اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حقُّ الوالدَيْن بالإحسان إليهما أهم الحقوق الواجب تأديتها بعد حقّ الله -تعالى- في عبادته وحده لا شريك له والذي يُعدّ أسمى وأجلّ الحقوق، لذا قرن الله -تعالى- بين حقّه وحقّ الوالدَين كما في قوله -تعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، كما وقد قَرَن بين شكرِه وشكرِهِما كما في قوله -تعالى-: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وسبب هذا الجمع بين حقه تعالى وحق الوالدين سواء أكان في الإحسان أم في الشكر أنّ الله -تعالى- كما تكفّل بالنشأة الأولى للإنسان، كانت النشأة الثانية على عاتق الوالدَين فهما سبب وجوده، وهما من تحمّلا عناء تربيته وصقل أخلاقه.
أراد الله- تعالى- بالوالدَين في قوله -تعالى-: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الأب والأمّ، وقد عظّم حقهما وأعلى من شأنه بثلاثة أمور: أوّلها بجعل حقّهما تابعاً لحقّه وحقّ رسوله -صلّى الله عليه وسلّم- الذي أرشد العباد إلى طريق الهداية، لذا يُعدّ القيام بحقّ رسوله المُتمثِّل بوجوب محبته واتباع أوامره واجتناب نواهيه من ضمن عبادته -تعالى-، وثانيها بجعل حقّهما من الأسباب التي ينال بها العبد رضا الله -تعالى- فيتحقّق له بذلك الفوز والفلاح في الدُّنيا والآخرة، وثالثها بمنع إسقاط حقّهما مع اختلاف الظروف والأحوال، حتى أنّ خروج المسلم للجهاد في حال كونه فرض كفاية يستلزم موافقتهما ورضاهما، فإن عارض الوالدين خروج ابنهم إلى الجهاد لزمه طاعتهما وترك الجهاد.
أوْلى الإسلامُ الوالدَين اهتماماً عظيماً، فقد أوْجب برّهما والإحسان إليهما في العديد من الآيات القرآنية، ويعود هذا إلى فضلهما العظيم والذي يظهر في عدّة أمور منها ما يأتي:
هناك العديد من الآيات الكريمة التي حثّت على الإحسان إلى الوالدَين وبرّهما ومن ذلك قوله -تعالى-: (وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا * وَاخفِض لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ وَقُل رَبِّ ارحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيرًا)، ويُقصَد بالقضاء الفصل والقطع في الأمر بالقول أو الفعل على اختلاف نوعَيه الإلهي والبشري، ويُعتبر قوله -تعالى-: (وَقَضى رَبُّكَ) من القول الإلهي الذي يُفيد الفصل في أمر عبادته وحده والإحسان إلى الوالدَين وقد أراد الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَقَضى) حُكْماً قطعيّاً لا رجعةَ فيه.
ومظاهر البرّ بالوالدَين عديدة منها: الحرص على التواضع لهما في الأقوال والأفعال، ومصاحبتهما بالحسنى، والحرص على رضاهما بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، والإكثار من الدعاء لهما بعد وفاتهما، والمحافظة على صلة أصحابهما وأقاربهما ممّن كانت تجمعه علاقة ودٍّ ومحبةٍ معهما، ولا بدّ من الإشارة إلى فضل برّ الوالدَين والإحسان إليهما حيث أنّه أحبّ الأعمال إلى الله -تعالى- وأفضلها بعد الصلاة على وقتها وذلك لِمَا رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنّه قال: (سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوَالِدَيْنِ)، وهذا مَدعاةٌ لِلمسلم بأن يتّصفَ ببرّه لِوالدَيه والإحسانِ إليهما؛ حتى يكون ذلك من أبرز صفاته واخلاقه وتَظهر عناية الإسلام واهتمامه بالوالدَين والإحسان إليهما في العديد من الأمور منها ما يأتي:
دعا الإسلام إلى برّ الوالدَين والإحسان إليهما إلّا أنّه أولى الأم اهتماماً خاصّاً، ويظهر ذلك في أمرين: أوّلهما أنّ الله -تعالى- خصّ الأم بالذكر في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)، وثانيهما أنّ الإسلام قدّم برّها والإحسان إليها على ما يكون للأب من ذلك لما رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ)، فنصيب الأم من البرّ وحسن الصلة أعظم فهو يُعادل ثلاثة أمثال نصيب الأب، وسبب هذه المكانة الخاصة التي منحها الإسلام للأم؛ انفرادها بتحمُّل مشقتَي الحمل والولادة، وقد دلّ قوله -تعالى-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) على صعوبة هذيْن الأمريْن، وبعد ذلك تتحمّل مشقة وتعب عاميْن من الرّضاعة يقول -تعالى-: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ).
ويُضاف إلى ذلك فضلها الذي يتبع فضل الله -تعالى- في بقاء طفلها على قيد الحياة، إذ إنّها تحمل على عاتقها مسؤولية مولودٍ ولا قدرة على فعل شيء، فتغمره بحنانها وعطفها، وتتولّى أمر طعامه وشرابه، وتسهر الليالي معه حال خوفه وحال مرضه حتى وإن كان ذلك كلّه على حساب راحتها وصحتها، فلولاها ما عاش هذا الوليد ولا كبر، لذا فلا عجب من كونها الأحقّ به من أبيه فقد روي (أنَّ امرَأَةً أتَتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابنِي هذا كان بَطنِي له وِعاءً وحِجرِي له حِواءً وثَديِي له سِقاءً وزعَم أبوه أنَّه يَنزِعُه مِنِّي قال: أنتِ أحَقُّ به ما لم تُنكَحي)،