اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الفَتحُ الإسلَامِيُّ لِأَرْمِيْنَيِة أو الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِأَرْمِيْنَيِة (بالأرمنية: Հայաստանի իսլամական գրավումը) وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِأَرْمِيْنَيِة (بالأرمنية: Արաբական արշավանքները Հայաստան)، هو سلسلة من الحملات العسكريَّة التي قام بها المُسلمون لِفتح أرمينية، وهي المنطقة المُكوَّنة من الأناضول الشرقيَّة والقفقاس تحت راية دولة الخلافة الراشدة أولًا، ثُمَّ تحت راية الخِلافة الأُمويَّة بعد انتقال الأمر إلى بني أُميَّة. جرت أولى مُحاولات فتح أرمينية خِلال عهد الخليفة عُمر بن الخطَّاب عندما أرسل جيشًا بِقيادة عياض بن غنم الفهري سنة 18هـ المُوافقة لِسنة 640م، لِإتمام فتح الجزيرة الفُراتيَّة، فكان من نتائج هذه الحملة التوغُّل في سُهُول الجزيرة والوصول لِأرمينية وفتح مُدن سميساط وسنجار والخابور وميافارقين وآمد وماردين ودارا وأرزن وبدليس وأخلاط. ثُمَّ توجَّه قسمٌ من الحملة إلى بلاد غلاطية دون أن ينجح في فتحها، في حين أرسل عياض عُثمان بن أبي العاص الثقفي على رأس القسم الآخر، فافتتح قسمًا إضافيًّا من أرمينية البيزنطيَّة وصالح الأرمن على الجزية، دينارٌ على كُلِّ بيت. وفي سنة 21هـ المُوافقة لِسنة 642م، توجهت حملةٌ أُخرى إلى مدينة باب الأبواب على رأس أربعة جيوش بقيادة سُراقة بن عمرو وتمكنت هذه الحملة من مصالحة أمير المدينة على الجزية.
عاد المُسلمون لِفتح باقي أنحاء البلاد الأرمنيَّة خِلال خِلافة عُثمان بن عفَّان، فكتب الأخير إِلى مُعاوية بن أبي سُفيان، وهو عامله على الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة وثغورها يأمره أن يُوجِّه حبيب بن مسلمة الفهري إِلَى أرمينية لِإتمام فتحها، وقيل إنَّ عُثمان كتب إلى حبيب مُباشرةً يأمره بغزو أرمينية، فنهض إليها في ستة آلاف وقيل في ثمانية آلاف من أهل الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة، فحاصر مدينة قاليقلا لِيُصالحه بعض أهلها على الجزية، فيما فضَّل آخرون الجلاء عنها، فلحقوا بِبلاد الرُّوم، ثُمَّ سيَّر مُعاوية ألفيّ رجل أسكنهم قاليقلا وأقطعهم بها القطائع وجعلهم مُرابطين بها. حشد البيزنطيُّون جيشًا كبيرًا لِمُواجهة حبيب بن مسلمة، فمدَّهُ الخليفة بِستَّة آلاف مُقاتل، وقيل اثني عشر ألفًا، خرجوا من الكوفة بِقيادة سلمان بن ربيعة الباهلي، فهزم الروم على نهر الفُرات. ثُمَّ زحف حبيب داخل أرمينية فافتتح مُدن دُبيل والنشوى وجرزان وتفليس. ثُمَّ توقَّفت الفُتُوحات شرقًا وغربًا بسبب اضطراب الأحوال الداخليَّة في بلاد المُسلمين نهاية خِلافة عُثمان بن عفَّان.
انتفضت أرمينية على الحُكم الإسلامي خِلال فتنة عبد الله بن الزُبير، ولمَّا استَتبَّ الأمر لِبني أُميَّة وتوحَّد المُسلمون مُجددًا سنة 73هـ المُوافقة لِسنة 692م، ولَّى عبد الملك بن مروان أخاه مُحمَّدًا على الجزيرة الفُراتيَّة وأرمينية، فغزا منها وغلب على البلاد وأعادها لِلطاعة. وبعد مُحمَّد بن مروان آل الأمر إلى مسلمة بن عبد الملك الذي افتتح بلادًا في أقاصي القفقاس واحتكَّ بالتُرك والخزر، وحقق انتصاراتٍ باهرةٍ عليهم، وسالم مُلُوك جبال تلك الأنحاء. ولمَّا تولَّى مروان بن مُحمَّد شؤون أرمينية، وطَّد الأمن والاستقرار فيها، وفرض هيبة الدولة في نُفُوس الناس، وهزم الخزر والتُرك مرارًا وافتتح حُصُونًا وبلادًًا جديدة، فنعمت أرمينية بِالسلام والاستقرار، وانصرف المُسلمون إلى تعميرها.
