اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في نهاية عام 1931 استأنف فيلبي رحلاته في الجزيرة العربية، بالرغم من أنه أصيب بخيبة أمل حينما علم أن برترام توماس قد سبقه إلى الربع الخالي. وبدأ فيلبي رحلته من الهفوف بعد أن زوده ابن سعود بقافلة.
فيلبي كان دائم الشجار مع رفاقه في السفر، فبينما كان رفاقه يفضلون السفر في الليل حسب عادة العرب لتجنب حر الشمس، كان فيلبي يصر بالطبع على السفر بالنهار لكي يبصر الأماكن لمسحها ووضعها على الخارطة، وكثيراً ما أراد رفاقه الخروج عن الطريق من أجل صيد بعض الزواحف بينما هو يصر على الخروج عن الطريق، لكي يطلع على أشياء ليست مهمة في نظرهم، وعندما يجد صعوبة في تحقيق رغباته فإنه يحرجهم بامتناعه عن الطعام أو الشرب، فيصيحون عليه بغضب: " إننا نجهد أنفسنا من أجلك، ونجهد الجمال حتى تضنى، وإنك لرجل دائم الشكوى ولا يرضيك شيء أبدا ".
فيرد عليهم "لقد خلقني الله ووضع الجمرة في قلبي ولكن أعمالكم هذه تزيدها لهباً واحتراقا". ولقد كان في نية فيلبي، أن يستمر في سيره جنوباً حتى يصل إلى المحيط الهندي ولكن رفاقه أقسموا له أن ذلك مستحيل، فهم لا يعرفون الطريق، كما توجد قبائل معادية مما يعرض القافلة كلها للهلاك، وقد علم فيما بعد أن رجال القافلة ناقشوا فكرة قتله حينما كان نائماً وذلك عقب مجادلة حادة معهم إلا أنهم خافوا عدم الثبات على قول واحد أثناء المساءلة.
وأخيراً وافق فيلبي على الرجوع – "... لقد تغلب الربع الخالي علينا.. لقد محا النوم، على الأقل، أحلام النهار المزعجة.. إنها ربما تكون أسوأ تجاربي كلها"، وليس بمستغرب أن يكتب قائلاً " إن الجهد في السفر في الصحراء ليس بالمقارنة مع الإرهاق النفسي "، [ وفي طريق العودة ]، مالت القافلة في سيرها نحو الغرب لتقطع 375 ميلاً خلال عشرة ايام، عبر صحراء لا يوجد فيها قطرة من الماء وكانوا يسقون جمالهم قليلاً من الماء، يسكب من غلاية الشاي في منأخيرها، حتى أن فيلبي نفسه قطع 250 ميلاً دون أن يشرب جرعة ماء، وفي خلال الرحلة كلها قطعت القافلة مسافة 1700 ميل، في مدة تسعين يوماً، وفي النهاية بعد ثلاثة أشهر من الشغل الشاق، استلم كل واحد منهم ما معدله عشرة جنيهات استرليني.
كانت تلك الرحلة، هي الأخيرة تقريباً التي استعمل فيها فيلبي الجمال، حيث تمت معظم رحلاته فيما بعد، باستعمال السيارات، وفي إحدى هذه الرحلات، اصطحب زوجته معه، وكانت أول سيدة أوروبية تقطع الجزيرة العربية من البحر إلى البحر، ومن خلال وصف فيلبي لرحلاته، ومن خلال أولئك الناس الذين رافقوه في هذه الرحلات ؛ يمكن أن نشاهد الرحالة الحديث وهو في أثناء رحلته. كان فلبي يستخدم الخيام إذا كان الجو ممطرا، ولا يغير ملابسه إلا إذا بليت، وكانت الأشياء الأساسية التي يحملها معه ؛ هي أدوات رسم الخريط، أما بقيتها فتشتمل على بعض السكاكين، وشبكة لصيد الفراشات، ومصباح لجذبها، قوارير لحفظ الحشرات المقنوصة، وصناديق لحفظ العينات، وكان يأخذ معه بصفة دائمة جهاز راديو يستمع من خلاله إلى التعليق على مسابقات لعبة الكركت الجارية في أثناء التوقف للاستراحة، وقد يستمع في المساء إن صادف الحظ، إلى موسيقى جلبرت وسلفان Gilbert & Sulvan، وكان يحمله معه دائماً مجموعة من نسخ جريدة التايمز ولا يفتح أبداً أكثر من نسخة واحدة في اليوم، ويقضي الاستراحة الأخيرة قبل النوم في حل ألغاز الكلمات المتقاطعة التي يدعي انه لم يلجأ في حلها للغش أبدا.
