اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد فشل الحملة البيزنطيَّة الصليبيَّة، وضمّ بعلبك، انصرف عماد الدين الزنكي في السنوات الأربع التالية إلى العمل على إتمام خطَّته بِتوحيد المُسلمين في الشرق الأدنى كي يكون أكثر قُدرةً على مُجابهة الصليبيين. فقام بعدَّة عمليَّات عسكريَّة في جهات الجزيرة الفُراتيَّة ضمَّ فيها بلاد الأكراد الهكاريَّة والمهرانيَّة المُمتدَّة عبر هكارية إلى الشمال من نهر الخابور، والمنطقة الجبليَّة المُتاخمة لِجزيرة ابن عُمر. وفي سنة 538هـ المُوافقة لِسنة 1143م، تُوفي الإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الثاني كومنين، ولم يلبث التحالف الصليبي البيزنطي أن تصدَّع بِوفاته، وتحوَّل الموقف بين الروم والصليبيين إلى عداءٍ سافر، كما تُوفي الملك فولك مُخلِّفًا ولدين هُما بلدوين، الذي كان في الثالثة عشرة من عُمره، وعمُّوري، الذي لم يتجاوز السابعة، فتولَّت الملكة ميليسندا الحُكُم، ونصَّبت ابنها بلدوين قيِّمًا معها. والواضح أنَّ ولاية ميليسندا جلبت ضررًا بالغًا على أوضاع الصليبيين، فتلاشت بتولِّها الحُكم المكانة الرفيعة التي كانت لِملك بيت المقدس بِصفته سيدًا أعلى لِلإمارات الصليبيَّة، ولم يولِ أُمراء شماليّ الشَّام اهتمامًا كبيرًا لِسيادة امرأة أو طفل، كما أنَّ ميليسندا لم تهتم بِالمصالح الصليبيَّة العامَّة، بل اتصفت بِالتقلُّبات السياسيَّة، وانهمكت بِنسج المُؤامرات، فضلًا عن انشغالها بِصد هجمات أتابكة دمشق. أتاحت هذه المُستجدات لِعماد الدين أن يستأنف جهاده ضدَّ الصليبيين من جديد، فأخذ يُراقب تطوُّر المُنازعات بين الأُمراء الصليبيين واتساع الشقاق بينهم وبين الروم، وقرَّر نقل نشاطه الجهادي إلى إمارة الرُّها المُوغلة في أراضي المُسلمين، فشرع في سنة 538هـ المُوافقة لِسنة 1143م، بِمُهاجمة المواقع والحُصُون الصليبيَّة العائدة لِكونتيَّة الرُّها، والمُنتشرة في المناطق القريبة من ماردين، فاسترجع أغلبها للمُسلمين، ومنها: جملين والموزر وتل موزن وغيرها من حُصُون إقليم شبختان، وهو أحد أقاليم ديار بكر، فعزل كونتيَّة الرُّها عُزلةً تامَّة، ولم يعد أمامه إلَّا أن يتوجَّه إليها بجيشه. اتجه عمادُ الدين ناحية الرُّها بجيشه الكثيف، فبلغها في شهر جُمادى الآخرة سنة 539هـ المُوافق فيه أواخر شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) سنة 1144م، وحاصرها. ولمَّا ذاعت أخبار حصار المُسلمين لِلرُّها بِقصد استرجاعها، تطوَّع الكثير من الناس من أهالي الموصل والجزيرة الفُراتيَّة وديار بكر والشَّام وساروا بِسلاحهم لِلقتال تحت راية الزنكيين، واستقدم عمادُ الدين أدوات حصارٍ جيِّدة ومُتطوِّرة، وأغلق كُل المداخل المُؤدية إلى المدينة سدًّا مُحكمًا، فمنع بِذلك الدُخُول إليها أو الخُرُوج منها، وترتَّب على ذلك أن عانى المُحاصرون من النقص الشديد في المُؤن والتجهيزات. تولَّى الدفاع عن الرُّها هيوج الثاني رئيس أساقفة اللاتين الكاثوليك، وشاركه باسيل أُسقُف يعاقبتها، ويُوحنَّا أُسقُف الأرمن، وقد أبديا تضامنًا قويًّا مع الصليبيين في الدفاع عن أسوار المدينة وقلعتها. أمَّا الكونت جوسلين الثاني فكان قد خرج من المدينة قبل الحصار على أمل مُباغتة المُسلمين وإيقافهم، لكنه فشل، ولمَّا رأى أنَّ قُوَّاته لم تكن على ما يكفي من القُوَّة لِمُجابهة المُسلمين، قبع في تل باشر على أمل أن تُقاوم استحكامات الرُّها الضخمة الحصار، لكنَّ ذلك لم يحصل، ففي 26 جُمادى الآخرة المُوافق فيه 23 كانون الأوَّل (ديسمبر)، انهار جانبٌ من السُور بِفعل الضرب الشديد والمُتواصل طيلة أربعة أسابيع، فاندفع المُسلمون إلى داخل المدينة، وأجهزت عساكر عماد الدين على الفارِّين من الجُنُود الصليبيين، ووقع الباقون في الأسر، ودخل عمادُ الدين المدينة بعد يومين راكبًا في موكب النصر، وأعطى الأمان لِلمسيحيين الوطنيين من أرمنٍ وسُريانٍ ورومٍ، وأعاد لهم ما خسروه من سبيٍ وغنائم، بينما لم يغفر لِلمسيحيين الغربيين، فأمر بإعدام رجالهم وبيع نسائهم رقيقًا.