اتسمت حياة الأرمن قبل الفتح الإسلامي بِعدم الاستقرار، إذ عاشوا قبل الإسلام في صراعاتٍ ومعارك مُستمرَّة وتمزُّق وضياع، فكان الأُمراء الأرمن يتقاتلون مع بعضهم البعض ومع رجال الدين، وكان هُناك نزاعاتٌ دائمة بين هؤلاء وأولئك وبين فئات الشعب الفقيرة، فوقعت البلاد الأرمنيَّة في أيدي الفُرس الساسانيين والروم البيزنطيين، وتقاسمتها تلك القوتين الإقليميتين وشطرتها إلى قسمين: فارسي وبيزنطي، وتميَّزت أرمينية البيزنطيَّة تحديدًا بِالثورات السياسيَّة والدينيَّة نظرًا لِرفض الأرمن اليعاقبة المونوفيزيين اعتناق مذهب الإمبراطوريَّة الخلقيدوني، لِذلك وجدوا في الإسلام ملاذًا يلجأون إليه لِلحفاظ على هويتهم الدينيَّة والقوميَّة في وجه الروم. وفي الحقيقة فإنَّ عددًا كبيرًا من الأرمن، خاصَّةُ الأشراف والحُكَّام، لم يندمجوا في الدولة الإسلاميَّة، ولم يرضوا بِطاعة المُسلمين، وذلك على الرُغم من تحرُّرهم من سيطرة البيزنطيين واعتراف الخِلافة بِحقهم في اعتناق المذهب المسيحي الذي يرغبون به دون أي اضطهاد، وبالتالي فقد نقضوا الطاعة مرارًا، مُحاولين الاحتفاظ بِهويَّتهم وشخصيَّتهم القوميَّة المُميزة، عن طريق التمسُّك بِلُغتهم وكنيستهم الوطنيَّة، فبقي القسم الأعظم من الأرمن على المسيحيَّة ولم يستعربوا. ورُغم تناقض الموقف الأرمني، فقد منحهم المُسلمون استقلالًا محدودًا وذلك لإدراك الخِلافة لِأهميَّة الموقع الاستراتيجي لِأرمينية، الضروري لِحماية أمن الدولة الإسلاميَّة وحُدُودها، فشكَّل الأرمن حاجزًا بين ديار الإسلام وبين شُعُوب ما وراء القفقاس الذين زحفوا - بِإيعازٍ من الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة في كثيرٍ من الأحيان - ناحية بلاد المُسلمين بِهدف إضعاف القُوَّة العسكريَّة الإسلاميَّة.
أرمينية إقليمٌ جبليّ، تمتد من مدينة برذعة إلى باب الأبواب شرقًا، ويقطعها جبل القبق - وهو ضمن سلسلة جبال القفقاس الكُبرى - من جهة الشمال، وآسيا الصُغرى غربًا، وبلاد العراق وبعض حُدُود الجزيرة الفُراتيَّة جنوبًا. وكانت الحُدود الأرمنيَّة الغربيَّة تُقررها الأوضاع السائدة بين الفُرس والروم، قُبيل وخِلال زمن الفتح الإسلامي. وتكوَّن إقليم أرمينية من أربعة أقسامٍ إداريَّة:
والجُغرافيُّون العرب والمُسلمون القُدامى، مُتفقون على هذا التقسيم، ولكنَّهم مُختلفون على التفاصيل، واختلاف الجُغرافيين الذين جاءوا بعد جُغرافيي القرن الرابع الهجري هو بِإضافة أسماء المُدن الجديدة التي أنشأها المُسلمون بعد الفتح. وجبل القبق - الذي يقطع أرمينية - فهو يمتد من الشمال إلى الجنوب بِطول 1,200 كيلومتر، ويقطعه ممرَّان: الأوَّل عن طريق مدينة باب الأبواب، والثاني عن طريق باب اللَّان، ويُطلق عليه حاليًا ممر داربيل، وقد استُخدم هذان الممران عبر العُصُور لِلتنقُّل بين جانبيّ جبل القفقاس، ولِلعمليَّات العسكريَّة غزوًا وفتحًا.
موقعُ أرمينية بين إمبراطوريتين كبيرتين: الفارسيَّة الساسانيَّة والروميَّة البيزنطيَّة، عرَّضها لِلاحتلال في جُزءٍ منها أو كُلِّها، فإذا اشتدَّ ساعد الفُرس كان لهم حصَّة الأسد من أرمينية، وإذا قوي الروم ضمُّوا أجزاء كبيرة منها إلى بلادهم، وهكذا كانت هذه المنطقة ساحة من ساحات الصراع بين الإمبراطوريتين الكبيرتين. ولم يقتصر موقع أرمينية الجُغرافي على تعريضها لِهجمات الفُرس والروم فحسب، بل عرَّضها لِهجمات الأُمم الطامعة فيها إذا سنحت لهم الفُرصة لِلتوسُّع نحوها، ومن أبرز الأقوام التي كانت تُغير بين الحين والآخر على تلك البلاد، الخزر، الذين كانوا يخرجون فيُغيرون، ويصلون في بعض الأحيان إلى مدينة الدينور من أعمال جبال زاگروس في بلاد الفُرس، مُجتازين أرمينية إلى جارتها الساسانيَّة. وفي عهد الشاه الفارسي قُباذ بن فيروز اكتسحت الجُيُوش الساسانيَّة قسمًا كبيرًا من أرمينية وضمَّتها إلى الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، وابتنى الشاه المذكور في القفقاس الكثير من التحصينات العظيمة بما فيها باب الأبواب، وسُدَّ اللبن وباب اللَّان، وغيرها، في سبيل رد غارات الخزر والقبائل التُركيَّة بِالإضافة إلى الجُيُوش البيزنطيَّة. وتولَّى المُلك بعد قُباذ ابنه كسرى أنوشيروان، فبنى المزيد من التحصينات كان أغلبها عبارة عن المزيد من «الأبواب»، وهي مُدنٌ بُنيت على طريق الجبال لِتكون حُصونًا استراتيجيَّة، وأسكنها قومًا سمَّاهم «السياسيجين». ولم يكتفِ أنوشيروان بِالتحصينات التي أنشأها والمُدن والحُصُون الدفاعيَّة التي أقامها دفاعًا عن مملكته تجاه التُرك والخزر والروم، بل قسَّم إمبراطوريَّته ومنها أرمينية تقسيمات إداريَّة ثابتة، وجعل على كُلِّ قسمٍ إداريٍّ منها مرزبانًا مسؤولًا أمامه مُباشرةً، لِيُدافع كُل مرزبانٍ محليٍّ عن منطقته ما استطاع بِقُوَّاته المحليَّة، فإذا أخفق في دفاعه سنده جيرانه بِأمر كسرى، فإذا استفحل الخطر، زجَّ كسرى بِقُوَّات الجيش الساساني في المعركة.
