اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تراجعت قوة مملكة أكسوم في القرن السادس الميلادي نتيجة صُعودِ دولٍ إقليميةٍ أخرى في القرن الأفريقي. كما وَاصَل العُلماء المُعاصرونَ مُناقشة هُوِيَة ومَصْدر الشّخصية الأُسطوريّة أو شِبهُ الأسطوريّة جوديت التي تعود إلى القرن العاشر الميلادي، وهي المَلكةُ التي أطاحت بمملكة أكسوم وفقًا للاعتقاداتِ التقليديّة. كما وتوجد أُسطورةٌ في وقائع القرن الثالث عشر الميلادي للراهب تيكلي هايمانوت، الذي وثّق كتاباتٍ تاريخيةٍ من مختلف الكنائسِ والأديرةِ الإثيوبية وتزعم الوقائع أن تلكَ الملكةَ كانت قد تزوّجَت بعد نفيها من أكسوم، من ملكٍ يهوديٍ في سوريا واعتنقت الديانة اليهودية. إلا أنَّه كانَ لكاتب أدب الرحلات الإسكتلندي «جيمس بروس» وِجهةُ نظرٍ أخرى حيث شكّك في هذه الحكاية وَاعْتَبَر أَنَّهَا مُجَرَّدُ مَلكة يهودية. كما افترضَ كارلو كونتي رُوسِّيني أنها كانت من شعب سيداما في مملكة داموت ، فِي حين قال ستيفن كابلان أنها كانت غازيةً غير مسيحيةٍ وأكدّ المؤرّخ «كنود تيغي أندرسون» أنّها كَانَتْ أحَدَ الأَعْضَاء المُنْتَظَمين في البلاط الملكي في مملكة أكسوم واستولت على العرش بذكاء.
كما بدا المؤرخ «كنود تيغي أندرسون» مجاريًا لأسطورةٍ أخرى تدّعي أنّ ديل نعود الملك الأخير من ملوك أكسوم، أبقى على ابنته «ميسوب ويرق» في عُزلة خوفًا من نبوءةٍ تقول أنّ ابْنَها سَوفَ يُطيح بعَرشهِ، وَمَعَ ذَلك هربت «ميسوب ويرق» برفقة مار تقلا حيمنوت والذي في نهاية المطاف قتل آخر ملوك أكسوم في مبارزة، وَتَوَلّى العرش وأسس سلالة زاغو. ولا تزال هذه الفترة واحدةً من أكثرِ الفتراتِ التي لم يفهمها التاريخُ المسجل لإثيوبيا فهما ًجيدًا. وما هو معروفٌ أن ملوك زاغو الأوائل كانوا ملوكًا مُتعدّدي الآلهة، وتَحولوا في نهاية المطاف إلى المسيحية، وحكموا المرتفعات الشمالية لإثيوبيا، في حين كانت السلطنات الإسلامية تسيطر على الأراضي الإثيوبية الساحلية المنخفضة.
أصبح الإمبراطور يكونو أملاك الذي حكم بين عامي 1270 – 1285 م، أوَّل إمْبَراطور على إثيوبيا عندما أطاحت قُوّاته بسلالة زاغو عام 1270 م، وأنشأ أجيالًا متعاقبةً من حُكام السُلالة السُليمانيّة استمرت حتى القرن العشرون الميلادي. وبحلول هذا الوقت صَارَتْ اللغة اليونانية -التي كانت اللغة المحورية في أعمال الترجمة في الأدب الإثيوبي- لغةً مهمشةً واختلطت الترجمات مع نظيراتها في القبطيّة والعربيّة. وَساهم ذلك في التأسيسِ لعملية ابتكر من خلالها المؤرخّون الإثيوبيون في العصور الوسطى تقليدًا تأريخيًا جديدًا منفصلًا إلى حدٍ كبيرٍ عن مَجموعةِ نُصوصِ مملكة أكسوم القديمة. كما أعلن الملوك السليمانيون عن وجود صلة مباشرة بَيْنَهُم وَبَيْنَ ملوك أكسوم وَعَزَوْا نَسَبَهُم إلى سُليمانَ بن داوود وَبلْقِيس مَلِكَةِ مملكة سبأ الواردة في الكتابِ المقدسِ اليهودي. شكلت هذه التقاليدُ الأنسابيّةُ أساس كتاب كيبرا ناغاست، الذي يُعتبر عَمَلًا أدبيًّا إثيوبيًا أساسهُ نَصُّ اللغة الجعزية التي نشأت في الأصل