أبو العباس السفاح على ما كان يتقلد من الغنائم، وجعل إليه بعد ذلك ديوان الخراج وديوان الجند.

بعد مقتل حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال الملقب بوزير آل محمد، استوزر السفاح خالد بن برمك، وقد حل محل الوزير، وبذلك يكون خالد جد البرامكة أول من وُزِّر من آل برمك، وكان له شقيقان: الحسن وسليمان من أبناء برمك، ولم يرد لهما ذكر في كتب التاريخ. اتصلت وزارة خالد في عهد المنصور، حيث ولاه على الري وطبرستان ودنباوند، فأقام بها سبع سنين، وكان من مقام خالد بطبرستان إخماد نيران ثورة كبيرة فيها، وذُكر أن أهل طبرستان بعد هذا الانتصار نقشوا على دروعهم صورة خالد وسلاحه. ثم ولاه المنصور الموصل، بعد أن أشار عليه بذلك المسيب بن زهير، فأحسن خالد إلى الناس، وهابه أهل البلد هيبة شديدة مع إحسانه إليهم، وذكر أحمد بن محمد بن سوار الموصلي أنه قال: ما هبنا قط أميرًا هيبتنا خالد بن برمك، من غير أن تشتد عقوبته ولا نرى فيه جبرية، ولكن هيبة كانت له في صدورنا.

كان لخالد البرمكي اليد العظمى على المنصور في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، ونقل البيعة إلى المهدي بن منصور، فعندما عجز المنصور عام 147 هـ عن تنحية عيسى من ولاية العهد لمبايعة ابنه المهدي وجعله ولي العهد من بعده، استعان المنصور بخالد لإقناع عيسى بالموافقة على البيعة. فقد حدث الطبري: «أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، ويقدم المهدي عليه، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وأعيا الأمر أبا جعفر فيه، فبعث إلى خالد بن برمك فقال له: كلمه يا خالد، فقد ترى امتناعه من البيعة للمهدي، وما قد تقدمنا به في أمره، فهل عندك حيلة فيه فقد أعيتنا وجوه الحيل، وضل عنا الرأي، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، تضم إلي ثلاثين رجلا من كبار الشيعة ممن تختاره، قال: فركب خالد بن برمك وركبوا معه، فساروا إلى عيسى بن موسى، فأبلغوه رسالة أبي جعفر المنصور، فقال: ما كنت لأخلع نفسي، وقد جعل الله عز وجل الأمر لي، فأداره خالد بكل وجه من وجوه الحذر والطمع، فأبى عليه فخرج خالد عنه، وخرجت الشيعة بعده، فقال لهم خالد: ما عندكم في أمره، قالوا: نبلغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره بما كان منا ومنه، قال: لا، ولكنا نخبر أمير المؤمنين، أنه قد أجاب ونشهد عليه إن أنكره، قالوا له: إفعل فإنا نفعل، فقال لهم: هذا هو الصواب، وأبلغ أمير المؤمنين فيما حاول وأراد، فساروا إلى أبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنه قد أجاب، فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدي، وكتب بذلك إلى الآفاق، قال: وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبر أبا جعفر منكرًا لما ادعي عليه من الإجابة إلى تقديم المهدي على نفسه، وذكره الله فيما قد هم به، فدعاهم أبو جعفر فسألهم، فقالوا: نشهد عليه أنه قد أجاب، وليس له أن يرجع، فأمضى أبو جعفر الأمر وشكر لخالد ما كان منه، وكان المهدي يعرف ذلك له ويصف جزالة الرأي منه فيه».

وقد أبلى خالد بلاءً حسنًا وهو في شيخوخته حين استولى في سنة 163 هـ على سالموا، وهو أحد حصون الروم، إذ أرسله المهدي مع الرشيد حين وجهه لغزو الروم. يقول الطبري: «وجه المهدي خالد بن برمك مع الرشيد، وهو ولي العهد حين وجهه لغزو الروم، وتوجه معه الحسن وسليمان ابنا برمك، ووجه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يحيى بن خالد، وكان أمر هارون كله إليه، وصير الربيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهدي، وكان الذي بين الربيع ويحيى على حسب ذلك، وكان يشاورهما، ويعمل برأيهما، ففتح الله عليهم فتوحا كثيرة، وأبلاهم في ذلك الوجه بلاءً جميلا، وكان لخالد في ذلك بسمالو أثر جميل لم يكن لأحد ، وكان منجمهم يسمى البرمكي تبركا به، ونظرًا إليه». توفي خالد في سنة 163 هـ، عن خمس وسبعين سنة.

