اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تقوم الجريمة في صورة الشروع على ثلاثة عناصر رئيسية، وذلك حسبما يبين من نص المادة 45 من قانون العقوبات، وهي:
لا مجال للشروع في الجريمة إلا إذا قطع الجاني، على طريق الجريمة، مسافة يمكن معها القول بأنه قد بدأ في تنفيذها. ولكن تحديد ذلك ليس بالأمر اليسير. ويرجع هذا إلى أن المشروع الإجرامي، في الجرائم الكبرى على وجه الخصوص، يمر بمسار طويل يبدأ بالمرحلة النفسية الخالصة، ثم التحضير لارتكاب الجريمة، ثم البدء في تنفيذها، ثم تنفيذها كاملة.
أما المرحلة النفسية، ففيها تتولد فكرة الجريمة وتتبلور تدريجيًا حتى تنقلب إلى عزم وتصميم على ارتكابها. والقاعدة أنه لا تجريم ولا عقاب على مايدور داخل النفس مهما بدا العزم قاطعًا، والقول بغير ذلك مؤداه تدخل سافر في مكنون الأنفس، ومطاردة قانونية لمجرد النوايا، وفتح لباب التعسف على مصراعيه. فضلًا عن أنه لا خطورة من التصميم الإجرامي المجرد، لأنه يجوز لصاحبه أن يعدل عنه دون عائق قبل بدأ التنفيذ، ومن حسن السياسة التشريعية تشجيعه على ذلك. وقد أكد المشرع هذا المعنى بوضوح في الفقرة الثانية من المادة 45 بقوله «لا يعد شروعًا في الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها.... ».
ومع ذلك، يتدخل المشرع أحيانًا ويجرم عزمًا أو تصميمًا إجراميًا متبلورًا، وذلك حينما يقدر أن تصميم الجاني قد اقترن بفعل خارجي يعبر عن خطورة ملموسة، فيخلق حينئذ من هذا الوضع جريمة قائمة بذاتها. ومن ذلك أن يتخذ العزم صورة تهديد شفوي أو مكتوب بارتكاب قتل، أو أن يعبر عن التصميم بالانضمام إلى عصابة إجرامية أو بتآمر بين عدة أشخاص لارتكاب جريمة ماسة بأمن الدولة (المادة 86 مكررًا من قانون العقوبات).
يعد القصد الجنائي (الركن المعنوي) هو الركن الثاني الذي يفترضه الشروع. و قد أشارت إليه صراحة المادة (45) من قانون العقوبات وهو يتطلب أن يكون الجاني قد أرتكب الفعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة معينة في صورة تامة. والمشرع لا يعاقب على الشروع في جميع الجرائم، مما يعني أن إتجاه قصد الجاني إلى ارتكاب جريمة معينة يتيح التعرف على حكم القانون في الشروع فيها.
جوهر القصد الجنائي في الشروع هو الإرادة الآثمة المتجهة إلى إحداث النتيجة الإجرامية التي تخلفت لسبب غير اختياري، وهي ذات الإرادة التي يلزم توافرها لقيام الجريمة التامة: فالإرادة متجهة في الحالتين نحو إتمام الجريمة، بغض النظر عن عدم تحقق النتيجة المقصودة في الشروع. فمن يطلق رصاصة على آخر بقصد قتله وتحدث الوفاة بالفعل يتطابق القصد الجنائي لديه مع قصد شخص آخر يطلق رصاصة مماثلة فلا تصيب المجني عليه سوى بأذى بسيط.
ويلزم أن يتوافر في القصد الجنائي في الشروع عنصران: اتجاه الإرادة إلى إتمام الجريمة من ناحية، واتجاهها إلى ارتكاب جريمة معينة من ناحية أخرى.
ويتطلب القانون المصري لقيام الشروع اتجاه القصد الجنائي إلى ارتكاب جناية أو جنحة: فلا شروع في المخالفات، لضآلة المصلحة المحمية في هذا الفرض.
