اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يقسم لوك العمليات الذهنية إلى أنواع عديدة تبعاً لنظريته حول الأفكار البسيطة والأفكار المركبة. فهناك عمليات ذهنية مرتبطة بالأفكار البسيطة، أولها الإدراك الحسى، وهو أول مرحلة في التفكير. وعلى الرغم من أن الإدراك الحسى perception عملية ذهنية تتضمن التفكير، إلا أنه ليس تفكيراً بالمعنى الحرفى للكلمة، إذ لا ينطوى على الفاعلية والنشاط بل يتضمن السلبية والتلقائية، أى أن الإدراك الحسى هو التفكير السلبى الذي يقتصر على تلقى الإحساسات كما هي دون أن يتعامل معها بالربط بينها ودون أن يكتشف فيها أى علاقات( 25). وعلى الرغم من أن الإدراك الحسى ملكة سلبية متلقية، إلا أن لوك يضيف إليه شيئاً من الفاعلية، وبذلك لا تكون سلبية تماماً، فغالباً ما يتم تعديل الإحساس عن طريق فعل تلقائى للذهن. فالأشياء البعيدة تبدو صغيرة، وعلى الرغم من ذلك يعرف الذهن أنها ليست صغيرة كما تبدو لأنها سوف تظهر بحجمها الحقيقى عندما تقترب. هذا التعديل للإدراك الحسى يتم بتلقائية وبدون وعى كامل من الذهن، ولأنه تعديل تلقائى غير واعى فإن لوك لا يلحقه بأى ملكة أعلى من الإدراك الحسى نفسه. وتعديل الإدراك الحسى هذا يسميه لوك حكماً judgment قاصداً منه أن عملية الإدراك تنطوى في ذاتها على حكم، وهو حكم عقلى، لأن العقل يحكم على الشئ البعيدة الصغير بأنه كبير في حقيقته على الرغم من الصغر الذي يبدو عليه( 26). وعلى الرغم من أن الحكم فعل عقلى إلا أنه لا يتضمن نشاطاً مقصوداً كملكة الفهم بل هو فعل تلقائى لملكة الإدراك الحسى. ومعنى هذا أن هناك حكماً يقع في نطاق الإدراك الحسى السلبى، وهذا النوع من الحكم سابق في وجوده وأولويته على الحكم بالمعنى المعرفى الإبستمولوجى الذي يقوم به الفهم. والحقيقة أن هذه الفكرة تعد من إنجازات لوك الكبرى، ذلك لأن النظريات السابقة عليه في المعرفة كانت دائماً ما تنظر إلى الحكم على أنه فعل للفهم والعقل فقط، أما لوك فقد اكتشف وجود الحكم في مستوى الإدراك الحسى نفسه، وهو يعد حكماً من نوع مختلف عن حكم الفهم والعقل. وثانى عملية ذهنية يقوم بها العقل بعد الإدراك الحسى هي الاستبقاء retension وهي الاحتفاظ بالأفكار البسيطة التي تلقاها العقل من الإحساس، ويتم هذا الاحتفاظ بطريقتين: الانتباه إلى هذه الأفكار ذاتها كما هي موجودة في العقل contemplation، والذاكرة memory أى الاحتفاظ بالأفكار البسيطة في الذاكرة بعد أن تكون الإحساسات التي أنتجتها قد غابت عن أعضاء الإحساس. والذاكرة هي القوة التي نستطيع بها إحياء الأفكار في الذهن بعد أن غابت إحساساتها. ويطلق لوك على الذاكرة اسم «مخزن أفكارنا». وقوة الذاكرة هذه ضرورية ولا غنى عنها للتفكير، ذلك لأنه بفضلها لا تختفى الأفكار مع اختفاء الإحساسات التي أنتجتها بل تظل محفوظة فيها حتى يتم إنعاشها مرة أخرى. والملاحظ أن لوك في هذا السياق لم يميز بوضوح بين احتفاظ الذاكرة بالأفكار وإعادة إنعاشها بتذكرها مرة أخرى( 27)، ذلك لأن القدرة على الاحتفاظ في الذاكرة مختلفة عن القدرة على تذكر هذه الأفكار وإنعاشها مرة أخرى. ومعنى هذا أن في الذاكرة قوتين متمايزتين، قوة الحفظ وقوة التذكر أو إعادة التفكير في الأفكار السابقة. قوة الحفظ قوة تلقائية سلبية لأنها تتلقى الأفكار فقط وتخزنها، وهذا لا ينطوى على أى فاعلية نشطة