English  

كتب open the double

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

فتح الديبُل (معلومة)


بعد تمام فتح فنزبور وأرمائيل، توجَّه مُحمَّد بن القاسم بِجيشه الجرَّار إلى مدينة الديبُل، وهي هدفه الأكبر. وكان آنذاك «جيسيه بن داهر» أميرًا على النيرون، فكتب رسالةً إلى أبيه يُخبره بِقُدُوم المُسلمين، ويسأله السماح له بِقتالهم. استدعى داهر أعيان العلافيين العرب واستشارهم في الأمر، فقالوا له إنَّ مُحمَّد بن القاسم هو ابن عم الحجَّاج، وقد جاء بِجيشٍ قوامه الشُجعان من أبناء الشَّام، وقد جُهِّزوا بِكُلِّ أنواع السلاح، وإنَّهم قادمون لِقتاله، وأنَّهم (أي العلافيين) يُفضِّلون ألَّا يتقابلون معهم. فلمَّا سمع داهر أقوال العلافيين، منع ابنه جيسيه من مُقاتلة مُحمَّد بن القاسم وأتباعه. بعد خُرُوج مُحمَّد بن القاسم من أرمائيل، جعل مُحمَّد بن مُصعب بن عبد الرحمٰن على مُدِّمة الجيش، وجهم بن زحر الجعفي على مُؤخرة الجيش، وعطيَّة بن سعد العوفي في الميمنة، وموسى بن سنان بن سلمة الهذلي على الميسرة، ثُمَّ جلب باقي المُقاتلين من الرُماة والخواض والسيَّافين معهُ إلى قلب الجيش حتَّى جاء يوم الجُمُعة من سنة 93هـ المُوافقة لِسنة 712م. ويبدو أنَّ مُحمَّد بن القاسم بقي في أرمائيل مُدَّةً طويلة لأنَّهُ قد وافته فيها إمداداتٌ بريَّة وعلى رأسها جهم بن زحر الجعفي سالف الذِكر، كما وصلته الإمدادات البحريَّة التي فيها الرجال والسلاح، وعلى رأسها خُريم بن عمرو، ومعهُ عددٌ من كبار الأشراف والأعيان، منهم: عبدُ الرحمٰن بن سُليم الكلبي الذي عُرف بِشجاعته ورُجُولته وتجاربه القتاليَّة، إذ كان قد تولَّى بيروت وإمارة ساحل الشَّام وردَّ غارةً بيزنطيَّة على مدينة طرابُلس الشَّام، وكان مع عبد الملك بن مروان ضدَّ عمرو بن سعيد بن العاص حين عصى الأخير بِدمشق سنة 69هـ، كما كان مع الحجَّاج في حربه مع ابن الأشعث في وقعة دير الجماجم سنة 82هـ. ومنهم أيضًا سُفيان بن الأبرد الكلبي المشهور بِالجَلَد وسداد الرأي والعفَّة، وقطن بن مُدرك الكلابي المعروف عنهُ المُعاونة في الشدائد والمُدلهمات وصدق القول، والجرَّاح بن عبد الله الحكمي صاحب الخبرة الواسعة في فُنُون القتال والحرب، ومشاجع بن نوبة الأزدي.

