اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أكدت الملكة الوصية ماريا كريستينا بحكم منصبها لرئيس الوزراء "الإصلاحي" المستبد سيا بيرموديز على مواصلة سياسة الاستبداد المستنير وأن يتجنب أي تغييرات سياسية عميقة من شأنها تنهي صلاحيات الملك المطلقة و"النظام التقليدي"، كما عبرت عن ذلك الوصية في 4 أكتوبر.
ولمواجهة جمود سيا برموديز، الذي اعتقد أن العفو قد أعطى ما يكفي من التنازلات لليبراليين، قام خافيير دي بورغوس وهو متفرنس قديم استلم منذ 21 أكتوبر وزارة الأشغال الجديدة، فرأس القطاع الحكومي رغبة منه بالذهاب أبعد في الانفتاح السياسي وإجراء "الإصلاح من فوق" وذلك بتفكيك عناصر النظام القديم دون المساس بالصلاحيات المطلقة للتاج عند تقديم نظام تمثيلي معين. ومن أبرز الأصلاحات التي قام بها خافيير دي بورغوس وما لها من أهمية تاريخية كبيرة للحكومة: وهي إعادة التقسيم الإداري لإسبانيا حيث صدر بمرسوم ملكي بتاريخ 30 نوفمبر 1833 والذي وضع "أسس الإدارة العامة الاسبانية التي من شأنها أن تخضع لمركزية الدولة الليبرالية".
لقد أصبح من الواضح أن الإصلاحات الإدارية فقط لن تكون قادرة على مواجهة تهديد الكارليين وعودة الليبراليين من المنفى، وذلك لأن الديون مع أسباب أخرى أدت إلى تزايد العجز في الخزينة مما ترتب على ذلك من زيادة في الدين العام . ففي 25 ديسمبر 1833 قام القبطان العام لكاتالونيا مانويل لاودر صاحب السياسة الوقائية في نزع سلاح المتطوعين الملكى - التي وصفها بأنها "الطبقة الأحقر في السكان" - وأخّر انضمام إمارة كاتالونيا إلى الثورة الكارلية، قام بإرسال بيانا حث فيه الوصية بعزل سيا برموديز لأنه عديم الفعالية، وهو الاقتراح الذي أيده القائد العام لقشتالة القديمة. وبالتالي فقد قامت ماريا كريستينا في 15 يناير 1834 بعزل سيا بيرموديز وتعيين الليبرالي "المعتدل" فرانسيسكو مارتينيز دي لا روزا الذي أبقى خافيير دي بورغوس في وزارة الأشغال العامة.
وفور تشكيل الحكومة الجديدة بدأ خافيير دي بورغوس عملية "الإصلاح من فوق" بالذات بصلاحيات واسعة لوزارته، وتنفيذ برنامج تحرير الاقتصاد بإشراف ممثلي الحكومة وهم الحكام المدنيون. فصدر مرسوم في 20 يناير 1834 منح حرية الصناعة وألغى احتكار الطوائف الحرفية التي تتمتع بها النقابات، إلا أنها لم تمحى بالكامل بحيث يمكن أعضائها "مساعدة بعضهم البعض في تلك الأنشطة". ويليه القضايا الراهنة مثل التعليم وامتحانات القبول - لم يتم الحل النهائي للنقابات إلا بعد عامين من انتصار الثورة الليبرالية . ثم أتى مرسوم آخر من 29 يناير أعطى حرية التجارة، وقد سبقها قرار الغى مراسيم حدت من أنشطة المزارعين.