ولمَّا كانت أُمُور الفُرس تستب في بعض الأزمنة، كان المرازبة المحليُّون يتولُّون إدارة أرمينية، ولمَّا تستتب أُمُور الروم وينتصرون على الفُرس، يتولَّى مُلُوك الطوائف البيزنطيين أُمور أرمينية، وكثيرًا ما تأرجح ولاء بعض هؤلاء الحُكَّام بين قياصرة الروم وشواهين الفُرس، ومنهم على سبيل المِثال سمبات بن عمانوئيل البقرادوني، الذي كان قائدًا في الجيش البيزنطي ثُمَّ بدَّل ولائه لِصالح الفُرس والتحق بِخدمة الشاه كسرى الثاني، فعيَّنه مرزبانًا على وركانة، ومنهم أيضًا وارازتيروتس بن سمبات الذي خلع طاعة الفُرس والتحق بِخدمة الإمبراطور البيزنطي هرقل، فعيَّنه بطريركًا على أرمينية وقدَّمه على سائر البطاركة، بعدما نجح الروم في إيقاف زحف الجُيُوش الساسانيَّة باتجاه الغرب، فاستعادوا آسيا الصُغرى، وتقدَّموا طاردين جُيُوش كسرى من أرمينية وأذربيجان. وفي السنوات التالية استولى الخزر على باب الأبواب وتحالفوا مع الروم، وغلبوا على ما كان في أيدي السياسيجين من قبل، بعدما تخلَّى هؤلاء عن حُصُونهم ومدائنهم، لا سيَّما وأنَّ الحلف البيزنطي الخزري ألحق بِالفُرس هزيمةً نكراء لم يتعافوا منها، ولم يتمكنوا من استرجاع أرمينية مُجددًا. ويُقال إنَّ حوالي 40,000 مُقاتلٍ خزريٍّ دعموا هرقل في حربه ضدَّ الفُرس، فأقرَّهم على البلاد التي سيطروا عليها تقديرًا لِخدماتهم. وهكذا يُلاحظ أنَّ أرمينية كانت، قُبيل الفتح الإسلامي، مسرحًا لِلحرب بين الإمبراطوريتين الفارسيَّة والبيزنطيَّة من جهة، وبين هاتين الإمبراطوريتين والغُزاة من التُرك والخزر من جهةٍ أُخرى، وكان حُكَّامها يُوالون الطرف الأقوى أو الطرف الذي تملي عليهم مصلحتهم أن يُوالوه، فلم تعرف البلاد استقرارًا سياسيًّا دائمًا.
سكن أرمينية خليطٌ من الأقوام الهندوأوروپيَّة الإيرانيَّة والطورانيَّة، من أبرزها:
تكلَّم أكثريَّة سُكَّان أرمينية اللُغة الفارسيَّة الفهلويَّة، أمَّا سُكَّان مدينة دُبيل ونشوى وضواحيهما فتكلَّموا الأرمنيَّة، وكذلك سُكَّان مدينة تفليس. وقد تعدَّدت اللُغات في جبال القفقاس، بحيث نطقت كُلُّ قرية تقريبًا بِلُغتها الخاصَّة، ولم يكن بعضها يفهم بعضًا إلَّا بِتُرجُمان.
اعتنق الأرمن المسيحيَّة مُنذُ سنة 301م، وكانت أرمينية أولى البلاد في العالم التي اتخذت المسيحيَّة دينًا رسميًّا لها، وأبرز الأدلَّة على ذلك ما كتبه المُؤرِّخ الأرمني «أگاتانج» في مُؤلَّفه حامل عنوان «تاريخ الأرمن»، وقال فيه أنَّ الملك تيرداد الثالث (ح. 301314م) تعمَّد على يد القدِّيس جرجير المُنوِّر، وما لبث أن أعلن المسيحيَّة الديانة الرسميَّة لِبلاده. لم تقبل الكنيسة الأرمنيَّة، مع كنائس شرقيَّة أُخرى، مُقررات مجمع خلقدونية الذي انعقد سنة 451م، وقال بِأُلوهيَّة وإنسانيَّة المسيح الكاملة، وتمسَّكت بِتعاليم البطريرك كيرلس السَّكندري القائل بِالطبيعة الواحدة لِلمسيح، فوقع الخلاف بينها وبين الكنيسة الروميَّة، وتوسَّع الشرخ بينهما بسبب التنافس على النُفُوذ بين الكراسي البطريركيَّة والسُلطات المدنيَّة، ووجدت الكنيسة الأرمنيَّة نفسها في طرف الكنائس اللاخلقيدونيَّة، مع شقيقاتها الكنائس القبطيَّة والسُريانيَّة اليعقوبيَّة. وفي مجمع دُبيل في سنة 554م، ثبَّتت الكنيسة الأرمنيَّة رفضها لِتعاليم مجمع خلقيدونية، فانقطعت شراكتها مع الكنسية البيزنطية وكُرسي القُسطنطينيَّة وروميَّة. حاول البيزنطيُّون فرض مذهبهم على الأرمن بِالقُوَّة، فتعرَّض هؤلاء لِعاصفةٍ من الاضطهاد المذهبي، لكنهم ثبتوا ورفضوا اعتناق المذهب الخلقيدوني، وانتهجت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة سياسةً رسميَّةً مُتشددة مع الأرمن وغيرهم من الشُعُوب المسيحيَّة في الإمبراطوريَّة، وسعت إلى تقويض الاستقلال الذاتي لِكنائس هذه الشُعُوب وإلى فرض احترام العقائد المجمعيَّة بِحرفيَّتها، واضطهدت رجال الدين الأرمن، مما عاد عليها بِمقتٍ شديدٍ، وجعل الأرمن يتطلَّعون إلى أي قُوَّةٍ خارجيَّةٍ تقدر على تخليصهم من تسلُّط الروم.