يحيى بن خالد

بعد وفاة خالد بن برمك ظهر ابنه يحيى الذي كان سديدًا صائب الآراء حسن التدبير، ضابطًا لما تحت يده، قويًا على الأمور. قربه الخليفة المهدي إليه، وأصبحت العلاقة وثيقة بينهما بدليل أنه حين ولد الفضل بن يحيى في سنة 147 هـ قبل ولادة الخيزران للرشيد بسبعة أيام، أرضعت الخيزران الفضل من لبان ابنها، فكان الفضل بن يحيى أخًا للرشيد من الرضاع. وفي ذلك يقول الشاعر:

في السنة الثالثة من خلافة المهدي أي في سنة 161 هـ عهد إلى يحيى البرمكي تربية ابنه هارون وتأديبه، وفي السنة 163 هـ ولَّى ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل يحيى على ديوان رسائله. بعد وفاة المهدي تولى الخلافة ابنه الهادي، فأبقى يحيى على وظائفه السابقة، وخلال مدة قصيرة في حوالي السنة، حاول الهادي نقل ولاية الرشيد إلى ابنه جعفر لتبقى الخلافة في نسله، وتبعه في ذلك عدد من قواد الدولة العباسية منهم يزيد بن مزيد وعبد الملك بن مالك وعلي بن عيسى، فخلعوا هارون وبايعوا جعفر بن موسى، ولكن يحيى لم يرضَ بهذه المبايعة، وبقي على إخلاصه للرشيد وثبت في المحافظة على حقه في ولاية العهد، ولم يكتفِ بذلك، بل حرض الرشيد على عدم التنازل عن حقه، فأخبر بعضهم الهادي بأنه ليس عليك من هارون خلاف وإن من يفسده يحيى بن خالد، فقالوا: ابعث إلى يحيى وهدده بالقتل وارمه بالكفر، فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد. ذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى بن خالد حدثه قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلا، فأيس من نفسه وودع أهله، وتحنط وجدد ثيابه، ولم يشك أنه يقتله، فلما أدخل عليه قال: يا يحيى ما لي ولك، قال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته، قال: فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي، قال: يا أمير المؤمنين من أنا حتى أدخل بينكما، إنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به ثم أمرتني بذلك، فانتهيت إلى أمرك، قال: فما الذي صنع هارون، قال: ما صنع شيئًا، ولا ذلك فيه ولا عنده، قال: فسكن غضبه، وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع، فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي، وكان هارون يجد بأم جعفر وجدا شديدا، فقال له يحيى: وأين هذا من الخلافة ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع، ومنعه من الإجابة. وكان الهادي قد حدث يحيى في خلع هارون وإحلاله ابنه جعفر، وقد حادث يحيى للهادي في خلع الرشيد لما كلمه فيه: يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك بايعت لجعفر من بعده، كان ذلك أوكد لبيعته، فقال: صدقت ونصحت.