وصل المُسلمون سواد الديبُل خلال شهر رجب سنة 93هـ المُوافق فيه شهر نيسان (أبريل) 712م، فأمر مُحمَّد بن القاسم بِحفر خندقٍ كما نصح الحجَّاج، ورفع الرايات والأعلام وأنزل الناس على راياتهم، وأخرج المجانيق ونصبها، وكان منها منجنيقٌ ضخم خاصٌ بِالخليفة تُعرف بِـ«العروس»، قيل أنَّ نصبه احتاج إلى خُمسُمائة رجل. وكان في وسط الديبُل معبدٌ بوذيٌّ كبير فيه تمثالٌ هائلٌ لِبوذا (المعروف في المصادر الإسلاميَّة بِـ«البُدّ») بلغ ارتفاعه أربعين ذراعًا، وكان لِلمعبد قبَّة عالية تُرفرف عليها راية خضراء ترتفعُ أربعون ذراعًا أيضًا، ولِلراية هذه أربعةُ ألسُنٍ تتطايرُ في الهواء. حاصر المُسلمون الديبُل وأخذوا يقذفونها بِالحجارة والنيران، وقاتلوا حُماتها بِشدَّة، فخرجوا إليهم ولكنَّهم انهزموا ورُدُّوا إلى البلد. وكان لِمنجنيق العروس أثره البالغ في النيل من الروح المعنويَّة لِلمُدافعين، حيثُ كسرت إحدى قذائفه دقلًا كبير الحجم كان يحملُ رايةً حمراء. ويُروى أنَّ مُحمَّد بن القاسم دعا أمير جُند منجنيق العروس، وهو جُعُونة بن عقبة السُّلمي، وقال له أنَّهُ سيُعطيه عشرة آلاف درهم إن كسر رأس معبد البُدّ وعمود الراية التي تُرفرف فوقه، وفي اليوم التاسع من الحصار استدعى مُحمَّد بن القاسم جُعُونة المنجنيقي وأعطاه الأوامر بِضرب المعبد والعدوّ، كما أنَّهُ هيَّأ الجيش لِلقتال، على أن يبدأ الرُماة أولًا ثُمَّ يرميهم الفُرسان. وبدأ جُعُونة بِضرب المعبد بِالمنجنيق، فرماه بِالحجر الأوَّل فطارت رايته وبعض قاعدته، ثُمَّ رمى الحجر الثاني فأصاب قبَّة المعبد فانهارت تمامًا، وفي الحجر الثالث أصبح أنقاضًا مع الأرض سواء، ثم قُرعت الطُبُول في الديبُل، وبدأ هُجُوم الجيش الإسلامي هجمةً واحدة، وثلم المنجنيق سور الديبل فوصل المُسلمون إلى أعلى السور وأبراجه، ورفعوا راية التوحيد في أعلى قلعة المدينة مكان الراية الحمراء، وبِهذا أصبحت الديبُل أوَّل حلقة في سلسلة مُدن وادي السند التي فتحها المُسلمون. ويُروى أنَّ «جاهين بن برسايد راوت»، والي الديبُل، ألقى بِنفسه من سور الحصن وفرَّ هاربًا، وسارع أهل المدينة إلى طلب الأمان، وتوجَّه مُحمَّد بن القاسم إلى السجن الذي ضمَّ الأسرى المُسلمين الذين قُبض عليهم في الغارة البحريَّة، فحرَّرهم ووضع بدلًا عنهم مجموعة من قراصنة الديبُل. ويُقال أن سجَّان المُسلمين كان شخصًا يُدعى «قيله بن مهترائج»، وهو رجلٌ عاقلٌ داهية عُرف بِالأدب والكتابة البارعة وفعل الخير، فلمَّا حرَّر مُحمَّد بن القاسم الأسرى سألهم عن كيفيَّة مُعاملته إيَّاهم، فقالوا أنَّهُ لم يُعاملهم إلَّا بِطيبةٍ خالصة، وكان يُواسيهم دائمًا، فالتفت القائد المُسلم إلى قيله المذكور وعرض عليه الإسلام، فقبل ونطق بِالشهادتين. بعد ذلك فرز مُحمَّد بن القاسم الغنائم والعبيد، فأرسل خُمسُها إلى الخزانة العامَّة وبيت المال عند الحجَّاج، ثُمَّ وزَّع ما بقي على المُجاهدين والمُقاتلين حيثُ أعطى كُل فارس ضعف سهم راكب الجمل أو الماشي، ثُمَّ رتَّب أُمُور المدينة وأهلها، وأنزل فيها أربعة آلافٍ من المُسلمين، وبنى مسجدًا، فكان أوَّل مسجدٍ بُني في هذه المنطقة، وعيَّن وداع بن حميد البحري عاملًا عليها وأوصاه بِأن يترك قيله بن مهترائج سالف الذِكر يقوم بِأعمال الحسابات والنفقات ويمسك سجلَّات الديوان، وخرج يُريدُ مدينة النيرون.

المصدر: wikipedia.org