اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأت شركة الهند الشرقية تنفيذ تلك السياسة، وبدأت صيحات الاستغاثة الكاذبة، وردد المندوبون والمقيمون التابعون لها في الخليج تلك الصيحات بهمة ونشاط، وسارعوا في تثبيت «الأكذوبة الكبرى» ليجدوا مبرراً لاستخدام قواتهم البحرية وسفنهم الحربية «لحماية» تجارتهم. وسنرى فيما يلي أن جميع الأحداث التي نسبوها للقواسم على أنها أعمال «قرصنة» يمكن إثبات أن القواسم لم يكن لهم دخل فيها، أو إذا كان لهم دخل، فهم إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد القرصنة البريطانية. و أول حادثة وصفت بأنها «قرصنة» من القواسم رواها لوريمر فقال أن القواسم استولوا على سفينة تابعة لشركة الهند الشرقية سنة 1778م، لكن لم يوفي الإدّعاء حقه قال أنهم باعوا طاقم السفينة وجميع ركابها عبيداً أرقّاء. لكن تبيّن من المراسلات التي جرت بين «جون بومونت» John Beaumont المقيم البريطاني في بوشهر عندئذ وبين الشيخ راشد حاكم جلفار (رأس الخيمة) التي كانت قاعدة للقواسم أنه وإن كان صحيحاً أن القواسم استولوا على السفينة إلّا أن الظروف برّرت عملهم هذا. وقد شرح الشيخ راشد ما حدث فقال: «إن أسطوله عندما التقى مصادفة بالسفينة المأخوذة رفعت علم إمام مسقط الذي كنّا في حرب معه فهاجمناها، وحينما صعدنا إلى ظهرها وصارت في حوزتنا إلى حد ما أنزل طاقمها علم الإمام ورفعوا العلم الإنجليزي ». إذن فقد استولى القواسم على سفينة ترفع علم عدو لهم كانوا في حالة حرب معه. وقد تحدثت مراسلات «بومونت» عن دفع أموال للشيخ راشد لإخلاء سبيل السفينة، لكنا لا ندري إن كان قد أخلى سبيلها أم لا.
ومن المؤكد أنه لم يرد ذكر بيع ركاب السفينة وطاقمها عبيداً، ويبدو أن هذا لم يكن سوى ضرب من خيال لوريمر بعد مرور 128 سنة على حادثة السفينة.
و التهمة نفسها يردّدها «كيلي» ولكن مع فارق، حيث ذكر أنه حدث في ديسمبر سنة 1778م أن سفينة كبيرة تحمل رسائل الشركة اشتبكت في معركة متواصلة لمدة ثلاثة أيام مع ستة مراكب من جلفار (رأس الخيمة) قبل أن يتم الاستيلاء عليها وتحتجز حتى تدفع 4000 روبية، فدية لإطلاق سراحها، و اوضح أن «كيلى» عدل عن فكرة ترديد التهمة الباطلة ببيع ركاب السفينة وطاقمها عبيداً، لكنه أضاف إشاعة أخرى، مؤملاً بلا شك أن يساعد تراكم الاتهامات على إثبات صحة إحداها على الأقل، فقال: «في يناير سنة 1779م بينما كانت السفينة ساكسيس Success تسير في طريقها من البصرة إلى مسقط هاجمها ما بين ثمانية وعشرة من مراكب خشبية لكنها صدتها جميعاً، وبعد ذلك بشهر صدت السفينة اسستانس سنو Assistance Snow هجوماً للقواسم عليها وهي تسير في الخليج».
وضع «جون بومونت» المقيم البريطاني في بوشهر الحادثة كلها في وضع السِلْم، حين ذكر في تقريره لمجلس الشركة أنه في نوفمبر سنة 1778م قبض القواسم على بعض المراكب الصغيرة التابعة بوشهر لأنهم اعتقدوا أن حمولتها كانت مُلكاً لمسقط. وبعد ذلك أبحر الشيخ خلفان والي مسقط المشهور لمدة طويلة، إلى جلفار (رأس الخيمة) وأنهى المسألة بسلام، مع أن إمام مسقط والشيخ راشد في جلفار (رأس الخيمة) كانا في حرب منذ وقت سابق. كذلك أورد «جون بومونت» الإشاعة التي تقول أن ما بين ثماني وعشر سفن من أسطول جلفار (رأس الخيمة) هاجمت السفينة (ساكسيسي) وأن (ساكسيسي) صدت ذلك الهجوم. وجاء في إشاعة أخرى أن اثنتين من سفن جلفار (رأس الخيمة) هاجمنَ السفينة «اسستانس» لكن الهجوم اندحر بعد اشتباك دام 25 دقيقة. وفي كلتا الحالتين لم يمكن التحقق من هوية المعتدي بأي درجة من اليقين.