تندر المصادر التي تنص على ديانة الخزر قُبيل الفُتُوحات الإسلاميَّة، لكن يغلب الظن أنهم كانوا يعتنقون ديانةً تُركيَّةً وثنيَّةً تُعرفُ بِالتنگريَّة، كانت تتمحور حول إله السماء تنگري. كما يبدو أنَّ تبجيل الأموات وعبادة الأسلاف كانت معروفة لديهم، وكذلك الأرواحيَّة. بدأ التأثير المسيحي يتغلغل في بلاد الخزر بعدما حالفوا الروم ضدَّ الفُرس، كما لعب الأرمن والأرَّانيون دورًا في تنصير بعض الخزر من خلال التبشير، فابتنوا الأديرة والكنائس والصوامع في المناطق التي تُشكِّل داغستان المُعاصرة، والتي كانت من جُملة بلاد الخزر، فأقبل بعضهم على اعتناق المسيحيَّة، على أنَّها لم تلعب دورًا محوريًّا في حياتهم. كذلك، يظهر أنَّ فئةً من الخزر اعتنقت البوذيَّة بِتأثيرٍ من الخانيَّات التُركيَّة المُجاورة لها. شاع مذهبٌ من المجوسيَّة في القسم الفارسي من أرمينية مُنذُ العهد الأشكاني تقريبًا، فقد عمل الفُرس على نشر المذهب الزوراني بِنشاطٍ في البلاد الأرمنيَّة الخاضعة لهم، وابتنوا بُيُوت النار في جميع أنحائها، وذلك في سبيل مُحاربة المسيحيَّة السياسيَّة المُتمثلة بزعامة بيزنطة لِلمسيحيين حول العالم، فسعى الفُرس إلى قطع الصلة بين رعاياهم المسيحيين والبيزنطيين المُنافسين لهم على حُكم الشرق الأوسط، فدعموا المجوسيَّة على حساب المسيحيَّة، واضطهدوا النصارى في بعض الأحيان، باستثناء النساطرة المُعادين لِلروم، لكن رُغم ذلك، أخذت المجوسيَّة بالانحسار رويدًا رُويدًا في أرمينية مع ازدياد أعداد مُعتنقي المسيحيَّة، على أنها بقيت ثاني أكثر الأديان شُيُوعًا بِحُلُول زمن الفتح الإسلامي.
كان الأرمن في مُقدمة العناصر الدائمة في الجُيُوش البيزنطيَّة مُنذُ القرن الخامس الميلاديّ، حينما أخذ الأباطرة البيزنطيُّون يعتمدون عليهم لِشدَّتهم بِفعل أنهم أهلُ جبال، وقرَّبهم بعض أولئك الأباطرة وجعلهم من خاصَّته، إذ يذكر المُؤرِّخ بروكوبيوس القيسراني أنَّ أعضاء الحرس الإمبراطوري كانوا يُنتقون «من بين أشجع الأرمن». ويبدو أنَّ الكتائب العسكريَّة الأرمنيَّة كانت أكثر عددًا وأفضل تدريبًا من باقي العناصر البشريَّة في الجُيُوش البيزنطيَّة، بحيثُ كان وُجودها في ميدان المعارك يجعل الكفَّة تميل لِصالح البيزنطيين على الدوام، إذ يُقال إنَّه في معركة اليرموك سنة 15هـ المُوافقة لِسنة 636م، انخرطت كتيبة أرمنيَّة من أرمينية البيزنطيَّة في صُفُوف الجيش البيزنطي، وقد بلغ تعداد عناصرها اثني عشر ألف مُقاتل يقُودهم رجُلٌ يُدعى «جُرجة»، ثُمَّ انسحبت من ميدان القتال لمَّا مالت الكفَّة لِصالح المُسلمين، نكايةً في الروم مُضطهديهم، ممَّا كان لهُ أثرٌ في هزيمة الجيش البيزنطي، إذ أحدثت تلك الخيانة خللًا واضطرابًا في صُفُوف الجُنُود البيزنطيين، فلحقت بهم الهزيمة على يد المُسلمين. ويبدو أنَّ الأرمن كان لهم وُجُودٌ في الجُيُوش الساسانيَّة كذلك، فقد ذكر المُؤرِّخ الأرمني سيبيوس - مُنفردًا دون غيره من المُؤرِّخين كافَّةً - أنَّ الأرمن كانوا طرفًا في القتال الضاري الذي دار بين المُسلمين والفُرس في موقعة القادسيَّة سنة 15هـ المُوافقة لِسنة 636م، بيد أنهم لم يتخلُّوا عنهم كما فعلوا مع الروم، بل استمرُّوا بِالقتال حتَّى انهزموا مع سائر الجُنُود الفُرس. بِالمُقابل، يُقدَّر أنَّ القبائل الخزريَّة والتُركيَّة في أرمينية كانت قادرة على حشد ما بين 7 آلاف إلى 12,000 رجل وقت الحرب، وأنَّ هذه الأعداد كانت قابلة لِلتضاعف عند الضرورة، إذ كان الخزر قادرين على إلحاق القبائل التُركيَّة القاطنة في القفقاس وجبال الأورال والسُهُوب الأوكرانيَّة ومُحيط بحر خوارزم بِجُيُوشهم، وكان القائد العام لِلجيش الخزري يُسمَّى «خاقان بك»، يليه قادة الوحدات، ويُسمَّى واحدهم «طرخان».