من اللّغةِ القبطيّة واللغة العربيّة في وقت ما بين القرن العاشر الميلادي والقرن الثالث عشر الميلادي. ويَعودُ شكلُ الكتابِ الحاليّ إلى القرن الرابع عشر الميلادي، حيث تَضمّن رواياتٍ أُسطوريةٍ وتاريخيةٍ مُفصلةٍ تَتَعلّق بِإثيوبيا إلى جَانبِ خِطاباتٍ لاهوتيةٍ حولَ مواضيعَ في العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ. كما قارن المؤرخ «دي لورينزي» بَيْنَ مزيجٍ من الميثولوجيا المسيحيّةِ مع الأحداثِ التاريخيّةِ المرتبطة بأسطورة الملك آرثر وَالتي جُمّلَتْ وَزُيِّنَتْ بشكلٍ كبيرٍ من قبلِ رجلِ الدينِ الويلزي جيفري مونماوث في سيرته التاريخية تاريخُ مُلوكِ بَريْطانيا عام 1136 م. وَعَلى الرّغم من أنَّ كتاب كيبرا ناغاست كان قَد أَشَارَ إلى أنّ أبَاطِرة رُوما أو القُسْطَنطِينيّة وإثيوبيا كانوا بالفعلِ من سلالةِ الملك سُليًمان، إلَا أنَّه ثمّة هُنالِك شعورٌ معاد ٍ لليهودِ بشكلٍ قاطعٍ عُبّرَ عنهُ في عِدّة مواضِيعَ من الكتاب.
كانَ الشكلُ الأكثرُ شُيوعًا للتاريخ المكتوبِ الذي رَعَاهُ البلاطُ الملكيّ السليمانيّ هو سِيرة الحُكّام المُعاصرين، وَالذين كانوا وفي كثيرٍ من الأحيَانِ قَدْ أشَادَ بهِم كُتّاب السِّيرِ الذّاتية إلى جانبِ الإشادة بحكام السُّلالة السُليمانيّة. أُسِسَ هذا النّوع من السِّيرةِ الذّاتِية المَلكيّة في عَهدِ إمبراطور إثيوبيا أمدا سيون الأول الذي حكم بين عامي 1314 – 1344 م، والذّي لمْ تَسْرُد سِيرَتُه التّبادُلات الدِّبلوماسيّة والصّراعات العسكريّة مع القُوى الإسْلاميّة المُتنافسة في سلطنة عفت وسلطنة عدل، وعوضًا عنْ ذلك صَوَّرتْ الحَاكِم الإثيوبيّ على أنّه المشيحُ المُنْقِذ لأُمتِه. ولرُبَما توجدُ هنالك أصولٌ للتاريخ الأُسَري فِي سِيْرة بايدا مريم الأول ، والتي قَدّمت سَردًا عن حَياتِه وحياةِ أولادهِ، وعلى الأرجح أنَّ تدوينها كانَ على يَد مُعَلّم البلاط الملكي. إضافة إلى ذلك يؤكد المؤرخ «تيشال تيبو» أن مُؤرِّخي البَلاط الإثيوبيّ كانوا «متملقين محترفين»"" لملوكهم، عَلى حَدّ زَعْمِهِ، على غِرَارِ نُظرائهمُ البيزنطيّين اليونانيّين والإمبراطورييّن الصينيّين. وَعَلى سبيلِ المثالِ، تَتَحدّث السّيرةُ الذاتيةُ التي كُتِبَت بصُورَة مَجْهولةٍ للإمبراطور غيلاوديوس بين عَامي 1540 – 1549 م عن ذلك الحاكم وَتُظْهِرُه بصُورةٍ مُتَألّقَةٍ، وإنْ كانَ ذَلكَ بنَبرةٍ رِثَائِيّة بَينَما كانَت هنالك محاولات في تلك السيرة لوَضْعِهِ وَأَفْعَالَهُ في سياقٍ أخلاقيٍّ وتاريخيٍّ أعْظَم. وهنالك أيضا سِيرٌ تَقْديسِيَّةٌ لحُكَّام سلالة زاغو السابقين كانت قد أُلِّفت خِلال الحِقْبة السُليمانية. وعلى سبيل المثال، وفي عهد زرع يعقوب بين عامي 1434 – 1468 م كانت وَقائع ارتكزت على الإمبراطور جيبري مسكيل لاليبيلا قد صَوَّرَتْه على أنّه قِديسٌ مسيحيٌّ صَانعَ للمُعجزاتِ. وَمِنْ أجْلِ ضَمَانِ الحُصُولِ على شَرْعِيَة السُّلالة السُليمانيّة، ذَكرتِ الوقائعُ أيضًا أنَّ جيبري مسكيل لاليبيلا لم يَكُنْ رَاغِبًا في أن يَرِثَ وَرَثَتُهُ عَرْشَهُ.
