اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قام رجل أرميني الأصل يدعى باسكال ببيع القهوة للمرة الأولى للعامة في باريس عام 1672. وتقول بعض المصادر أنه جاء فرنسا رفقة السفير العثماني سليمان آغا، وباشر عمله في تقديم القهوة في خيمةٍ منصوبة في شارع سان جيرمن، وهو ما يمثل النموذج الأول للمقاهي في باريس. قام بتزويد الخيمة بعددٍ من الصبية الأتراك لخدمة العامة، وكان الصبية يديرون القهوة في فناجين مقدمة على صوانٍ في المعرض المؤقت الذي تقيمه باريس في أشهر الربيع الأولى قريباً من الحي اللاتيني. جذبت رائحة القهوة العبقة المنبعثة من صواني الصبية، الذين كانوا يتنقلون بين مرتادي المعرض، المزيد من الزبائن الذين سرعان ما تعلموا أن يبحثوا في هذا المعرض عن "الصغير الأسود" وهو اسم ما زالت فرنسا تعرفه عن القهوة حتى يومنا هذا. بعد انتهاء الموسم، افتتح باسكال محل قهوة صغير في Quai de l’Ecole قريباً من Pont Neuf على نهر السين، غير أن أكثر مرتاديه كانوا من محبي النبيذ والبيرة، فلجأ باسكال إلى توزيع صبيته على شوارع باريس ينادون بتقديم خدمة القهوة على كل باب، حتى أصبح هذا المشروب مرحباً به في المنازل التي كان يصلها الصبية، غير أنّ باسكال قرر أن ينتقل إلى لندن حيث كانت المقاهي قد بدأت بالانتشار بشكلٍ واسعٍ بين عامة الشعب.
في عام 1672، افتتح ماليبان، أحد التجار الأرمن، مقهى في في شارع بوسي. وقدم إلى جانب القهوة الدخان، غير أنه رحل بعدها إلى هولندا مخلفاً وراءه خادمه وشريكه جريجوري، الفارسي، ليديرا المقهى. فقام هذا الأخير بنقل المقهى إلى شارع مزارين، ليكون قريباً من المسرح الفرنسي الشهير Comédie Française. ثم خلفه في إدارة المقهى فارسي آخر يدعى مكارا، الذي قرر العودة إلى أصبهان، تاركاً الإدارة بيد شخصٍ يدعى لو جانتوا، من لييج.
باع رجلٌ آخر جاء من المشرق العربي يدعى يوسف القهوة بطريقة توزيعها على الناس في الشوارع كما فعل باسكال قبله، ثم تطورت تجارته وافتتح عدة مقاهٍ في باريس. ثم افتتح رجلٌ من حلب يدعى ستيفن مقهىً قريباً من Pont au Change على نهر السين، ثم انتقل إلى شارع سان أندريه بهدف التوسع. هكذا بدأت فكرة المقاهي في باريس، ذات طابعٍ شرقيةً بكل ما في الكلمة من معنى، اعتمدت فكرة المقهى الفرنسي على الوصول لعامة الشعب والطبقة الفقيرة الكادحة والسكان أو الزوار الأجانب، لم تكن ترى أبداً النبلاء والبرجوازيين يرتادونها، ولكن التجار الفرنسيون استطاعوا اجتذاب هؤلاء إلى نوعٍ جديدٍ من المقاهي، بعد أن تأثروا بالمشارقة، فقاموا بتأسيسها على درجةٍ كبيرةٍ من الفخامة تتناسب وذوق الرجل الفرنسي النبيل والبرجوازي، فعرفت باريس مقاهٍ برأسمال وإدارةٍ فرنسيتين، تتميز بالرحابة والاتساع، تلمس فيها طابع الأناقة، مزينة بالسجاد الفاخر والمرايا الكبيرة والصور المعلقة على الجدران، إلى جانب الشموع المضاءة فوق شمعداناتٍ وأثاث مجهز من الخشب الثمين حيث تقدم القهوة والشاي والشوكولاتة وحلوياتٌ أخرى، وما أن ظهر هذا النوع من المقاهي حتى تزاحمت عليه الطبقة المخملية والثرية، وأصبحت المقاهي تحظى باحترامٍ منقطع النظير في فرنسا.