غير أن الهادي لم يقبل بهذه النصيحة ورجع إلى فكرة تنحية أخيه عن ولاية العهد والمبايعة لابنه جعفر، فأحضر يحيى البرمكي وحبسه وعزم على قتله، يقول اليعقوبي: أن موسى الهادي أخذ يحيى بن برمك وأشرف عليه بالقتل عدة مرات، وحكي أن موسى الهادي كان قد طالب أخاه هارون أن يخلع نفسه من العهد، ليصيره لابنه من بعده، ويخرج هارون من الأمر فلم يجب إلى ذلك، وأحضر يحيى بن خالد البرمكي، ولطف به وداراه ووعده ومناه وسأله أن يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك ودافعه مدة، فتهدده وتوعده، وجرت بينهما في ذلك خطوب طويلة، وأشفى يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه، إلى أن اعتل الهادي علته التي مات منها، واشتدت به، فدعا يحيى وقال له: ليس ينفعني معك شيء، وقد أفسدت أخي علي، وقويت نفسه حتى امتنع مما أريده، ووالله لأقتلنك، ثم دعا بالسيف والنطع وأبرك يحيى ليضرب عنقه، فقال إبراهيم بن ذكوان الحراني: يا أمير المؤمنين إن ليحيى عندي يدًا، أريد أن أكافئه عليها، فأحب أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد تفعل به ما تحب، فقال له: ما فائدة ليلة، فقال: إما أن يقود صاحبه إلى إرادتك يا أمير المؤمنين، أو يعهد في أمر نفسه وولده، فأجابه، قال يحيى: فأُقمت من النطع، وقد أيقنت بالموت، وأيقنت أنه لم يبق من أجلي إلا بقية الليلة، فما اكتحلت عيناي بغمض إلى السحر، ثم سمعت صوت القفل يفتح علي، فلم أشك أن الهادي قد استدعاني للقتل، لما انصرف كاتبه، وانقضت الليلة، وإذا بخادم قد دخل إلي، وقال: أجب السيدة، فقلت: ما لي وللسيدة، فقال: قم، فقمت وجئت إلى الخيزران فقالت: إن موسى قد مات، ونحن نساء فادخل، فأصلح شأنه، وأنفذ إلى هارون فجئ به، فأدخلت، فإذا به ميتًا، فحمدت الله تعالى على لطيف صنعه، وتفريج ما كنت فيه، وبادرت إلى هارون، فوجدته نائمًا فأيقظته، فلما رآني عجب وقال: ويحك ما الخبر، قلت: قم يا أمير المؤمنين إلى دار الخلافة، فقال: أو قد مات موسى؟ قلت: نعم، فقال: الحمد لله، هاتوا ثيابي. فإلى أن لبسها، جاءني من عرفني أنه ولد له ولد من مراجل، ولم يكن عرف الخبر، فسماه عبد الله، وهو المأمون وركب وأنا معه، إلى دار الخلافة. في نفس سنة توليت الرشيد مقاليد الحكم، ولُّى يحيى بن خالد الوزارة وقال له: «قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم فيها بما ترى، واعزل من رأيت، واستعمل من رأيت، ودفع إليه خاتمه»، فقال إبراهيم الموصلي في ذلك:

في سنة 178 هـ فوض الرشيد إلى يحيى البرمكي جميع أموره يفعل ما يريد، كل الأمور بيده، يعين ويعزل، ويجمع ويفرق كما يشاء. وبذلك أصبح الوزير يحيى وكأنه الحاكم الفعلي الذي يتمتع بصلاحيات مطلقة، فقام بإدارة أمور الحكم وسد الثغور وجبي الأموال، فعظم شأنه وعُمل برأيه. لكن على الرغم من المنزلة العظيمة التي وصل إليها يحيى، إلا أنه لم يكن المشرف الوحيد على إدارة شؤون الدولة باعتباره وزيرًا، وذلك لأن الرشيد خلال السنوات الأولى من حكمه ترك ممارسة السلطة لأمه ولوصيه، إذ كان على يحيى أن يعرض شؤون الرعية على الخيزران أم الخليفة. في بداية وزارة يحيى كان يمتلك إدارة الدواوين كلها سوى ديوان الخاتم، فقد كان الختم موكلًا إلى جعفر بن محمد الأشعث، ثم في بداية سنة 171 هـ أخذه الرشيد ودفعه إلى أبي العباس بن سليمان الطوسي، ثم لم يلبث أبو العباس يسيرًا حتى توفي فعادت هذه الوظيفة إلى يحيى بن خالد الذي جمع الوزارتين. كانت الكتب التي تنفذ من ديوان الخراج تؤرخ باسم يحيى بن خالد. منذ أن تقلد يحيى بن خالد الوزارة ظهر ما سمي بدولة بني برمك، فقد قال ابن الطقطقي: «اعلم أن هذه الدولة كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجاً على مفرق العصر. ضربت بمكارمها الأمثال، وشدت إليها الرحال، ونيطت بها الآمال. وبذلت لها الدنيا أفلاذ أكبادها، ومنحتها أوفر إسعادها. فكان يحيى وبنوه كالنجوم زاهرة، والبحور زاخرة، والسيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق الآداب عندهم نافقة، ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية. والدنيا في أيامهم عامرة. وأبهة المملكة ظاهرة، وهم ملجأ اللهف، ومعتصم الطريد».