أو مقصودة للذهن، أما قوة التذكر وإعادة إحياء الأفكار مرة أخرى فهى قوة فاعلة نشطة تتم عن قصد. والحقيقة أن هذا التمييز بين قوتين في الذاكرة سوف يقوم به كانط بعد لوك بأكثر من قرن، وسوف يؤكد عليه هوسرل بعد كانط بأكثر من قرن أيضاً. ثم يشرح لوك بعد ذلك عدداً من العمليات الذهنية التي تشتغل على الأفكار البسيطة وهي كلها تنطوى على التعرف الدقيق والواضح على هذه الأفكار، وهو يجعل كل هذه العمليات تنتمى إلى الإدراك الحسى لأنه بدونها لن يحصل العقل على صورة دقيقة عن الأشياء. هذه العمليات هي الفصل والتمييز discerning / distinguishing. فإذا لم يتمكن الذهن من إقامة فصل وتمييز بين الإحساسات وما يقابلها من أفكار بسيطة فلن يكون لديه إدراك حسى كامل ودقيق، مثل الفصل والتمييز بين الإحساسات المتناقضة: الحرارة والبرودة، والحلاوة والمرارة، والكبير والصغير ... الخ( 28). ثم تأتى بعد ذلك عمليات المقارنة والدمج والتسمية comparing / compounding / naming. عن طريق المقارنة يميز العقل الامتداد والدرجات، فهو يدرك الأطول والأقصر عن طريق المقارنة على أساس الامتداد، ويدرك درجات اللون الواحد على أساس المقارنة بين الألوان عن طريق الدرجات اللونية، ويدرك الترتيب بين السابق واللاحق عن طريق المقارنة على أساس الزمان أو المدة، ويدرك العلاقات المكانية عن طريق مقارنة الأشياء بعضها ببعض حسب المكان. ويعد فعل المقارنة من الأفعال الهامة للغاية عند لوك لأنه هو القوة التي تنتج في الذهن أفكار العلاقة relation( 29 )، فالدرجة والزمان والمكان كلها أفكار عن علاقات، أما الدمج فهو جمع وإضافة أفكار من نفس النوع إلى بعضها، مثل إضافة عدد إلى عدد للوصول إلى مجموعهما، أو مد خط مستقيم للحصول على خط أطول ... الخ، أو الدمج بين عدد كبير من الأشجار للحصول على مفهوم الغابة. والتسمية هي وضع كلمة أو علامة صوتية ذات معنى تشير إلى مجموعة من الأشياء بينها شئ مشترك، مثل تسمية مجموعة من الأشجار بالغابة، أو تسمية مجموعة من الأغنام بالقطيع، أو تسمية مجموعة من الزهور والنباتات بالحديقة، أما آخر عملية ذهنية يشرحها لوك تحت ملكة الإدراك الحسى فهى التجريد abstraction وهي إدراك العام والمشترك بين أشياء متشابهة في صفة ما ووضع اسم عام لها، مثل إدراك البياض الذي هو صفة تجمع الأشياء البيضاء، وإدراك الشكل الكروى الذي يجمع أشياء تتصف بهذا الشكل مثل الشمس والقمر وكرة القدم. ومن الملاحظ أن التجريد هو أعلى العمليات الذهنية التي تقع في نطاق الإدراك الحسى، فبدون التجريد لن يصبح الإدراك الحسى كاملاً ودقيقاً( 30). لكن التجريد هو في نفس الوقت أول عملية ذهنية تنتمى لملكة الفهم، ومعنى هذا أن التجريد هو الصفة الحقيقة التي ينتقل بها الذهن من الإدراك الحسى إلى الفهم، وهو أيضا ًأول عملية يستطيع بها الفهم الوصول إلى الأفكار المركبة، ذلك لأن الأسماء العامة والتصورات والمفاهيم المجردة أفكار مركبة. لكن يصر لوك على اعتبار أن التجريد عملية ذهنية تعمل في نطاق الإدراك الحسى والفهم معاً، فهو قوة إدراك وقوة فهم في نفس الوقت، قوة تتعامل مع الأفكار البسيطة وبذلك تكون منتمية إلى الإدراك الحسى وكامنة في نطاقه، وقوة تنتج الأفكار المركبة وبذلك تكون منتمية في نفس الوقت إلى ملكة الفهم، ذلك لأن التجريد يعد من أولى العمليات الذهنية التي يقوم بها الفهم.