اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعض الأماكن لم تبدأ كمقاهي لتناول القهوة، فعدد منها أضاف إلى قائمة مشروباته القهوة فتحولت تسميتها مع الزمن من "حانة" إلى "مقهى" مثل حانة رويال درومر، الذي أسسه جون رونبونو ليكون ملتقىً لنواب الملك لويس الخامس عشر ممن لم يكونوا يحملون سمعةً طيبة بين أبناء الشعب، خاصةً عندما تلوح في الأفق أجواءٌ احتفالية. وحتى الملكة ماري أنطونيت، زوجة لويس الخامس عشر، رقصت رقصة جماعية لا تليق بملكة في هذا المقهى الذي اقتبس اسمه كعلامةٍ تجارية لاحقاً في عالم الموضة الباريسية ليطلق على الأثاث والملابس والطعام.
انتشرت هذه الظاهرة في كل أوروبا، كما أضافتها كثير من الكباريهات والمطاعم على لوائحها في فرنسا، من بينها مطعم "البرج الفضي" الشهير الذي افتتح عام 1582. ولتضمن المقاهي نجاحاً في انتشارها وجب اختيار أكثر الأماكن متعةً حيث يفضل الزوار والسياح الجلوس لتناول المشروبات المروحة عن النفس، فنشأت غالب المقاهي قريبة من الحدائق العامة حيث تنتشر المعارض الفنية، فتكاثرت المقاهي في منطقة "القصر الملكي"، وصف ديدرو عام 1760، في مؤلفه Rameau’s Nephew، الحياة في "مقهي الريجنسي" في منطقة القصر الملكي الذي يقع حالياً في شارع سان أونوريه: "في جميع الأجواء، الباردة واللطيفة، من عادتي أن أتجول حول الساعة الخامسة مساءً في منطقة القصر الملكي (...). فإن كان الجو بارداً أو مبللاً أجلس تحت مظلة في مقهى الريجنسي، حيث أستمتع بالمراقبة بينما يلعب الآخرون لعبة الشطرنج، فليس هناك مكان في العالم يتقنون فيه لعب الشطرنج مثل باريس، ولا يتقنون اللعب في كل باريس مثلما يفعلون في هذا المقهى".
وترتبط بدايات مقهى الريجنسي بأسطورة لوفيفر، وهو باريسي بدأ حياته بمنافسة بروكوب ببيع القهوة في الشوارع، بعدها قرر افتتاح مقهىً في منطقة القصر الملكي، بيع لاحقاً لشخصٍ يدعى لوكليرك عام 1718 الذي قرر أن يطلق عليه اسم "مقهى الريجنسي" على شرف حاكم أورليانز، وهو اسم ما زال معلقاً على لوحة على باب المقهى، وكان أبناء النبلاء يفضلون كثيراً التردد على هذا المقهى. ويرتبط المقهى أيضاً بتاريخ الأدب الفرنسي، فقد كان يترد عليه أحد أشهر لاعبي المعروفين في القرن الثامن عشر فيليدور، المعروف بإتقانه للعب الشطرنج أكثر من شهرته بالموسيقى. وفي إحدى المرات لعب فيه روبيسبير، إبان الثورة الفرنسية، الشطرنج مع فتاة كانت متنكرة بملابس الرجال مقابل حياة الرجل الذي كانت تحبه، وهناك لمع نابليون بونابرت في لعب الشطرنج أكثر من شهرته كإمبراطور فرنسا، وتعالت في المقهى جدالات جامبيتا، كما لعب الشطرنج فيه كل من فولتير وألفريد دو موسييه وفكتور هوجو وتيوفيل جوتيه ودوق ريشيليو ومارشال ساكس وبوفون وريفارول وفونتينيل وفرانكلين وهنري مورجر، وذكر ديدرو في مذكراته أنه كان يحصل على تسعة قروش ليذهب لتناول القهوة هناك حيث كان يعمل على كتابة الموسوعة الفرنسية.
