اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عاد جاسون إلى السفينة فتلقاه رفاقه متلهفين، وكأنه تبدو على وجهه سمات الغبطة والمرح.. وأخذ يشرح لزملائه كيف أعطته ميديا الدهان السحري، ثم أخرجه لهم، فاجتاح الجميع موجة من السرور والجذل ما عدا إيداس الذي انتحى جانبا يطحن أسنانه من شدة الغيظ، لأنه كان تواقا إلى القتال واختبار قوته.
ولما أصبح الصباح في اليوم التالي، أوفدوا رجلين إلى الملك أييتيس ليتسلما منه أسنان الأفعوان، ولم يتردد أييتيس في إعطائهما الأسنان، لأنه كان يعتقد تمام الاعتقاد، أن جاسون لن يتمكن بأي حال من الأحوال، أن يخرج من القتال حيا.
مر النهار ومالت الشمس إلى المغيب، فاغتسل جاسون وقدم ذبيحة لهيكاتي كما أمرته ميديا.. وعاد جاسون إلى السفينة، وما هي إلا سويعات حتى تألق الفجر. ارتدى أييتيس درعه، ووضع على رأسه خوذته، وبالرغم من أن أييتيس كان سيحضر الحفل كمتفرج ليس إلا، فقد أراد أن يظهر في كامل عدته الحربية كما لو كان هو شخصيا ذاهبا إلى القتال. أطاع جاسون تعليمات ميديا، فدهن حربته ودرعه وسيف بالزيت السحري.
جدف الأبطال حتى وصلوا بقائدهم إلى حقل أريس حيث وجدوا أييتيس وشعبه الكولخيين ينتظرونهم، فلما رست السفينة، قفز جاسون إلى الشاطئ حاملا رمحه ودرعه، فعلق سيفه على كتفه وتقدم إلى الأمام، وما أن ألقى نظرة إلى الحقل، حتى اكتشف سريعا النير موضوعا فوق التربة وإلى جانبه المحراث وسلاحه.. بعد ذلك تقدم إلى الأمام، باحثا عن آثار الثيران، ولكن سرعان ما هجم عليه فجأة وعلى حين غرة، ثوران أقبلا من الجانب الآخر، وكلاهما ينفث
النيران من أنفه، بيد أن جاسون نفسه وقف بسقيه متباعدين يرفع درعه أمامه منتظرا هجومهما، فلما وصلا إليه مسددين قرونهما، لم تستطع هجمتهما أن تزحزحه عن مكانه، هكذا زأر الثوران بصوت عالي جدا، وضاعفا من الهجمات، نافثين نيرانهما طول الوقت، لكن السحر حفظه من كل سوء وأذى وجذبه إليه بكل ما أوتي من قوة حتى سحبه إلى حيث النير الحديدي، وهنا ضرب الأقدام البرنزية، وأجبر الثور على افتراش الأرض، وبنفس الطريقة أخضع الثور الآخر.. وهنا وجد أييتيس نفسه مرغما على الإعجاب بقوة البطل الخارقة، وعلى حسب خطة، سابقة قدم له كاستور و بولوديوكيس النير، فربطه إلى عنقي الثورين بيديه.
ذهب جاسون بعد ذلك إلى حيث الخوذة التي بها أسنان الأفعوان وأمسك برمحه، واستطاع أن يجبرهما على جر المحراث، فإذا بقوتهما الهائلة، تحدث بالأرض أخاديد عظيمة، ثم سار بخطوات ثابتة وأخذ يبذر الأرض المحروثة بالأسنان، وكان بين اللحظة والأخرى يتطلع إلى الوراء ليرى: هل قد نبت حصاد رجال التنين، وهل هم يلحقون به! مضى أكثر من نصف النهار وكان الحقل كله قد تم حرثه، فلما انتهى جاسون من الحرث، رفع النير عن رقبتي الثورين، ولوح لهما بأسلحته مهددا، فجريا مذعورين عائدين من حيث أتيا، وعندئذ رجع البطل نفسه إلى السفينة إذ أن الأخاديد لم تكن قد دبت فيها الحياة بالحصاد بعد.
بعد ذلك امتلأ الحقل كله بالمحصول المطلوب، فإذا بحقل أريس كله يتلألأ بالدروع والرماح، عندئذ تذكر جاسون حيلة ميديا، فأمسك بصخرة ضخمة، وقذف بها بعيدا وسط المحاربين النابتين من الأرض.. تكالب المحاربون الذين نبتوا من حقل أريس على الصخرة، وأخذ كل منهم يقتل زميله، ومن شدة ما أصابهم من الرماح، كانوا يتساقطون فوق الأرض، ولما بلغ القتال أشده، هجم جاسون وسطهم يضربهم جميعهم، حتى امتلأت الحلبة بالدماء وغطيت أرضها بجثث القتلى والجرحى، في كل جانب.
رأى أييتيس نجاح جاسون الباهر، فغلى دمه من شدة الغيظ وتجهم وجهه وصار يزفر زفرات قوية كالبحر المضطرب، ولكنه لم يشأ أن يظهر غيظه أمام شعبه، فكظم أييتيس غيظه الدفين، وترك الشاطئ دون أن يتفوه ببنت شفة، وعاد إلى المدينة وهو لا يفكر إلا في طريق الخلاص من جاسون وفي إيذائه.
استغرقت هذه الأحداث النهار بأكمله، وأقبل الليل فخرج جاسون من ساحة القتال وقد انتصر على الثورين وجيش المحاربين انتصارا مبينا، لم تشهد البلاد له مثيلا، ثم خلع درعه وعاد إلى السفينة، وقد عم الفرح والسرور جميع الطرقات واختلطت هتافات البحارة بهتافات الكولخيين.