اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
نتيجةً لِانتصارات المُسلمين في البحر المُتوسِّط وسيطرتهم على القسم الأكبر من ثُغُور الحوض الشرقي لِهذا البحر، خشي الإمبراطور البيزنطي قنسطنس (قُسطنطين الثاني) من تعاظم القُوَّة البحريَّة الإسلاميَّة، والتي سوف تُشكِّلُ خطرًا مُباشرًا على الوُجُود البيزنطي في الحوض سالف الذِكر، بِالإضافة إلى تهديد القُسطنطينيَّة، كما ترامت إلى مسامعه أخبار الاستعدادات الضخمة، البريَّة والبحريَّة، التي يقوم بها مُعاوية لِغزو القُسطنطينيَّة، وتأكَّدت مخاوفه عندما أغارت بعض السُفن البيزنطيَّة على الإسكندريَّة وردَّتها سُفن المُسلمين بِقيادة والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح، الذي تبيَّن أنَّهُ أسَّس قُوَّة بحريَّة ضاربة تتكوَّن من عدَّة سُفن وجعل مركزها ميناء الإسكندريَّة. لِذلك، كان لا بُدَّ من مُواجهة الموقف بِتحطيم هذه القُوَّة الإسلاميَّة النامية في مهدها. وعندما علم الخليفة عُثمان بِنوايا البيزنطيين المُعادية، أمر مُعاوية بِإعداد أُسطُول ضخمٍ من السُفن، وبِحشد الجُنُود والعتاد إلى جانب حشدٍ بريٍّ ضخم، تمهيدًا لِتسيير حملةٍ بريَّة - بحريَّة، لِمُهاجمتهم. وتُشيرُ روايات المصادر إلى أنَّ مُعاوية خرج من دمشق مع أهل الشَّام في سنة 34هـ المُوافقة لِسنة 654م على رأس الحملة البريَّة، وأبحرت في الوقت نفسه السُفن من ميناء طرابُلس الشَّام بِقيادة بسر بن أبي أرطأة وانضمَّت إلى الأُسطُول القادم من مصر بِقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح. واجتمع الأُسطُولان بِساحل مدينة عكَّا، وانطلقا بِاتجاه الشمال. وبلغ تعداد الأُسطُول الإسلامي مائتيّ سفينةٍ ونيف. وصل مُعاوية بِقُوَّاته إلى قيصريَّة في قباذوقية بِآسيا الصُغرى، في حين كانت السُفن الإسلاميَّة تقترب من مياه الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، عند الساحل الجنوبي لِآسيا الصُغرى. ومن جهته خرج الإمبراطور البيزنطي من عاصمته على رأس أُسطُوله الذي تراوح عدد سُفُنه بين خمسُمائة وألف، بِحيث «لم يجتمع لِلرُّوم مثله قط مُنذُ أن كان الإسلام».