يرتبط فتح أرمينية بِفتح الجزيرة الفُراتيَّة وشمال الشَّام وأذربيجان، ويبدو أنَّ من أسباب عزم المُسلمين على فتحها وُصولهم إلى حُدودها من جهة، ولِأهميَّتها الاستراتيجيَّة لِكونها على حُدُود الدولة الإسلاميَّة ومُقاومتها لِلإمبراطوريَّة البيزنطيَّة من جهةٍ أُخرى. فكانت السيطرة على أرمينية بِمثابة تأمين لِبلاد الجزيرة والشَّام، ونشرًا لِلدعوة الإسلاميَّة، وتأمينًا لها ضدَّ جيرانٍ يُتاخمونها ويُناصبونها العداء، خاصَّةً بعد اشتراكهم في مُواجهة المُسلمين في معركتيّ اليرموك والقادسيَّة، بل وتمهيدًا لِفتح بلاد الروم نفسها، إذ أدركت الخِلافة أنَّ أرمينية أفضل قاعدةٍ يتخذها المُسلمون في حُرُوبهم المُرتقبة ضدَّ البيزنطيين، لِكون أرمينية بِمثابة الدرع الواقي الذي يحمي ظهر الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ويُعطيها عُمقًا إقليميًّا ويدفع عنها الأخطار. فلو سيطر المُسلمين على هذا الدرع سهُل عليهم تقطيع أوصال الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة واختراق أعماقها؛ لِذلك كان من الضروري ضم أرمينية إلى الدولة الإسلاميَّة الفتيَّة.
انتهى المُسلمون من افتتاح بلاد الجزيرة الفُراتيَّة سنة 17هـ بحسب رواية سيف بن عُمر، وأمَّا ابن إسحٰق فذكر أنها افتُتحت في سنة 19هـ، ويغلب الظن أنَّ سنة سبع عشرة الهجريَّة هو تاريخ افتتاحها الصحيح، كونه جاء لِغرض تخفيف الضغط عن المُسلمين في زحف الروم عليهم وحصارهم في حِمص، وكان ذلك سنة 17هـ، عندما كتب الخليفة عُمر بن الخطَّاب إلى القادة في الشَّام والعراق أن يسيروا إلى الجزيرة الفُراتيَّة لأنَّ أهلها هُم من استثار الروم على أهل حِمص، فأجابوه إلى ذلك وساروا إلى الجزيرة وفتحوها فتحًا سهلًا، وأجبروا الروم المُحاصِرين لِحمص على الرجوع عنها في سبيل الدفاع عن بلادهم ضدَّ أي هُجُومٍ إسلاميٍّ مُحتمل. ولمَّا كانت الجزيرة الفُراتيَّة هي حُدُود أرمينية من الجنوب، فإنها أصبحت قاعدةً أماميَّةً لِلروم، تُهدِّدُ الجزيرة وأرض الشَّام، فكان على المُسلمين فتحها لِلتخلُّص نهائيًّا من تهديد الروم لِلجزيرة والشَّام، لأنَّ الروم كانوا يُسيطرون على مناطق أرمينية التي تُهدد هذه المناطق المفتوحة من الشمال، ولِأنَّ الروم عملوا على حشد جُيُوشهم في أرمينية لاستعادة الجزيرة والشَّام، فلم يكن هُناك من سبيلٍ إلى حماية البلاد المفوحة إلَّا بِفتح أرمينية. وفي سنة 22هـ المُوافقة لِسنة 642م، أتمَّ المُسلمون فتح أذربيجان، فتوجَّهت أنظارهم لِفتح القسم الفارسي من أرمينية الواقع شمال تلك البلاد، والتقدُّم نحو مدينة باب الأبواب من كورة أرَّان، وذِلك لِمُطاردة فُلُول الجيش الساساني المُنسحب شمالًا، لِحرمانه من إعادة تنظيم صُفوفه لِلقيام بِهُجُومٍ مُضاد في سبيل استعادة أذربيجان والبلاد الفارسيَّة المفتوحة. وكان فتح أرمينية يحرم الفُرس من استرجاع أذربيجان ويُدافع عن تلك البلاد المفتوحة دفاعًا غير مُباشر. ومن المعروف أنَّ حُدود الإمبراطوريَّة الساسانيَّة كانت تمتد حتَّى مدينة باب الأبواب التي أخضعها الفُرس لِنُفُوذهم في القرن الرابع الميلاديّ، وأجلوا الروم عن المناطق المُحيطة بها، فحصَّنوها وأقاموا بها قُوَّاتٌ عسكريَّة تُدافع عنها من غارات الخزر، فكان لا بُدَّ لِلمُسلمين من التقدُّم شمالًا لِفتحها. وكان هذا الفتح حيويًّا لِلمُسلمين، لِموقع باب الأبواب الجُغرافي المُهم بين بلاد الخزر وبلاد الفُرس، ووُجود السُّد فيها والحُصُون المنيعة على امتداد جبال القفقاس التي تحرم الخزر من تقديم أي إمداداتٍ عسكريَّةٍ لِقومهم القاطنين في أرمينية، أو إلى الروم والفُرس. أضف إلى ذلك، فإنَّ سلسلة جبال القفقاس شكَّلت حصنًا حصينًا يلجأ إليه أعداء المُسلمين لاستجماع قُوَّاتهم واتخاذه موضعًا دفاعيًّا طبيعيًّا يُناوشون من خلاله جُيُوش المُسلمين. كما أنَّ تلك الجبال بحد ذاتها شكَّلت موضعًا سوقيًّا مُهمًّا لِلغاية، كونها تُشرف على سُهُول أرمينية وأذربيجان من الشمال، فكان فتحها يعني تمكُّن المُسلمين من حماية حُدُودهم الجديدة بِسُهولةٍ ويُسرٍ.