مكث يحيى في الحكم مدة سبع عشرة سنة، يعاونه في تصريف شؤون الخلافة أبنائه الأربعة: الفضل وجعفر ومحمد وموسى. وقد وصفهم إبراهيم الموصلي بقوله: «أما الفضل فيرضيك بفعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل حسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد». لم يُقدر لولدي يحيى: محمد وموسى أن يلعبا دورًا مهمًا، حيث كان موسى قائدًا عسكريًا مشهورًا بشجاعته، وقد تبوأ ابناه الآخران: الفضل وجعفر أعلى المناصب وأعظمها، إذ ولَّى الرشيد جعفر المغرب كله من الأنبار إلى أفريقيا، وذلك سنة 176 هـ، وقلَّد الفضل المشرق كله من النهروان إلى أقصى بلاد الترك، كما لوحظ أن لقب الوزير الذي كان يعني يحيى كان ينطبق أيضًا على الفضل وجعفر.

الفضل بن يحيى

في عام 176 هـ ولِّي الفضل بن يحيى الأرض العباسية من النهر إلى أقصى بلاد الترك، وكان ذلك عندما ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في الدليم، وكثر أنصاره واشتدت شوكته، فاغتم الرشيد لذلك ووجه الفضل في خمسين ألفًا من جنوده، وتمكن الفضل من إخماد الثورة باللين دون سفك الدماء، بعد أن أقنع يحيى بقبول الصلح، ووضع له أمانًا من قبل الرشيد، كتبه الرشيد بخطه وبشهادة القضاة والفقهاء، فسلم يحيى نفسه وحمله الفضل إلى الرشيد.

اختلفت الروايات في مصير يحيى البرمكي؛ فمنهم من قال بأن الرشيد حبسه في السجن حتى مات، ومنهم من قال إشه حبسه تحت إشراف البرامكة فأطلقوا سراحه دون استئذان الرشيد، ولكن الرشيد ما إن حبس يحيى حتى استقبل ابنه الفضل في بغداد وأكرمه إكرامًا عظيمًا. وقد تميز الفضل بأخلاق جدية صارمة، في سنة 177 هـ سُمي الفضل واليًا على خرسان، فلما صار إليها أزال سيرة الجور وبنى الحياض والمساجد، وأحرق دفاتر البغايا، وزاد الجند والقادة ووصل الزوار والكتاب، فحسنت سيرته، وأمر بهدم النوبهار فلم يقدر عليه لإحكام بنائه، فهدم منه قطعة وبنى فيها مسجدًا، وفي خراسان جند الفضل جيشًا من العجم وأطلق عليهم اسم العباسية بلغ عدده خمسمائة ألف رجل، أرسل عشرين ألفًا منهم إلى بغداد وظل الباقون في خرسان. ولمَّا خالف أهل الطالقان افتتح الفضل بلادهم، وزحف صاحب الترك في جيش كبير ولقي عسكر الفضل والتحمت بينهما الحرب، واستباح الفضل عسكر الطالقان، وغنم أمواله. وقد كلف الفضل إبراهيم بن جبريل بفتح بلاد كابل، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة، وقاد حملة ضد مملكة أشروسنة وكانت المملكة ممتنعة. غير أن الفضل لم يكتب له النصر في حروبه في أرمينية، فقد ذكر اليعقوبي: «أنه لما ولّى الرشيدُ الفضلَ بن يحيى بن خالد البرمكي أرمينية، سار إليها بنفسه، فلما قدم توجه إلى ناحية الباب والأبواب، فغزا قلعة حمزين، فهزمه أهل حمزين، فانصر ما يلوي على شيء حتى أتى العراق واستخلف على البلد عمر بن أيوب الكناني».