كَتب المؤرخ هيرودوت في التأريخ اليونانيّ أوصافًا موجزةً عن الإثيوبيين القُدماء، الّذين ذُكِروا أيضًا في العهد الجديد. وعلى الرُّغم مِن أنَّ الإمبراطوريّة البيزنطيّة كانت قد حَافَظَت على علاقات منتظمة مع إثيوبيا خلال العصور الوسطى المبكّرة، إلا أن الفتوحات الإسلاميّة المُبكّرَة في القرن السابع الميلادي قَطَعت الصِّلة بين إثيوبيا وبقيّةِ العالمِ المسيحيِّ. وَشَجَّعت سِجلات العَلاقَاتِ التَّاريخيّةِ هذهِ الأوروبيين في القرون الوسطى لاستكشافِ ما إذا كانَت إثيوبيا كانت لا تزال مسيحيّة أو أنَّهَا اعتنقت الإسلام، وَهِي فِكْرةٌ عَزَّزَها تَواجُد الحُجّاج الإثيوبيّين في الأراضي المقدّسة والقُدْس خلال الحروب الصليبيّة. وخلال العصور الوسطى المتأخرة، قّادَت الغَزواتُ المغوليّة بقيادة جنكيز خان في الفترة الممتدة بين عامي 1206 – 1227 م الأوروبيّين إلى التكهّن بوجود مَلكٍ مُحاربٍ كهنوتيّ أسطوريّ يُدعى الكاهن يوحنّا، وَالذي كان يُعتقد أنَّه يَسْكن الأراضي البَعيدة في آسيا وَالمُرْتَبطَةُ بالنسطوريّة المسيحية وَأنَّه قد يُعِيْنُهُم على هَزيمةِ القُوى الإسْلاميّة المُنافِسَة. وَسَاعَدَ أدَبُ الرَّحَلات لماركو بولو وَ أودوريك الذي ارْتَبَطَ برحَلاتِهِمَا الفَرْدِيَّة إلى الصّين خلال القرن الثالث عشر الميلادي والقرن الرابع عشر الميلادي على التّوالي، وَكَذلك عَمِليّات البَحْث غَيْرِ المُثْمِرة عن الكاهن يوحنّا في جنوب الهند، على تبديد فكرة أن مملكة الكاهن يوحنّا كانت موجودة في آسيا. كما كَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ وَمُنْذُ فَتْرة طَويلةٍ أنْ تكونَ رِسَالةٌ ضَائِعَةٌ مِنْ عالمِ الخرائط جيوفاني دا كارينانو شاهدةً على البَعثة الدبلوماسيّة الّتي أَرسلها الإمبراطور الإثيوبي ويديم عراد إلى أوروبا اللاتينية عام 1306 م. غيرَ أنّ الأبْحاث التي أُجريت مُؤَخرًا كانت قد أشَارَت إلى أنّ هَذِه البعثة لم تَكُن ذَاتَ صِلَةٍ مَعَ إثيوبيا السُليمانية.
وَكَانَ المُبَشّر الدومينيكاني جوردانوس -أسقف أبرشية كويلون للرّومان الكاثوليك على طول ساحل مالابار في الهند- مِنْ أوَائِل المُؤلّفين الذين عُرِفَت إشارتهم إلى إثيوبيا عَلى أنَّهَا موقع مملكة الكاهن يوحنّا عام 1324 م، وذلك في كتابه «الأعاجيب». كما قام التاجر الفلورنسي «أنطونيو بارتولي» بزيارة إثيوبيا بدءًا مِن عام 1390 م حتّى حوالي عام 1402 م عندما عاد حينها إلى أوروبا بصُحبَةِ دبلوماسيين إثيوبيين. وأعْقَب ذَلك إقامة «بيترو رومولدو» المطولة في إثيوبيا بين 1404 – 1444 م، وكذلك الدبلوماسيين الإثيوبيين الذين حضروا المجمع المسكوني في فلورنسا عام 1441 م، واللذين أَظْهَروا حينها بعضِ مشاعِرِ الغضبِ وَأعْربوا عَنْ اسْتيائهم أمَامَ الحُضور الأورُوبيين الذين كانوا مُصِرِّيْنَ على تَسْمِية إمبراطُورهم بالكاهن يوحنًا.، واستمر هذا الاعتقادُ سَائِدًا إلى ما بعد فترة العُصور الوُسطى المتأخّرة بفضْلِ إِرثِ التأريخ الأوروبيّ عَنْ حِقبة القُرونِ الوُسْطى. وَعَلى سَبيلِ المِثالِ، انطلقَ المُبشّرُ البُرتغاليّ فرَانْسِيسكو ألفاريس في رحلةٍ مُتَّجهًا صَوْبَ إثيوبيا عام 1520 م، معتقدًا أنه سيزور وَطَنَ الكاهن يوحنّا.