وهكذ، فما بدأ إشاعة عن هجوم قامت به جهات لم تعرف هويتها جاء ذكره بعد ذلك على أنه أعمال «قراصنة» قام بها القواسم، ثم بولغ فيها فقيل إنها أعمال استرقاق للرعايا البريطانيين. ولعل الشهادة التي تبرّئ القواسم على الأقل فيما يتصل بهذه الحادثة، هي شهادة «فرانسيس وأردن»السكرتير الرئيسي للحكومة الذي قال بوضوح: «حتى سنة 1796م لم أستطع أن أستقصي حالة اعتداء واحدة قام بها القواسم ضد السفن التي تحمل العلم البريطاني»، بل إن موقف القواسم يتضح بجلاء من حادثة وقعت سنة 1782م، فقد صادرت السلطات العثمانية في البصرة كمية من البنّ كان القواسم قد أفرغوها هناك بحجة أن القواسم استولوا على سفينة تابعة بوشهر ، وبعد ذلك وصل ابن الشيخ راشد حاكم جلفار (رأس الخيمة) إلى البصرة ومعه عدة سفن مسلّحة، وطالب بتسليم البن، وهدّد بأنه سيستولى على سفينة كبيرة تحمل بضائع تابعة لتجار البصرة إذا لم يتم تسليم البن. ومن ناحية أخرى أقرّ بأن والده اتفق مع السلطات العثمانية على أن يكون مسؤولاً عن التعويض عن أية ممتلكات للبصرة قد يستولى عليها أي أناس في الطرف الجنوبي للخليج. ولهذا وعد بأنه إذا تم تسليم البن فإن كل البضائع التي أخذت من سفينة بوشهر سترجعها المجموعة التي استولت عليها. وازداد خوف الحاكم العثماني للبصرة من تهديد القواسم حين رأى أن معظم السفن التي كانت بالميناء وهي من أجزاء مختلفة من الخليج، كانت تؤيد القواسم.
ولهذا دعا الحاكم ابن الشيخ راشد بحفاوة إلى أن ينزل إلى البصرة وساعد السيد «وليام ديكر William Digger» المقيم البريطاني في البصرة على حل المشكلة بسلام. فهذا ليس تصرف قوم يرون أنفسهم قراصنة، أو ينظر إليهم غيرهم على أنهم قراصنة. لقد كان القواسم يقيناً تجاراً جديرين بالثقة تحترمهم القوى المختلفة بالخليج. لم يكن البريطانيون هم الطرف الوحيد الذي يسعى حثيثاً لتنفيذ خططه للسيطرة على الخليج وتجارته. لقد كان السيد سلطان بن أحمد إمام مسقط أيضاً يراوده مثل هذا الطموح، وإن كان نجاحه أقل لقلة ما لديه من سفن مسلحة وقوة بشرية. ولا بد أنه بالغ مبالغة شديدة في تقدير قوته، لأنه في سنة 1797م عندما كان في حرب مع القواسم أبحر شمالاً بأسطوله ليهاجم البصرة، فلما تبيّن له أنه لا يستطيع أن يشن حرباً على جبهتين، أجرى مفاوضات سلام مع القواسم. ولما لم يستطع أن يحرز تقدماً في هجومه على البصرة سارع بكل سرورو إلى قبول وساطة المقيم البريطاني في البصرة والشيخ صقر كبير القواسم. ولكن بعد أن عاد الإمام في سلام مع العثمانيين، أبحر بأسطول كبير سنة 1799م ليهاجم البحرين ويتمكّن من الاستيلاء على ثلاث سفن تابعه لها.