والتقى الأُسطُولان قُرب شاطئ ليقية عند ميناء فينيقية في شهر مُحرَّم سنة 34هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) سنة 654م. وخشي المُسلمون من أن تكون الغلبة لِعدُّوِّهم، إذ هالهم الأُسطُول البيزنطي، ولم يكن قد سبق لهم أن خاضوا معركةً بحريَّة ضدَّ أُسطُولٍ ضخمٍ كهذا. وقد عبَّر أحد المُقاتلين المُسلمين، وهو مالك بن أوس بن الحدثان النصري، عندما شاهد ضخامة الأُسطُول البيزنطي بِقوله: «فَالتَقَينَا فِي البَحْرِ فَنَظَرنَا إِلَى مَرَاكِبَ مَا رَأَينَا مِثلُهَا قَط». أجرى المُسلمون اتصالًا مع البيزنطيين قبل بدء القتال وعرضوا عليهم أن يكون القتال على الساحل، وإن شاؤوا فالبحر، ففضَّلوا القتال في الماء لِثقتهم بِقُدرتهم القتاليَّة في البحر من جهة، ونظرتهم إلى المُسلمين على أنَّهم بدو يُجيدون رُكُوب الجِمال والقتال في البر، من جهةٍ أُخرى. ونفَّذ الإمبراطور البيزنطي الذي قاد المعركة بِنفسه خطَّةً ذكيَّةً، لِإنهاك المُسلمين بِأن دفعهم لِرمي البيزنطيين بِالسِّهام والقسيّ حتَّى نفذت ذخيرتهم، ولم يُحاول الاقتراب بِسُفنه من السُفن الإسلاميَّة، فاضطرَّ المُسلمون عند ذلك بِقذفهم بِالرِّماح والحجارة. عند هذه المرحلة من أحداث المعركة اطمأنَّ الإمبراطور البيزنطي على سلامة وضعه العسكري، وظنَّ أنَّ الانتصار بات من نصيبه، وأنَّ البيزنطيين لن يحتاجوا إلَّا إلى هجمةٍ واحدةٍ حتَّى يُحطِّمُوا الأُسطُول الإسلامي، وردَّد قوله: «غَلَبَت الرُّوم». لكنَّ المُسلمين غيَّروا خطَّة القتال عندما نفذت ذخيرتهم، فربطوا سُفُنهم إلى بعضها واصطفُّوا على ظُهُورها مُتسلِّحين بِالسُّيُوف والخناجر، وقذفوا السُّفن البيزنطيَّة بِالخطاطيف والكلاليب وجذبوها إليهم، وبِذلك تحوَّلت ظُهُور السُفُن إلى ميدان قتال، فحوَّلوا بِذلك المعركة البحريَّة إلى معركةٍ أقرب ما تكون إلى المعارك البريَّة. وأمام هذا التغيير السريع والمُفاجئ في سير المعركة، ارتبكت القيادة البيزنطيَّة، وفقدت السيطرة على عوامل الانتصار، بل أيقن الإمبراطور حينئذٍ بِأنَّ الهزيمة ستحلُّ بِقُوَّاته من واقع أنَّ المُسلمين أكثر ثباتًا في قتالٍ من هذا النوع. استغلَّ المُسلمون تضعضع القُوَّة الميدانيَّة لِلبحريَّة البيزنطيَّة، والفوضى التي بدت في صُفُوف البيزنطيين حيثُ كانوا يُقاتلون على غير صُفُوف، فوثبوا إلى السُفن البيزنطيَّة وقاتلوا الروم قتالًا شديدًا، وانتصروا عليهم. وأُصيب الإمبراطور بِجراحٍ وفرَّ من مكان المعركة بِصُعُوبة. وعُرفت هذه المعركة بِـ«ذات الصواري»، ويُعتقد أنَّ سبب هذه التسمية يعود إلى كثرة عدد صواري السُفُن التي اشتركت في المعركة، على الرُغم ممَّا يُستدل من رواية الإمام الطبري بِأنَّ ذات الصواري اسمٌ لِلمكان الذي جرت فيه المعركة.
كانت هذه المعركة إحدى المعارك الحاسمة في التاريخ القروسطي، لِأنَّها حوَّلت العلاقات الإسلاميَّة البيزنطيَّة نحو اتجاهٍ جديدٍ في الحوض الشرقي لِلبحر المُتوسِّط، إذ إنَّها عُدَّت المدخل الذي أطلَّ منهُ المُسلمون على العالم كقُوَّةٍ بحريَّةٍ مُنافسةٍ في المنطقة. وكان من نتيجتها أن تخلَّى الإمبراطور البيزنطي قنسطنس ، ومن جاء بعده من الأباطرة، عن فكرة طرد المُسلمين من الأراضي التي فتحوها في شرقيّ البحر المُتوسِّط، والاكتفاء بِتأمين الدفاع عن الأراضي البيزنطيَّة في الجبهة الجنوبيَّة من آسيا الصُغرى، وضاعت من أيدي الروم آخر فُرصة لِاستعادة مواقعهم في الشَّام ومصر، حيثُ كان اعتمادهم على التفوُّق البحري.