وكانت العربات التي تنقل سيدات الطبقة المخملية تقف أمام المقاهي حيث كان الساقي يقوم بمناولتهن فناجين القهوة بعد سكبها من أوانٍ فضية ليحتسينها داخل العربات. ويفسر لنا "بيير لا كروا"، عام 1878، في دراسة حول القرن الثامن عشر، أسباب هروب النساء من المقاهي قائلاً: "كانت المقاهي ميداناً مغلقاً على الدوام، ومفتوحاً على الشجار والمناظرات الأدبية بين الشعراء والروائيين والنقاد، كما أدت هذه النقاشات الصاخبة التي كانت في الغالب غير شريفةٍ إلى هروب النساء من المقاهي، مع أنّ فارس هذه النقاشات العام هو (الفارس دوماس) الذي أقرّ بأنّ حضور هاتيك النساء إلى هذا المكان العام لم يكن مخالفاً لآداب اللياقة، ولم تكن النساء الجميلات والروحانيات يخشين المجيء إلى المقهى جماعاتٍ جماعات، كن يثرثرن، مع أصدقائهن ولكنهن ما لبثن أن تركن المجال للمغرمين بالآداب.
ويمكن رؤية ملامح بعض المقاهي الفرنسية من المقارنة التي قدمها المستشرق الفرنسي جيرار دو نيرفال بين مقاهي باريس وأحد مقاهي القاهرة بعد زيارته لمصر، حيث ينفي دو نيرفال أن يكون قد رأى في المقهى القاهري تلك الزاخرف الشائعة في المقاهي الباريسية حيث تزين الجدران بوريقات النفل الثلاثية، ويعتمد البناء الباريسي على الأعمدة وتكتسي جدرانه بالخزف وبيوض النعام المعلقة. ما زالت لعبة الشطرنج تُلعب في الريجنسي حتى يومنا هذا، ولم يعد من الواجب على اللاعبين أن يدفعوا على كل ساعة يقضونها على الطاولة مع دفعات إضافية لإضاءة شمعات إلى جانب لوح الشطرنج كما كانت العادة في القرون السابقة.
رسم المؤرخ ميشيليه لوحة بكلماته المعبرة يخبر فيها أن باريس أصبحت مقهىً رحباً، ووصلت الحوارات في فرنسا إلى أوجها، وقل الإقبال على البلاغة والخطابة كما كان في عام 1789، ولم يعد من الممكن الحديث عن خطباء عدا روسو، وتدفقت روح الدعابة العفوية فيها، ويعزو الفضل لهذه الروح المتلالئة للثورة الفرنسية الميمونة ولمجيء القهوة الذي قلب العادات الفرنسية وحسن مزاجهم الإنساني. لم ينافس تأثير القهوة إلا ظهور الدخان بعد قرون، وأزيلت كباريهات وضيعة كثيرة، خاصةً تلك التي وجدت زمن لويس الخامس عشر، وانتشر التحرر بين أبناء الشعب، فانتشر الشبان في شوارع المدينة بصحبة نساء رعنات. مرت على فرنسا ثلاث عصور حديثة من المقاهي: المقاهي العربية الرائدة التي تأسست قبل عام 1700، بنسائه المهندمات اللواتي كن يترددن على صالونات بونار يحتسين القهوة في فناجين صغيرة مستمتعاتٍ بعبق الشرق العربي، وهن يدرن الأحاديث حول حريم شاردان وتسريحة السلطان وليالي ألف ليلة وليلة عام 1704، ويقارن ضجيج قصر فرساي بجنة الشرق العربي. وبين عامي 1710-1720 استقبلت باريس القهوة الهندية وأصبح لها شعبية واسعة ويمكن الوصول إليها بأسعار رخيصة، وكانت تصل لفرنسا بعد زراعتها في جزيرة بوربون البركانية، التابعة للتاج الفرنسي، أحدثت ثورة في عالم القهوة في مقهى الريجنسي وفي الروح الباريسية التي اجتاحتها السعادة والدعابة حيث تألقت أشعار فولتير والرسائل الفارسية في الإشارة إليها، ولن تستطيع أفضل الكتب أن تصف تلك الأحاديث السارحة في الهواء، القادمة والذاهبة متنقلةً بكل مراوغةٍ بين الحاضرين، يشبه بسحره مارد القنينة في قصص ألف ليلة وليلة. صدّرت الحكومة الفرنسية القهوة وزرعتها في المرحلة الثالثة في جزر الأنتيل التي أعادت تصديرها لفرنسا من سانتو دومينغو، قهوة نالت رضى شبان عصر الموسوعة الفرنسية، وتحول إلى مشروب مفضل لعدد من مفكري تلك الحقبة من أمثال بوفون وديدرو وروسو الذين احتسوها في مقهى بروكوب بعد الثورة الفرنسية، وحين كان يصعد دانتون منبره للخطابة كان يقول عن القهوة: "يجب أن يتناول الحصان غذاءه من الشوفان".