شجَّع انتصار المُسلمين في الجزيرة الفُراتيَّة وفتحها بِسُهُولة، أبرز قادة الفتح وهو الصحابي عياض بن غنم الفهري على المضي قدمًا لِفتح أرمينية المُجاورة لِلجزيرة، لِلأسباب سالِفة الذِكر، وفي مُقدمتها أنَّ جُيُوش الروم انسحبت من الجزيرة بدون قِتال باتجاه أرمينية على أمل أن تجمع شملها وتُنظِّم صُفُوفها وتضُم إليها قُوَّات جديدة لِمُهاجمة المُسلمين لاستعادة الجزيرة. لِذلك، أقدم عياض على اجتياز الدَّرب، وهي الطريق ما بين طرسوس وبلاد الروم، فكان أوَّل من أجاز الدرب المذكور عبر الجزيرة الفُراتيَّة إلى أرمينية، وتوجَّه إلى أرزن وبدليس، التي كان الإمبراطور البيزنطي قد ولَّى عليها بطريركًا اسمه «سروند بن بولس»، فبعث إليه عياض ببطريرك حلب «يوقنَّا»، الذي كان قد أسلم وحسُن إسلامه بُعيد انتهاء المُسلمين من فُتُوح الشَّام، كي يُفاوضه بِشأن تسليم القلاع والحُصُون التي بين يديه دون قِتال. وما إن وصل يُوقنَّا إلى بدليس حتى عرض على بطريركها الإسلام، وأعلمه أنَّ جيش المُسلمين بِقيادة عياض بن غنم موجودٌ في ديار ربيعة على مقرُبةٍ من أرمينية، فأجاب سروند بن بولس أنَّهُ لا يرغب بِالحرب، وقد عزم على مُراسلة عياض لِطلب السلام شرط أن يبقى وقومه على دينهم، وأنَّهُ لن يمنع أي شخصٍ من أبناء بلاده من اعتناق الإسلام إن رغب بِذلك، وصالح المُسلمين على مائة ألف دينار وخمسَمائة زرديَّة وألف قوس، واشترط أن يبقى قائمًا على كُرسيّ المُلك حتَّى يموت وأن يكون أمره نافذًا على رعيَّته طيلة تلك الفترة، وأن يتولَّى أمر المُسلمين في البلاد، بمَن فيهم كُل من يعتنق الإسلام، رجلٌ أو رجُلان فقط. قبِل يُوقنَّا هذا العرض وصالح سروند بن بولس، وراسل عياض يُعمله بما استقرَّ بينهم، فسار الأخير حتَّى وصل بدليس ودخلها صُلحًا وكتب عهد الأمان والسلام لِبطريركها.
بعد فتح بدليس وأرزن سلمًا، كتب عياض بن غنم إلى خالد بن الوليد في الشَّام يُخبره بما حدث ويسأله عن الخُطوة القادمة، فكتب إليه خالد يقول إن يُتابع المسير ويبعث يُوقنَّا رسولًا إلى البلاد المُجاورة لِيعرض الصُلح على حُكَّامها أولًا، فأرسل عياض يُوقنَّا ومعه عُشرون من أصحابه بِالإضافة إلى خمسةٍ وثلاثين من الصحابة. فتوجهوا إلى مدينة أخلاط وطلبوا مُقابلة بطريركها المدعو «بوسطيرس»، فوافق على الاجتماع بهم وأمر بِإحضارهم أمامه في دار الإمارة. ومن غير المُؤكَّد إن كان البطريرك المذكور روميًّا أم أرمنيًّا، فقد قيل إنَّ يُوقنَّا نقل إليه مطالب المُسلمين بِاللُغة الروميَّة، إذ كان هو الوسيط والمُترجم لِلمُسلمين، وقيل إنَّ ترجُمانًا كان حاضرًا، وترجم مطالب المُسلمين التي ألقاها يُوقنَّا بِالروميَّة، إلى الأرمنيَّة، التي لم يعرف بوسطيرس لُغةً غيرها. وبجميع الأحوال فقد رفض البطريرك المذكور عرض المُسلمين، وهو تسليم المدينة والدُخُول في الإسلام، أو تسليمها مع البقاء على المسيحيَّة لقاء الجزية، فردَّ غاضبًا: «وَحقِّ المَسِيحِ والإِنجِيلِ لَا نُعطِيَهُم وَلَا نَدخُلَ فِي دِينِهِم أو نَمُوتُ عَن آخِرَنَا، وَلَا يَحسَبُوا أَنَّنَا مِثلُ مَن لَاقُوا مِن جُيُوشِ الرُّومِ وَلَنَا الشِّدَّةَ وَالبَأسَ وَالقُوَّةَ وَالمَرَاس، وَنَحنُ نَرمِي عن الأَقوَاسِ بِالنَشَّابِ وَالعَرَبُ تُسمِّيهِ قَاطِعُ الشَّهَوَات وَالأَسبَاب، وَأنَا أبعَثُ إَلَى صَاحب خُو وسَلُوس وأستَنصِرُ عَلَيهِم بَأسرَاغُوص مَلِكُ المَرج وَنَرُدُّهُم عَلَى أَعقَابِهِم وَنَستَخلِصُ مِنهُم البِلَاد، وَلَيسَ عِندَنَا جَوَابٌ غَيرَ هَذَا». وهكذا رفض بوسطيرس العرض الإسلامي. وكان لِبوسطيرس المذكور ابنة تُدعى «طاريون» اعتنقت الإسلام سرًا مع زوجها «يرغون»، ويبدو أنَّها تمكنت من إقناع والدها أن يتنازل لها عن العرش بعدما أقنعته أنَّ قتال المُسلمين ليس مُستحبًا لِقُوَّتهم العسكريَّة الكبيرة، وما أن تنازل لها والدها عن العرش حتَّى ظفرت به وقتلته، ثُمَّ بعثت وراء الحُكَّام المُجاورين على لسان أبيها فلما جاءوا إليها قتلتهم، إلَّا أنَّ جمعًا من غلمانها علموا بإسلامها وبِما فعلته، فأرسلوا إلى بقيَّة البطاركة والوُلاة واستنصروهم، فأعدَّ هؤلاء العدَّة، وساروا على رؤوس جُيُوشهم لِقتالها والمُسلمين، فالتقوا بهم في المرج القريب من أخلاط، وكان صاحب بدليس وأرزن سروند بن بولس قد انضمَّ إلى جيش المُسلمين، فدارت بين الطرفان معركة هائلة انتصر فيها المُسلمين، ودخلوا أخلاط حيثُ أقرَّ عياض بن غنم طاريون واليةً على المدينة، ثُمَّ بعث الرُسُل إلى خوي وسلواس وما يلي تلك الأرض، فافتُتحت سلمًا وأسلم أهلها إلَّا القليل. ولم يلبث عياض أن غادر أرمينية عائدًا إلى العراق بعد أن أخذ على طاريون وزوجها موثقًا من الله أن يُعاملا الناس بِالعدل وأن يتبعا الشريعة الإسلاميَّة ويأمرا بِالمعروف وينهيا عن المُنكر.