لقد دون فيلبي ملاحظات كثيرة عن كل رحلاته، وكانت كتاباته كثيرة جداً، وشاملة ودقيقة، وقد صاغ مؤلفاته بأسلوب بسيط يكاد يخلو من الجمال الأدبي، ولكنها تزخر بالمعلومات المطردة. وقد ذكر مرة لأحد أصدقاء مؤلف هذا الكتاب ؛ أن خطته في الكتابة هي أن يتحدث عن كل شيء، وبما أنه كان على معرفة بعلم الطيور، والحيوان، والجيولوجيا، والأعراق البشرية، والتاريخ، والآثار، والوصف الجغرافي فإن كل هذه الأشياء، تؤخذ بمعناها حرفيا، كما تضمنت كتبه بعض التعابير اللاتينية التي جاءت بسبب تأثيره بالتعليم الكلاسيكي، غير اننا فقط نجد في بعض الأحيان، أن فيلبي قد ارتكب أخطاء بسيطة، حدثت فيما يبدو بسبب تخوف مراققيه من طبيعة أخلاقه الحادة، مفضلين اختراع اسم ما، على اعترافهم بجهل اسم المكان، تجنباً للتقريع.
لقد كان استعمال فيلبي لوسائل النقل الحديثة بالإضافة إلى الدعم المعنوي، وأحياناً الدعم المادي، من الملك عبد العزيز عاملاً مكنه من زيارة مناطق كثيرة في الجزيرة العربية لم يستطع زيارتها أحد من الرحالة الذين سبقوه. وفي شهر مايو 1936، طلب منه ابن سعود أن يقوم بتثبيت حدود المملكة مع اليمن، لذلك فقد وجد فيلبي طريقة إلى مدينة نجران القديمة حيث قام بأهم مكتشفاته الأثرية من ضمنها كتابة لم تكتشف من قبل في جنوب الجزيرة العربية، وكعادته في عدم إقامة أي وزن للأعراف الدبلوماسية، قرر فيلبي الاستمرار في رحلته إلى أرض متنازع عليها، متجها نحو موقع كثرت عنه الخرافات، وكان هدفه زيارة شبوة، أحد المدن التي يقال أنها عاصمة سبأ القديمة وحسب معرفة فلبي، أنه لم يزرها أي أوروبي من قبل. وكانت سفرة شاقة فوق الكثبان الرملية، عجز خلالها في إحدى الليالي عن الحركة، إثر عاصفة رملية ونتيجة لما عاناه من تعب جسمي فقد ذكر فلبي ؛ أنه لم يمر بتجربة مثل تلك التجربة في حياته كلها.
وقد وصل إلى هدفه بالرغم من أنه عرف أخيراً، أن هانز هلفرتز Helfrtiz قد سبقه إلى زيارتها، وعند وصوله إلى مدينة شبوة وجد فلبي حرس الشرف في انتظاره، وبعكس ما كان معتاداً عليه فإن افراد الحرس ساروا أمامه لتحيته، وقد تعجب من عدم إطلاق حرس الشرف للرصاص وهم ذاهبون، وحسبما هو متبع في تلك المنطقة أنه كلما قربت الرصاصة من رأس الضيف كانت أهمية الضيف أكثر، وبما أن عدداً من الجنود السعوديين كانوا مع فلبي فقد أعتقد أهل شبوة أن البعثة جاءت لضمهم إلى الدولة السعودية وقد اثار ذلك أيضاً، شكوك السلطات البريطانية في عدن، وبما أن فلبي كان يردد القول أنه بحاجة لتبديل محور العجلة المكسور في سيارته، فقد سافر بسرعة بطيئة إلى ساحل المكلا، حيث وجد في انتظاره هناك، برقية تطلب منه أن لا يتوانى في تنفيذ الأمر بشأن ذهابه، وقد اعتبر نفسه أول من قطع الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب. انتبه البريطانيون إلى التهديد الآتي من الشمال، فتبنوا سياسة أدت إلى اخضاع مناطق جديدة في حضرموت تحت حكمهم، وفي طريق عودته دخل فلبي إلى اليمن وزار مدينة مأرب القديمة، وقد أدهشت تلك الزيارة الإمام، بقدر ما أدهشت السلطات البريطانية.
وقد استمر في رحلاته الاستكشافية، وأصبح كثير الاهتمام بعلم الآثار، ويعود الفضل إلى فلبي في اكتشاف عدد من النقوش الثمودية في شمال الجزيرة العربية فزاد عدد المكتشف منها ألفين إلى ثلاثة عشر ألف.
كانت الجزيرة العربية التي رأها فيلبي في أيامه الأولى هي تلك التي وصفها نيبور وداوتي، أما في أيامه الأخيرة فقد تغيرت الأوضاع كلية نتيجة التقدم [ التقني ] الذي طرأ على العالم مثل التلفزيون والخط الجو والنمو السريع للاقتصاد العالمي، ولى عهد الاستكشاف، فبواسطة الصور الجوية، رسمت خرائط كاملة للجزيرة العربية وأضحت المناطق التي زارها الرحالة الأوائل في طي النسيان.