اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لئن تركزت أنظار ابن خلدون على الجوانب السلبية "لمسلكية" قبائل بني هلال وبني سليم، إلا أن الواقع الذي كانت عليه تلك القبائل وخاصة الظروف القاسية التي كانت تمر بها في كل مرحلة من مراحل الهجرة، بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي الذي يضرب عليهم من طرف الحكام، ومنها الحصار الذي فرض عليهم في مكة من طرف الشريف بن هاشم أمير مكة الذي طلب الزواج من الجازية فرضيت هذه الأخيرة بالزواج رغم عيوبه في سبيل فك الحصار الاقتصادي الذي يعاني منه أهلها. إن ظروف الحياة الصعبة تجعل القبائل في تنقل مستمر فبني سليم كانت لهم تنقلات واسعة النطاق مع ماشيتهم في صحاري الحجاز بحثا عن مراعي لأغنامهم وكثيرا ما يصلون إلى حدود العراق والشام. وكانت لسليم وهلال محلات في حواضر العراق، إذ استقر بعضهم في نجد ولم يغادروها فظلوا هناك حتى القرن الرابع الهجري. وقد عمل الخلفاء العباسيون على التصدي لهذه القبائل بجيشهم النظامي وأسر عدد كبير من أبناء القبائل عقابا على تمردهم وعلميات النهب ضد المسافرين والحجاج وأهل المدينة، وبرغم تشدد بني العباس ضد القبائل إلا أن ذلك لم يمنع أولئك الأعراب من مواصلة العنف والتطاول على الناس طوال القرن الرابع للهجرة. ثم أن مسألة تدمير العمران التي وصم بها الهلاليون، والتي عمل المؤرخون الأوروبيون على نشرها، تكاد تكون مألوفة بالمغرب والمشرق على السواء، حيث تنتشر هنا وهناك القبائل البدوية بطبيعتها المنافية للعمران. فقد دمر العمران الذي عم المغرب في آخر العهد البيزنطي، من طرف الملكة البربرية الكاهنة في أثناء مقاومتها للفتح العربي. ويروي المؤرخون ان المغرب من طرابلس وحتى طنجة كان ظلا مستمرا بسبب كثافة البساتين، قبل تدمير الكاهنة، ودمر العمران في الحروب المذهبية بين الشيعة والإباضية في نهاية العهد الرستمي، ثم بين الإباضيين والاغالبة، ثم بين الإباضيين والزيريين، وبين الإباضيين والصفريين في طرابلس، وبين الشيعة وصاحب الحمار، والتدمير العمراني بالمشرق الذي نجم عن ثورات الخوارج والقرامطة والزنج والمذاهب الشيعية المختلفة ضد الأمويين والعباسيين والفاطميين، ثم التدمير المرعب الذي نجم عن اكتساح القبائل البدوية بقيادة هولاكو للعالم، كلها تشير بوضوح إلى ان عملية التدمير للعمران ليست من ابتكار الهلاليين، وليست مقصورة تاريخيا على تصرفات هذه القبائل العربية البدوية، وانما هي ظاهرة منتشرة بالعالم.