كانت فُتُوحات عياض بن غنم الفهري في أرمينية فُتُوحاتٍ خاطفة غير ثابتة الأركان على ما يبدو، وكان هدفها شل قُوَّات الروم في بلادها واستعراض قُوَّة المُسلمين العسكريَّة وتأديب البيزنطيين حتَّى لا يُهاجموا المُسلمين مرَّةً أُخرى كما فعلوا في حِصار مدينة حِمص، ولم تكن الغاية منها توطيد أركان الفتح بِحسب الظاهر. ولِغرض مُتابعة الضغط العسكري على الروم، وجَّة عياض بن غنم عُثمان بن أبي العاص الثقفي إلى أرمينية الرابعة، وذلك في سنة 19هـ المُوافقة لِسنة 640م، فغزا البلاد ويظهر أنَّهُ لقي بعض المُقاومة، إذ تنص بعض المصادر أنَّ شيئًا من قتالٍ وقع وأُصيب فيه الصحابي صفوان بن المُعطَّل السلمي، وتُوفي على إثر ذلك بعد مُدَّةٍ قصيرة، ثُمَّ صالح عُثمان الأهالي على الجزية، على كُلِّ أهل بيتٍ دينار. ولم تتطرَّق المصادر التاريخيَّة العربيَّة والإسلاميَّة إلى تفاصيل فتح عُثمان في أرمينية الرابعة، والظاهر أنَّ حملته كانت أشبه بِالغارة والغزوة الصغيرة منها بِالفتح المُستدام، بِغرض تأديب الروم كما أُسلف، لا سيَّما وأنَّ القُوَّات الإسلاميَّة لم تكن كافية لِتوطيد أركان الفتح في الأرجاء النائية كأرمينية حينذاك، إذ انتشر المُسلمون في بلادٍ شاسعة لا تتناسب مع حجم جُيُوشهم المُقاتلة. وبِذلك، لم يُحقق كُلٌ من عياض بن غنم وعُثمان بن أبي العاص توطيد أركان الفتح وترسيخ جُذُوره، بيد أنَّ عُثمان مكَّن تلك الجُذُور أكثر، على أنَّهُما مهَّدا الطريق لِلقادة الآتين بعدهما.
كان فتح مدينة باب الأبواب ذات الموقع السَّوقي الحيويّ يهدف إلى وضع حدٍ لِمُقاومة الفُرس وحماية البلاد المفتوحة في فارس وأذربيجان من بقايا الجُيُوش الساسانيَّة، بِالقضاء على آخر معقلٍ لِلفُرس في أرمينية. ولمَّا انهارت الإمبراطوريَّة الساسانيَّة أمام ضربات المُسلمين المُتتالية، واستُكشفت بعض بلاد أرمينية عن طريق حملات عياض بن غنم وعُثمان بن أبي العاص، وتبيَّنت الضرورات الإستراتيجيَّة لِفتحها فتحًا مُستدامًا، أوكل الخليفة عُمر بن الخطَّاب مُهمَّة فتح باب الأبواب، إلى سُراقة بن عمرو، وجعل على مُقدمته عبد الرحمٰن بن ربيعة الباهلي، وجعل على إحدى مجنبتيه حُذيفة بن أسيد الغفاري، وسمَّى لِلأُخرى بُكير بن عبد الله الليثي - وكان بإزاء مدينة باب الأبواب قبل قُدُوم سُراقة بن عمرو عليه، وكتب إلى بُكير أن يلحق بِسُراقة، وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي. وسلك سُراقة طريق بحر الخزر (بحر قزوين)، لأنَّهُ أقصر طريق يُؤدِّي إلى باب الأبواب، ولِأنَّ هذا الطريق يُجنِّب الجيش الإسلامي وُعُورة المسالك الجبليَّة، ولِأنَّ الجيش يكون في جناحه الأيمن أمينًا بِالبحر وجناحه الأيسر أمينًا بِأذربيجان التي استسلمت نهائيًّا لِلمُسلمين. وقدَّم سُراقة عبدُ الرحمٰن بن ربيعة الباهليّ، وخرج في أثره من أذربيجان باتجاه الباب على ما عبَّأه عُمر بن الخطَّاب في قيادة الميمنة والميسرة، كما أمدَّهُ عُمر بِحبيب بن مسلمة الفهري الذري صرفه إليه من الجزيرة الفُراتيَّة. ولمَّا أطلَّ عبدُ الرحمٰن بن ربيعة على الباب، وحاكمها يومئذٍ مرزبانٌ يُدعى «شهربراز» من أهل فارس، يحكم البلاد باسم الشاه الساسانيّ، استأمن المرزبان عبد الرحمٰن على أن يأتيه، فأمَّنه عبدُ الرحمٰن، فأتى