اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الأفوه بن عمرو بن مالك الأودي المذحجي (176 ق هـ - 450م / 68 ق هـ - نحو555م): شاعر، ويعد من أشهر حكماء العرب. وكان من سادات العرب وفرسانها في الجاهلية، قال محمد بن السائب الكلبي: «كان الأفوه من كبار الشعراء القدماء في الجاهلية ، وكان سيد قومه وقائدهم في حروبهم، وكانوا يصدرون عن رأيه». لقب بالأفوه لأنه كان مفوهًا مجيدًا، قال ابن جني: «رجل مفوه إذا أجاد القول؛ لأنه يخرج من فيه، ومنه الأفوه الأودي».وكان من أهل سرو مذحج، وانتهت إليه إمرة مذحج كلها. وقد جعله جرجي زيدان على رأس الأمراء الشعراء.
شهد الأفوه يوم رَوْضَةُ السُّلّانِ وكانت لهم الغلبة على بني نزار، وفي حربها قُتل ربيعة بن الحارث التغلبي. وكان يوم سلان سببه أن ربيعة والشماليون كانوا يدينون بالولاء لملوك اليمن، ثم تمّردوا نتيجة الظلم، فأرسلت السلطة الجنوبية حملات لتأديب الثائرين والمتمردين، وامتدت تلك الحملات بين عامي (488م - 491م). وفي عام 492م، حشد عرب الشمال قبائلهم في مواجهة الظلم، فقدم سلمة بن الحارث الكندي في جيوشٍ من قبائل كندة ومذحج بغرض التأديب، وكان الأفوه الأودي مُؤمّرًا على مذحج. والتقى الطرفان في جبل خزاز، وقاتلت القبائل النزاية قتال المظلوم، فأنتصروا. وأصيب الأفوه بجراحات، وله فيها قصيدتين. قال أبو زياد الكلابي: «يوم خزاز أعظم يوم التقت فيه العرب في الجاهلية وأنه أول يوم استنصفت فيه نزار من اليمن».
أكثر قصائد الأفوه في الفخر والحماسة، وكانت العرب تعده في شعراء الحكمة، وحكمه في معظمها وعظية، يغلب عليها التقرير وإن كان بعضها صادراً عن معاناة وانفعال عنيفين، يبدو فيها الألم لما حلّ بقومه من التنابذ والفرقة، فتراه يدعوهم إلى الوحدة كما يدعوهم إلى العلم والأخلاق ويبين لهم نتائج الفوضى وسيادة الجهل وضياع الرأي الحكيم.
وذات مرة قتل بنو عامر رجلا أو جماعة - ربما كانوا قافلة تجارية - فشن الأفوه حملة على بني عامر، فأصاب منهم وزاد، ثم أعطاهم دیات من قتل منهم. قال الشاعر محمد سعيد جرادة : «ومن شعر الأفوه الأودي الذي يمثل أخلاق الفروسية وأعرافها قوله حين دفع دیات قتلاه من بني عامر»:
وذات مرة قام الأفوه الأودي بتوجيه حملة على قبيلة عامر بن صعصعة في نجد، بسبب وقوع ما استوجب ذلك، وكان ينوي المسير بنفسه إلا أنه مرض مرضا شديدة، فوجه الحملة بقيادة زيد بن الحارث الأودي، وأقام الأفوه حتى أفاق من وجعه بينما - كما جاء في الروايات - مضى زید بن الحارث الأودي حتى لقي بني عامر بن صعصعة في تضارع - وجاءت بنو كعب أو كلاب تضارع وعليهم عوف بن الأحوص بن جعفر بن کلاب. فقال لهم بنو عامر: ساندونا فما أصبنا كان بيننا وبينكم، فقالت بنو أود: لا والله حتى نأخذ بطائلتنا - وكان قد أصيب رجل من أود - فقام أخو المقتول وهو رجل من أود فقال: يا بني أود والله لتأخذ بطائلتي أو لأنتحين على سيفي. فاقتتلت أود وبنو عامر فظفرت أود وأصابت مغنما كثيرًا، فقال الأفوه الأودي في ذلك:
للأفوه الأودي ثلاث قصائد تعد من أهم القصائد العربية، وهي قصيدة (إِنْ تَرَيْ رَأْسِيَ فِيهِ قَزَعٌ ..) والتي قال عنها ابن قتيبة: «هذه القصيدة من جيد شعر العرب».والقصيدة السينية (.. الشرُّ لا يُفْنيه ضَرْح الشَّموس) التي قال القاضي أحمد شاكر في هامش ابن قتيبة : «إنها قصيدة من عزيز الشعر ونادره» وهي أربعة وثلاثون بيتا. وقصيدة (لا يَصلُحُ الناسُ فَوضَى لا سُراةَ لهُم..) وهي من أشهر القصائد التي تناقلتها الأجيال. وتلك القصائد الثلاث هي أعلى شعره.
الدالية هي قصيدته المشهورة، التي تعد من حكمة العرب، وآدابها، وفيها قواعد الحكم والسياسة. وقد وجهها الأفوه هجاءاً إلى معاشر من قومه لم يسهموا في بناء أمجاد قبيلتهم، بل قادهم الغي والجهل إلى إفساد سمعة عشيرتهم، وإلى إضعاف منزلتها، ورأى أنهم نذير شؤم بهلاك قومهم، وذلك في قوله:
ومما يدل على علو مكانة تلك القصيدة ما جاء في كتاب الأغاني عن حماد الرواية قال: «استقدمني هشام بن عبد الملك في خلافته وأمر لي بصلة سنية وحملان فلما دخلت عليه استنشدني قصيدة الأفوه الأودي: لنا معاشِرُ لم يَبْنُوا لقومِهِمُ .. فأنشدته إياها».
من جيّد شعر العرب، ونهى النّبي صلى الله عليه وسلم عن إنشادها لما فيها من ذكر إسماعيل عليه السلام:
أجمع المؤرخون أن الأفوه توفي في الربع الثالث من القرن السادس الميلادي، فلويس شيخو يرى أنه توفى نحو سنة 570م، وذهب الزركلي لقوله. بينما رجح عمر فروخ أن تكون وفاته سنة 560م. أما محمد صادق الكرباسي فقدر وفاته سنة 555.ومما يدل على أن زمانه كان قبل المبعث بزمن قليل هو أن قريبه عبد الرّحمن بن النّعمان بن يزيد بن قيس بن سلمة بن الأفكل، ممن حضر الفتوح من مذحج في خلافة عمر ونزل الكوفة. وبين عبد الرحمن والأفوه جدين في سلسلة النسب، فالأفكل هو جد الأفوه الثاني أو الثالث، بينما الأفكل هو الجد الرابع لعبد الرحمن بن النعمان.
وقد أورد السجستاني في كتاب المعمرون والوصايا وصية للأفوه الأودي أوصى بها أولاده وعشيرته، وقال الأفوه في وصيته:«إن التجربة علم، والأدب عون، والكفّ عن ذلك مضرّة. وليكن جلساؤكم أهل المروءة والطلب لها، وإياكم ومجالسة الأشرار، فإنها تعقب الضغائن، والرفض لهم من أسباب الخير. والحلم محجزة عن الغيظ، والفحش من العيّ. والغيّ مهدمة للبناء. ومن خير ما ظفرت به الرجال اللسان الحسن. وفي ترك المراءِ راحة للبدن. فلينظر كل رجل منكم إلى جهته، فإن العجب كبر، والكبر قائد إلى البغض، واشنأوا البغي، فإنه المرعى الوخيم. واستصلحوا الخلل، وتحاموا الذُّلّ».