عادةً ما أُوتي على ذِكر إثيوبيا في بَعضِ أعْمَالِ التأريخِ الإسْلاميّةِ المرتبطةِ بشكلٍ وثيق بانتشارِ الإسلام. كما أَشَارَت المَصادِرُ الإسلاميّة إلى أنَّ ملك الأَكْسُوم أصحمة النجاشي كان قد وفر الحِمَايَة لصَحابة النَّبي مُحَمَّد عام 615 م في مملكة أكسوم، وَهُو الحَدَثُ المعروفُ باسم الهجرة الأولى «الهجرة إلى الحبشة». وفي تاريخه، حدّدَ العالم المُؤرّخُ أحمد بن واضح اليعقوبي عام 897 م، وَذَلك في حِقْبَةِ الخلافة العباسية أنّ الحَبَشةَ تَقعُ إلى الشِمَالِ من أراضي البربر والإشارة هُنا إلى الصومال وكذلك أرض الزنج «أو السُّود». كَما دوّن المؤرخ المملوكي ابن فضل الله العمري أن دَولة بالي التّاريخية، المُجاورةِ لسَلطنَة هَادية جَنوبيّ إثيوبيا، كانت جُزءًا من كونفدرالية زيلع الإسلاميّة، كما أنهّا وَقَعَتْ تَحتَ سيطرةِ الإمبراطوريّة الإثيوبيّة عام 1330 م، في عهد أمدا سيون الأول إمبراطور إثيوبيا. كما دوَن المؤرخ تقيُّ الدَين المقريزيَ أن سُلطان عفت سعد الدين الثاني حَقَّق نصرًا ساحقًا على مسيحيّي أمهرة في مقاطعة بالي وسَلطنَة داوارو ، على الرّغم من تفوّقِهم العَدَدِيّ. كما وَصفَ انتصاراتٍ أُخرى يَزْعُم أنّها انتصاراتٌ هَامَةٌ حقَّقها السُّلطان جمال الدين الثاني سُلطان عدل عام 1433 م في مقاطعة بالي وَسَلطنَة داوارو أيضًا، حيثُ قِيلَ أنّ «جَمال الدّين» كَانَ قَد أَخَذَ مَا يَكْفي من الغنائم لتوزيعِهَا على رعيته كما أخذ معه الأسرى كعبيد. وَيقول المؤرخ «أولريش براوكامبر» أن هذه الأعمال من التأريخ الإسلامي -التي تُظْهِرُ النُفُوذ وَالوُجودُ العَسكريّ لسَلطنةِ عدل جَنوبي إثيوبيا- تميلُ إلى المُبالغةِ في التَأكِيدِ على أهَمّية الانتصاراتِ العسكريّةِ التي أدّت في أحْسنِ الأحوالِ إلى سَيطرةٍ إقليميةٍ مؤقتةٍ على مناطق مثل مقاطعة بالي .
وَصَفَ المُؤرّخ الأندلسيّ الحسن بن محمد الوزان الزياتي الفاسي الحبشة على أنَّهَا مملكة الكاهن يوحنّا، حيث كان حَبشِيّو الحَبَشَةِ خَاضِعِينَ لهُ. وقامَ بتحديدِ الأحباش كَمَجْمُوعةٍ واحدةٍ من خمْسِ مجموعاتٍ سكانيةٍ رئيسةٍ في القارة الإفريقية إلى جانب الأفارقة من الموريين والمصريين والعرب والكفريين .