كان الرشيد قد جعل ولده محمدًا في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختص كل واحد منهما بمن في حجره، لذلك كان للفضل الدور البارز في أخذ البيعة لمحمد بن الرشيد، إذ أنه لما صار إلى خرسان فرق بين سكانها الأموال وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له وسمَّاه الأمين. ولما انصرف الفضل من خرسان إلى العراق في آخر سنة 179 هـ، استقبله الرشيد استقبالًا حافلًا، وقال الطبري: «لما قدم الفضل بن يحيى من خرسان خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بالألف ألف وبالخمسمئة ألف». وأحب الرشيد تقليد جعفر الخاتم، وكان إلى الفضل، ورغبة منه في عدم إعطاء قراره هذا طابع العزل، وجد الصيغة المناسبة لإعلان هذا الحدث، وأرسل إلى يحيى البرمكي: «إن أمير المؤمنين رأى أن ينقل خاتم الخلافة من يمينك إلى شمالك». وصرف الرشيد الفضل بن يحيى عن الأعمال التي كان يتقلدها أولًا، ثم ظهر من الرشيد في سنة 183 هـ سخط على الفضل بن يحيى، ونزع منه كل وظائفه، وبقي فقط وصيّاً على ولي العهد محمد الأمين، وهي الوظيفة التي حصل عليها قبل أن يذهب إلى الري.

جعفر بن يحيى

بينما كان يحيى البرمكي يميل إلى الفضل، كان الرشيد يميل إلى جعفر. كان جعفر سمح الأخلاق طلق الوجه، ظاهر البشر، وهذه الصفات قربته من الرشيد فآنس به أكثر من أنسه بأخيه الفضل، ولم يكن له صبر عنه، فأنزله بالخلد بالقرب من قصره. وتباعد ما بين الفضل وجعفر، لأن الفضل كان يلتمس من جعفر أن يعطيه بعد اختصاص الرشيد إياه من نفسه مثل ما كان يعطيه قبل ذلك، وقد ساعد الرشيد جعفر في مهماته المختلفة، وكثيرًا ما كان الرشيد يقول ليحيى: «أنت للفضل وأنا لجعفر». كان جعفر متمكنًا عند الرشيد غالبًا على أمره واصلا منه، وبلغ علو المرتبة عنده مالم يبلغ سواه، حتى أن الرشيد اتخذ ثوبًا له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، وذكر المقدسي أن هارون كان مختصًا بجعفر بن يحيى بن برمك حتى أمر فخيط له قميص ذو جيبين، يلبسه هارون وجعفر لثقة به واختصاصه به. وروى الجهشياري أن الرشيد كان يسمي جعفرًا أخي، ويدخله معه في ثوبه، وقلده بريد الآفاق ودور الضرب والطرز في جميع الكور، كما أشركه معه في النظر في المظالم.

في سنة 176 هـ كثر تظلم أهل مصر من موسى بن عيسى، فولى الرشيد جعفر بن يحيى على مصر. وعندما هاجت العصبية بالشام في سنة 180 هـ وزاد خطرها غضب الرشيد لذلك وعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر بل أقيك نفسي، فقصد جعفر الشام وأصلح بينهم وأخمد الثورة. ولما نجح جعفر في إطفاء نيران الفتنة، ولى جعفر صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشام عيسى بن العكي وانصرف، فازداد الرشيد له كرمًا. وفي نفس السنة ولى الرشيد جعفر بن يحيى على خرسان وسجستان. في سنة 182 هـ تمكن جعفر من الحصول على وصاية عبد الله المأمون بعد أن أخذت البيعة له كولي للعهد بعد الأمين. في عهد جعفر اشتدت قبضة البرامكة على أمور الحكم، وبلغت سلطتهم حدًا كبيرًا، فثقة هارون الرشيد الكبيرة بجعفر جعلت له مكانة مرموقة وسلطة واسعة في الدولة، وأصبحت كلمته هي الكلمة النافذة، إذ لم يكن أحد يجسر على أن يرد عليه قولًا ورأيًا. ولم يزل البرامكة في عز وجاه وسلطان وفي ذروة المكانة عند الرشيد حتى قيل: «إن أيامهم عرس وسرور دائم لا يزول».

المصدر: wikipedia.org