يترتب على اعتبار القصد الجنائي عنصرًا لازمًا لقيام الشروع حصر مجال هذا الأخير في الجرائم التي تستقيم طبيعتها وفكرة الشروع، أي التي يتخذ الركن المعنوي _ فيها_ صورة القصد الجنائي. أما تلك التي لا تقوم على القصد الجنائي فلا مجال للشروع فيها. فمن ناحية، لا شروع في الجرائم غير العمدية، وهي التي يتخذ الركن المعنوي فيها صورة الخطأ غير العمدي: ففي هذا الأخير لا تتجه الإرادة إلى إحداث النتيجة الإجرامية، ومن ثم لايتصور الشروع فيها، مهما كانت خطورة الفعل على المصلحة محل الحماية الجنائية. وتطبيقًا لذلك، فإن الإهمال في صيانة آلة على نحو ينذر بانفجارها وإصابة الغير أو وفاته لايعد شروعًا في قتل غير عمدي أو إصابة غير عمدية، وكذلك الحال بشأن قيادة سيارة على نحو يهدد حياة الغير بالخطر: فذلك ليس شروعًا في قتل غير عمدي، ولكنه قد يمثل جريمة قائمة بذاتها إذا كان القانون يجرم فعل القيادة الخطرة في ذاته؛ وقد يفضي ذلك إلى قتل الغير أو إصابته خطأ، وحينئذ يسأل عن قتل خطأ أو إصابة غير عمدية.
ومن ناحية أخرى، لا شروع في الجرائم متجاوزة أو متعدية القصد: ففي هذا النوع من الجرائم يتجه القصد الجنائي إلى نتيجة محددة، ولكن تقع على أثر فعل الجاني نتيجة أشد جسامة فيحمله القانون تبعتها، على الرغم من أن إرادته لم تتجه إليها. ومن ذلك: جريمة الضرب المفضي إلى موت، والتي تتجه فيها الإرادة الأثمة إلى المساس بسلامة الجسم دون إزهاق الروح. ومن البديهي أنه لا يتصور الشروع في هذا النوع من الجرائم لتخلف قصد إحداث النتيجة المتفاقمة ابتداءً، ومن ثم عدم توافر الشروع.
يفترض النموذج القانوني لجريمة الشروع ليس فقط تخلف النتيجة الإجرامية التي كان الجاني يسعى إليها، وإنما كذلك أن يكون التخلف راجعًا إلى أسباب خارجة عن إرادته. ويثير هذا الشرط الأخير ثلاثة تساؤلات فرعية يتعلق أولها بالتمييز بين البدء في التنفيذ والتنفيذ الكامل، وثانيهما بماهية العدول الذي يحول دون قيام الشروع، وثالثهما بالحالة التي يكون من المستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية.
من البديهي أن مجال الشروع ينحصر في الحالات التي يتوقف فيها نشاط الجاني أو يستنفد فيخيب أثره قبل تمام الجريمة بتحقق نتيجتها الإجرامية: فإذا وقعت هذه الأخيرة على أثر فعله سئل الجاني عن جريمة تامة وليس عن مجرد شروع فيها. وتطبقًا لذلك، لا تتم جريمة السرقة إلا بتحقق نتيجتها وهي استيلاء الجاني على حيازة المال المسروق بإخراجه من حيازة المجني عليه على نحو تدنو للجاني أو لغيره السيطرة عليه، وإلى أن يتحقق ذلك تظل السرقة في حالة شروع.