وفي الساحة السياسية فإن مشروع حكومة مارتينيز دي لا روزا بدعم من خافيير دي بورغوس هو البدء بالانتقال من حكم الإستبداد إلى شكل من أشكال الحكم التمثيلي، وهو اتباع مسار من الإصلاحات بدأت ولكن بدون معالجة أي شكل من أشكال الاختلاف الحكومي. " وبهذه الطريقة كان المقصود به حل التناقض في الجانب ملكية كريستينا المطلقة التي سعت إلى دعم الليبراليين الذين يريدون تحويلها إلى ملكية دستورية وأروع مافي إستراتيجية الإصلاح هو صدور النظام الأساسي في 19 أبريل 1834. وهو نوع من المواثيق منحها المجلس النيابي الجديد (الكورتيس) لقطع نصف الطريق بين الدولة ومجلس الكورتيس الحديث، وتكاملت مع مجلس النبلاء أو مجلس الشيوخ -في تقليد لمجلس اللوردات البريطاني-، حيث الأعضاء لا يعينوا بالانتخاب ولكن يتم تعيينهم من القصر بين النبلاء وحائزي الثروات الضخمة (التجار)، ومكتب المدعي العام. أو مجلس النواب -وأيضا لتقليد مجلس العموم-، وبلغ عدد الذين لهم حق التصويت عن طريق الاقتراع المقيد جدا أكثر من 16,000 شخص من أصل عدد السكان البالغ 12 مليون شخص.
لايعد النظام الأساسي دستورا، للأسباب التالية: أنه لم ينطلق من قاعدة السيادة الوطنية ولكن من سيادة الملك المطلقة الذي يحد من تلقاء نفسه صلاحياته وفقا لنموذج النظام الأساسي الفرنسي المستعاد للويس الثامن عشر بعد سقوط نابليون. فالغرض منه هو إرضاء كلا الطرفين المتصارعين وهما الحكم المطلق والليبراليين، ولكن الأول رفضه بينما رأى الطرف الآخر أنه مقيد بحيث لا يقبلها إلا أكثر المحافظين تشددا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قاعدتها الاجتماعية محدودة جدا، ويبلغ الذين يحق لهم التصويت 13% من تعداد السكان. وحول النظام الأساسي "فإن التاج على استعداد للموافقة حول درجة التمثيل والانفتاح التي كان الليبراليين المعتدلين أو القطاعات الإصلاحية على استعداد لاعتمادها، وبالتالي إضفاء الطابع المؤسسي على عملية الانتقال".
من ناحية أخرى، ففي الوقت الذي صدر فيه النظام الأساسي في ابريل 1834 نالت حكومة مارتينيز دي لا روزا دعما دوليا مهما ضد خطر الكارليين عندما وقعت على تحالف رباعي بين إسبانيا والبرتغال وبريطانيا وفرنسا، وتعهدت فيه كلا من بريطانيا وفرنسا بدعم اسبانيا والبرتغال في الصراع ضد الحركات المناهضة لليبرالية من كارلية وميغيلية. وقد تم الانتهاء من الاتفاق في أغسطس بتوقيع "بنود إضافية" بتكثيف الدعم المادي والمالي للحفاظ على عرش إيزابيلا الثانية وشملت إرسال قوات من متطوعين. وخلال الفترة من (1835 - 1837) دخل فيلق الاحتياط البريطاني المكون من 10,000 رجل لمواجهة الكارليين في بلاد الباسك، في حين أرسلت فرنسا والبرتغال وحدات صغيرة.
أما العنصر الآخر الأساسي من التحول السياسي التي تنتظره الحكومة كان مرسوم الصحافة والطباعة الصادر في يناير 1834 وأكتمل مع اللائحة المحددة في يونيو 1834. وقد ألهمت ديباجة مرسوم يناير سياسة الحكومة العامة أن تكون وسطا بين "حرية غير محدودة للصحافة" و"العوائق والقيود التي لازالت تعاني منها." وعلى الرغم من أن المرسوم نص على الموضوعات التي يجب أن تخضع لرقابة مسبقة، إلا أنه كانت هناك ثورة في الصحافة والأفكار السياسية التي بدأت في السنوات الأخيرة من "العشرية المشؤومة" -ظهرت في 1832 صحيفتان سياسيتان رئيسيتان إحداهما في برشلونة والأخرى في مدريد-، وبدأ خلالها تسليط الضوء على الكتاب والصحفيين مثل ماريانو خوسيه دي لارا وأستبانث كلدرون. وطالب الرأي العام ويتكلم بإسمه الصحف والصحفيين الليبراليين "طالب بالتغيير السياسي الذي حسب رأيه يجب أن يكون الميثاق الملكي نقطة البداية وليس الهدف النهائي". وهو وجهة نظر حكومة مارتينيز دي لا روزا.
