اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت التطورية الجديدة الأولى في سلسلة من نظريات التطور متعدد المسارات الحديثة. ظهرت في ثلاثينيات القرن العشرين وتطورت بشكل واسع في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية كما أُدخلت في كل من علمي الأنثروبولوجيا والاجتماع في ستينيات القرن الماضي. تركز نظرياتها على الأدلة المستمدة من التجربة من جوانب علوم الآثار والأحافير والتأريخ، وتحاول إلغاء أي إشارات إلى أنظمة من القيم، بصرف النظر عن كونها قيمًا أخلاقية أو ثقافية، إنما تحاول البقاء على الحياد وأن تكون وصفية ببساطة.
في حين بينت تطورية القرن التاسع عشر كيفية تطور الثقافة من خلال إعطاء مبادئ عامة لعمليتها التطورية، صرف دعاة توجه الانصراف التاريخي نظرهم عنها باعتبارها ’وحيدة العلوم’ في أوائل القرن العشرين. كان مفكرو التطورية الجديدة هم من أعاد التفكير التطوري كما طوروا هذا التفكير ليجعلوه مقبولًا لعلماء الأنثروبولوجيا المعاصرين.
ترفض التطورية الجديدة الكثير من أفكار التطورية الاجتماعية التقليدية، خصوصًا مبدأ التطور الاجتماعي الذي كان مسيطرًا إلى حد بعيد في النظريات السابقة المتعلقة بعلم الاجتماع والتطور. ترفض التطورية الجديدة حجة الحتمية وتقدم مبدأ الاحتمالية، مشيرة إلى أن الحوادث غير المتوقعة والإرادة الحرة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على عملية التطور الاجتماعي. تدعم التطورية الجديدة أيضًا مفهوم التاريخ المغاير، لتسأل «ماذا لو؟» وتأخذ بعين الاعتبار كثيرًا من الطرق الممكنة التي كان من الممكن للتطور الاجتماعي أن يسلكها أو لا يسلكها، وبالتالي تسمح بوجود حقيقة تطور الثقافات المختلفة بأشكال مختلفة، حتى أن بعضها قد يجتاز مراحل كاملة كانت ثقافات أخرى قد مرت بها. تؤكد التطورية الجديدة على أهمية الدليل المستمد من التجربة. في حين تستخدم نظرية التطور الثقافي من القرن التاسع عشر أحكامًا تقييمية وافتراضات من أجل تفسير المعطيات، تعتمد التطورية الجديدة على المعلومات القابلة للقياس من أجل تحليل عملية التطور الاجتماعي الثقافي.
حاول ليزلي وايت مؤلف كتاب تطور الثقافة: تقدم الحضارة حتى سقوط روما المنشور عام 1959 وضع نظرية تفسر تاريخ الإنسانية بأكمله. العامل الأهم في هذه النظرية هو التكنلوجيا. نقتبس من الكتاب قولًا مميزًا له هو: تكون الأنظمة الاجتماعية محكومة بالأنظمة التكنلوجية، مما يقارب النظرية السابقة للويس هنري مورغان. يقترح وايت معيارًا جديدًا لتقييم تقدم المجتمع هو مقدار الطاقة التي يستهلكها هذا المجتمع، ويميز بالتالي بين خمس مراحل مختلفة للتطور البشري. في المرحلة الأولى، يستخدم البشر طاقة عضلاتهم الخاصة، وفي المرحلة الثانية يستخدمون طاقة الحيوانات المستأنسة، وفي الثالثة يستخدمون طاقة النباتات (يشير وايت هنا إلى الثورة الزراعية). في المرحلة الرابعة يتعلمون توليد الطاقة من المصادر الطبيعية مثل الفحم والنفط والغاز الطبيعي. في المرحلة الخامسة والأخيرة يتمكن البشر من حصد الطاقة النووية.