يفترض الشروع أن الجاني يسعى إلى تحقيق النتيجة الإجرامية ولكنه فشل في بلوغها لأسباب خارجة عن إرادته: فإذا كان ثمة عدول عن تحقق النتيجة في هذا الفرض، فهو عدول اضطراري أو غير اختياري من قبل الجاني. وعلى هذا النحو، يقدم المشرع للجاني وعدًا بصفح تشريعي إن هو ثاب إلى رشده وحال بإرادته دون تحقق النتيجة الإجرامية. وهذا مسلك حذى بتأييد من جانب الفقهاء لأنه يدعم الدور الوقائي للسياسة الجنائية في مواجهة الإجرام، حيث يتفق والطبيعة البشرية التي تحتاج إلى تدعيم العوامل المانعة من الإجرام في مواجهة العوامل الدافعة إليه؛ هذا فضلًا عن أن مصلحة المجتمع في عدم عقاب من عدل اختيارًا عن إتمام مشروعه الإجرامي تفوق مصلحته في تقرير العقاب رغم العدول. والعدول الذي يحول دون قيام الشروع في الجريمة المقصودة هو ذلك الذي يتوافر فيه شرطان يتعلق أولهما بطبيعته وثانيهما بتوقيت حدوثه.
فبالنسبة للشرط المتعلق بطبيعة الشروع أن يكون العدول عن إتمام المشروع الإجرامي ذا طبيعة اختيارية، أي أن يكون راجعًا إلى إرادة تلقائية من الجاني بالانسحاب من المشروع الجرامي والحيلولة دون إتمامه. أما بالنسبة للشرط المتعلق بتوقيت العدول، يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يقع قبل تمام الجريمة بتحقق نتيجتها وقبل قيام الشروع بتحقق أركانه كاملة، فإذا حدث عدول بعد هذا أو ذاك، فلا نكون إلا بصدد (ندم متأخر) أو (توبة إيجابية لاحقة) لا أثر لها في نفي الجريمة أو الشروع. والعلة في ذلك واضحة، وهي أن التوبة اللاحقة بالمعنى السابق لا يتحقق بها معنى العدول الذي يبرر عدم توقيع العقاب وفقًا لأصول سياسة العقاب.
الجريمة المستحيلة هي تلك التي يأتي فيها الجاني نشاطًا بقصد تحقيق نتيجة إجرامية يستحيل ماديًا أو قانونًا أن تتحقق لسبب كان يجهله، مهما بلغ قدر العناية التي يبذلها لتحقيقها، وذلك إما لأن موضوع الجريمة ذاته غير موجود، وإما لأن الوسيلة التي يستخدمها غير صالحة في الظروف التي استعملت فيها لإحداث النتيجة. وهكذا تبدو المصلحة المحمية جنائيًا في هذا الفرض غير مهددة بخطر ما، حيث كان نشاط الجاني منذ بدايته محكومًا عليه بالفشل وخيبة الأثر. ومن قبيل ذلك: محاولة شخص السرقة من جيب خال أو من خزينة خاوية، أو إجهاض امرأة يعتقدها حبلى بينما هي ليست كذلك، أو قتل شخص قد مات بالفعل.
وقد ثار منذ عهد بعيد جدل حول ما إذا كان من الملائم إلحاق الجريمة المستحيلة بالجريمة الخائبة والعقاب على الشروع فيهما بذات الشروط.
ونقطة البداية في الجدل الذي أثارته فكرة الجريمة المستحيلة هي أنه إذا كان الشروع يتطلب بدء في التنفيذ، فإن هذا يفترض للوهلة الأولى أن يكون التنفيذ الكامل ممكنًا لو لم يوقف أو يخيب أثره. وهذا يقود إلى تساؤل آخر يرتبط به حل مشكلة الجريمة المستحيلة: هل يشترط للعقاب على الشروع أن يكون تحقيق النتيجة ممكنًا في ذاته، أي من الناحية الواقعية، أم يكفي أن يكون ذلك ممكنًا حسب تقدير الجاني، بصرف النظر عن مدى تطابق تقدير، بصرف النظر عن مدى تطابق تقديره مع حقيقة الأمور؟
الإجابة على هذه التساؤلات تتوقف على المذهب المتبنى في سياستي التجريم والعقاب بشأن الشروع.
ويخرج عن إطار الجريمة المستحيلة، رغم تداخلها الظاهري معها، ما يعرف ( بالجرائم الخارقة للطبيعة)، كالاستعانة بالسحر أو الشيطان أو تعويذة أو ممارسة طقوس معينة لإلحاق أذى بالغير أو لتحقيق نتيجة (إجرامية) أخرى.