كان التّواصُل بينَ الإمبراطوريّة الإثيوبيّة والإمبراطورية الصّينية مَحدودًا للغاية، وبصورةٍ غيرِ مباشرةٍ في أغلبِ الأحْيانِ، وَثَمَّة وُجودٌ لبعضِ المُحاولاتِ التأريخيّة والموسوعيّة الصينية في وَصْفِ أجْزَاءَ مُعيَّنة مِنْ إثيوبيا نفْسِها أو خارج المناطق التي كانت تُسيطِرُ عليها ذاتَ يوم. وَيؤكد «تشانغ شيانغ»، وهو باحث في العلاقات الأفريقية الصينية، أن بلد «دو لي» المَوصوفِ في فصل «شيو خوان» -بمعنى المناطق الغربية- من كتاب هان اللاحق، كَانَ بَلَدَ مِيْنَاء مملكة أكسوم في عدوليس. وَمِن هَذِه البَلَدِ أُرْسِل مَبْعُوثٌ إلى لويانغ، عَاصِمة أسرة هان الصينية حوالي عام 100 م. كما يَصِفُ كُلٌ مِنْ كتاب تانغ الجديد الذي صَدَرَ فِي القرن الحادي عشر الميلادي، وَكِتَاب ونشيان تونغكاو الذي صَدَرَ في القرن الرابع عشر الميلادي بَلَد النوبة التي كانت تسيطر عليه مملكة الأكسوم سابقًا على أنَّه أرضٌ صَحْرَاوِيَّة تَقَعُ جُنُوبي الإمبراطورية البيزنطية التي كانت موبوءة بالملاريا، كَمَا وَصَفَ سُّكَان إقليم «مو لين» الأصْلِيِّين على أنَّهُم ذَوُو بَشَرَةٍ سَوْدَاء وَيَأْكُلُوْنَ التمور الفارسية. وَفِي تَرْجَمَتِه الإنْجلِيْزية عَنْ هَذِهِ الوَثيْقَة، حَدَّدَ فريدريك هيرث «مو لين» ومملكة علوة وجارتها «لابوسا» ضِمْنَ مملكة المقرة، وَكِلْتَيْهُما وَاقِعٌ في النُوبة.
كَمَا وَصَفَ كِتَاب ونشيان تونغكاو الدّيَانَاتِ الرَّئيسَةِ فِي النُوبة، بمَا في ذَلك دِيَانَةُ الداقين أي المسيحيّة، ولا سيّما المسيحيّة النسطوريّة المُرتَبطَة بالإمبراطوريّة الرّومانيّة الشرقيّة، وَيَوْم الرَّاحة الذي يَحْدُثُ كُلَّ سَبْعَةِ أيَّامٍ لأتباعِ دِيَانَة الداقين وَقَصَد به أيضًا العَرَبَ المُسْلِمُون. اشتُقّت هَذه المَقَاطِع مِنْ أحَدِ كُتُب دو هوان الذي يَعُودُ تَاريْخُهُ إلى القرن الثامن الميلادي، وَهُو كَاتِبُ أدَب رَحَلاتٍ نَشُطَ فِي عَهْد أسرة تانغ الصينية التي حَكَمَت بَيْنَ عَامَي 618 – 907 م، واعتقلته القُوّات العبّاسيّة في معركة نهر طلاس عام 751 م، وَبَعد ذَلك زَار أجْزَاءَ مِنْ غربِ آسيا وشمالِ شرقِ أفريقيا. كَمَا أَشَارَ المُؤَرّخ «ولبرت سميدت» إلى إقْليْمِ «مو لين» عَلى أنَّه مملكة المقرة المسيحية في النُوبة. وَرَبَطَ إقليم «لابوسا» بالحبشة، مَا جَعَل مِنْ هَذا أَولَ نَصٍّ صِيني في وَصْفِ إثيوبيا. وَغَادَر دو هوان المنطقة عائدًا إلى وطنه من ميناء مملكة الأكسوم في عدوليس. بَيد أنّ النَشاط التِجاريّ بينِ إثيوبيا والصين خلال عهد أسرة سونغ في الفترة الممتدة بين عامي 960 – 1279 م أكَّده العُثورُ على عُمْلة سونغ الصينية في قرية «هارلا» التي تعود إلى القرون الوسطى، بالقرب من دير داوا في إثيوبيا. كما أرسلت سلالة مينغ الصينية التي حكمت بين عامي 1368 – 1644 م دبلوماسيين إلى إثيوبيا، حيث ارتادها التجار الصينيون أيضًا، وَكَان نطاق التجارة ضيقا جدا واقتصر على بعض التبادلات التجارية التي كانت تَتِمُّ بطريقة غير مباشرة مع البلدان الأفريقية خلال الحقبة المبكرة من عهد أسرة تشينغ بقيادة المانشو بين عامي 1644 – 1911 م، كما أشار الصينيون إلى أدَبِ الرَّحَلات المُدَوَّنِ عن الصِّين وتَاريخِهَا إلى شَرْق أفريقيا قبل إعادة إحياء العلاقات الدبلوماسية مع البلدان الأفريقية في القرن التاسع عشر الميلادي.