كما تعهدت الحكومة بإصلاحات أخرى، بما فيها الإدارة المدنية والقضائية للدولة حيث ألغت نظام المجالس للحكم القديم، والأهم من ذلك هو إعادة تفعيل الميليشيات ولكن ليس بإسم "الميليشيا الوطنية" كما كانت في فترة الثلاث سنوات ليبرالية لكن ميليشيات مدنية "لكي يبدو سهولة ووضوح العودة إلى الليبرالية." وكان الهدف هو توفير قوة أمنية من المتطوعين لإحلالهم محل المتطوعين الملكيين الذين قد تم نزع سلاحهم في جميع أنحاء الدولة 1833. وأسست الحكومة مرسوم أنشئته في 16 فبراير 1834 وضع معايير صارمة جدا للدخول في المناطق الحضرية كما كانت تعرف شعبيا، للتأكد من أن الشخص المنتمي لها هو من بين الطبقة الوسطى والمهنية، ولكن ذلك لم يمنع التعاون بين الطبقات الشعبية الحضرية -الناس المتميزة في المصطلحات الليبرالية في تلك الفترة-، وبالتالي فقد قدر لتلك "حضرية" ان تلعب دورا نشطا للغاية في التدرج بالتغيير في الأزمات الاجتماعية والسياسات التي وقعت في الفترة التالية.
وكشف الدور المتنامي للشعب - من الطبقات الشعبية الحضرية - عن الحلقة المأساوية لمذبحة الرهبان في مدريد. يوليو 1834 . ما بين 17 و 18 يوليو، في خضم انتشار وباء الكوليرا اجتاح العاصمة. وسرت شائعات تزعُم بإن الكنيسة قامت بتسميم الأبار والقنوات التي تمد مدريد بالمياه، فقام الناس بالاعتداء على أديرة متنوعة وتم اغتيال 73 من رجال الدين. كان من بين المتهمين 26 رجلا عسكريا و 23 من المناطق الحضرية وفقط 6 من 133 متهم له لقب الدون، والذي كان في ذلك الوقت لوضع علامة على الفارق الثقافي وبالتالي الاجتماعي. مما يدل على أن الكثير من الطبقة الدنيا ليس لديهم تعليم.
وفي يوم 24 يوليو 1834 أي بعد أسبوع من "مذبحة الرهبان" افتتحت الوصية ماريا كريستينا دورة البرلمان الجديد. وقد حاولت أن تخفي حملها المثبت عليها بقوة بعد خمسة أشهر من ثمرة زواج مرغنطي مع أوغستين فرناندو مونيوز كانت قد تزوجته بعد ثلاثة أشهر من وفاة فرناندو السابع، مما يؤثر سلبا على شرعية قضية إيزابيلا. وقد استقبل البرلمان خطاب الوصية بفتور ثم أرسل إليها بعد أيام قليلة نسخة طبق الأصل من المجلس الإنتخابي يشجب فيها "حالة الكساد والشقاء للدولة" والتي عاشتها الأمة نتيجة ل "نظام العهد السابق المعتل".
وهكذا أصبح واضحا أن سياسة الانتقال المخطط لها والتي دافعت عنه حكومة مارتينيز دي لا روزا قد وجدت معارضة قوية بين نواب الدولة، ومع أن التصويت جاء ب 111 كانت لصالح الحكومة و 77 للمعارضة ويريدون الذهاب لأبعد مدى. وهناك نوابا من بين المعارضة كانوا في مجلس كورتيس الترينيوم الليبرالي وقضوا عدة سنوات في المنفى، قد استخدموا حقهم في تقديم التماس الذي اتاح لهم النظام الأساسي لمطالبة الحكومة ضمن تدابير أخرى بالاعتراف "بحقوق الإسبان السياسية" التي تدعمه جميع الحكومات ذات التمثيل النيابي. وكان رد الحكومة هو حل مجلس الكورتيس يوم 29 مايو 1835 بعد جلسة عاصفة في مفوضية النواب "بعد أن تعرض مارتينيز دي لا روزا لعدة محاولات اعتداء من مجموعات من المتهورين" وبعدها بأيام قليلة استقال مارتينيز دي لا روزا.