اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وتستمر السخرية في مقالاته، فيقول : كان لنا –ونحن شبان- رجل ساذج لم يعرف سوانا. كأنما قد هبط علينا من السماء. وكان الواحد منّا يذكر معارفه أو يصف القرية التي هو منها، أو يقُصّ علينا مغامراته، أو يحدّثنا بمعاشقه، ويعرض ماعسى يكون مُحتفظاً به من خصلة شعر أو منديل أو نحو ذلك، وهو واجم كئيب لا يفتح فمه. وكان يخشى ركوب الماء ويجزع من اضطراب الزورق على متنه.... لذلك أنشده قصيدة لابن الرومي يصف فيها ما لقي في البرّ والبحر من المخاوف .فلما قال: وأيسر إشفاقي من الماء أنني أمر به في الكوز مر الجانب وأخشى الردى منه على كل شارب فكيف بأمنيه على مر راكب فصفق الرجل وتحمس وقال إن هذا "رجل عاقل". وعندما طلب الرجل منه أن يعرفه على ابن الرومي، قدّمه إلى شيخ وقور كثّ اللحية إلّا أنه أحمق سريع الغضب 145. فخرج الرجل من مجلسه وقد أصابته عكازة الشيخ على رأسه وركبته. ويستمر المازني في الدعابة في مواقفه مع هذا الرجل لكن هذه المرة أفضت إلى مأساة أو ماهو في حكمها. أوهم –هو وأصدقائه- ذاك الرجل أن هناك فتاة تعمل في "بار" تحبه.وكانوا يأتون بقليل من الفستق أو الشكولاته بزعم أنها هدية من تلك الفتاة. كان الرجل يخجل من مخاطبة الرجال الأغراب فكيف بالنساء؟ فأخذوا يثنوا على جمالها ويصفوا مفاتنها، فيشرق وجهه وتومض عيناه. ومازالوا يحثّوه على استعمال إشارات الحب من غمازات وما إلى ذلك، فصار يدخل البار ومعه طاقة من الورود ما بين حمراء، رمز الحب المتقد، وبيضاء عنوان الطهر والعفاف، وصفراء للدلالة على ما اصاره إليه السهر والبكاء واللهفة من ذبول لونه.... لم يستمر الوضع كما كان يظن المازني ورفاقه حينما قاموا بفعلتهم من أجل الضحك والمتعة والدعابة والسخرية من ذلك الرجل، لكن الحب خلق شخصاً جديداً واسعفت السذاجة الحب واعانته على الاستبداد بنفسه. فأخبره الرجل أنه خطبها لكن من الخير لها ألا يتزوجها، وأكمل : " نعم أنا مغفل ولم أكن قط أجهل ذلك. وأنت تعلم إني أحبها وقد خاطبتها في الزواج. فكانت كريمة جداً مؤدبة جداً. لم ترفض ولكنها لم تقبل أيضاً. والحق أقول يا صاحبي. لم يسعني إلا أن أصارحها بأني..بأني كما تعلم مغفل، وأنها تكون أسعد لو تزوجت رجلاً..رجلاً..غير مغفل..يجب – مادمت أحبها- أن أقدم خيرها على رغبتي... ومنذ ذلك الوقت لم يضكوا من ذلك الرجل طيب القلب المسكين أبداً.