شهربراز وهو خارج المدينة قبل أن يفتحها. وقال شهربراز لِعبد الرحمٰن: «إِنِّي بِإزَاءِ عَدُوٍّ كَلِب وَأُمَمٍ مُختَلِفَةٍ، لَا يُنسَبُونَ إِلى أَحسَاب، وَلَيسَ يَنبَغِي لِذِي الحَسبِ وَالعَقلِ أن يُعِّينَ أَمثَالَ هَؤُلَاء، وَلَا يِستَعِينَ بِهِم عَلَى ذَوِي الأَحسَابِ وَالأُصُولِ، وَذُو الحَسَبِ قَرِيبِ ذِي الحَسَبِ حَيثُ كَان، وَلَستُ مِنَ القَبَجِ فِي شَيءٍ، وَلَا مِنَ الأَرمَنِ، وَإِنَّكُم قَد غَلَبتُم عَلَى بِلَادِي وَأُمَّتِي، فَأَنَا اليَومَ مِنكُم وَيَدِي مَعَ أيدِيَكُم، وَصَغوِيَ مَعَكُم، وبَارَكَ الله لَنَا وَلَكُم، وَجِزيَتَنَا إِلَيكُم وَالنَّصرُ لِكُم، والقِيَامُ بِمَا تُحِبُّون، فَلَا تَذِلُّونَا بِالجِزيَة فَتُوهِنُونَا لِعَدُوِّكُم». فقال عبد الرحمٰن: «فَوقِيَ رَجُلٌ قَد أَظَلَّك، فَسِر إِليهِ». وسار شهربراز إلى سُراقة، فقال لهُ مثل ما قال لِعبد الرحمٰن، فقال سُراقة: «قَد قَبِلتُ ذَلِكَ فِيمَن كَانَ مَعَكَ عَلَى هَذَا، مَا دَامَ عَلَيهِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الجَزَاءِ مِمَّن يُقِيمُ وَلَا يَنهَضُ»، فقبل ذلك، وصارت سُنَّةً فيمن كان يُحارب العدو من غير المُسلمين، وفيمن لم يكن قادرًا على دفع الجزية، فيُستنفروا إلى الحرب فتُوضع عنهم جِزاء تلك السنة. وكتب سُراقة إلى عُمر بن الخطَّاب بِذلك، فأجازهُ وحسَّنه. وكتب سُراقة وثيقة صُلحٍ إلى شهربراز نصُّها:
هذا ما أعطى سُراقة بن عمرو عامل أمير المُؤمنين عُمر بن الخطَّاب شهربراز وسكان أرمينية والأرمن من الأمان، أعطاهم أمانًا لِأنفسهم وأموالهم ومِلَّتهم، ألَّا يُضاروا ولا يُنتقضوا. وعلى أهل أرمينية والأبواب الطُرَّاء منهم والتُنَّاء ومن حولهم فدخل معهم أن ينفروا لِكُلِّ غارةٍ وينفذوا لِكُلَّ أمرٍ ناب أو لم ينب رآه الوالي صلاحًا على أن تُوضع الجزاء عمَّن أجاب إلى ذلك إلَّا الحشر والحشر عوض من جزائهم ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدَّلالة والنُّزل يومًا كاملًا، فإن حُشروا وُضع ذلك عنهم وإن تركوا أُخذوا به.
شهد عبد الرحمٰن بن ربيعة وسلمان بن ربيعة وبُكير بن عبد الله وكتب مُرضي بن مُقرن وشهد.
يقول اللِّواء محمود شيت خطَّاب أنَّ هذا الاتفاق بين المُسلمين من جهة ومرزبان باب الأبواب من جهةٍ أُخرى، دلَّ على أنَّ المُسلمين كانوا يفرضون الجزية على المغلوبين لِقاء الدفاع عنهم وحمايتهم، فهي تُقابل بدل الخدمة العسكريَّة أو ما يُسمَّى «ضريبة الدفاع»، أمَّا الذين يُدافعون عن أنفُسهم ويُقاتلون عدُّوهم مع المُسلمين، فلا جزية عليهم. وبِذلك افتُتحت باب الأبواب صُلحًا، وكان ذلك سنة 22هـ المُوافقة لِسنة 642م، ولمَّا دخلها المُسلمون وجدوها خاليةً من أهلها الأصليين، فقد استأصلتهم الغارات والحُرُوب، وغادرها أهل الجبال إلى جبالهم، فلم يبقَ فيها غير الجُنُود ومن أعانهم أو اتَّجر معهم. وقد قال سُراقة بن عمرو شعرًا يصفُ فتح باب الأبواب:
كان لِفتح باب الأبواب أهميَّةً خاصَّة، وهي أنها أصبحت القاعدة المُتقدِّمة لِجُيُوش المُسلمين في حركاتهم العسكريَّة شمالًا، ففُتح لهم مجال التوسُّع باتجاه باقي البلاد الأرمنيَّة بِالإضافة إلى القفقاس وتُركستان حتَّى حُدُود سيبيريا، وهو ما ساهم بِنشر الإسلام في تلك الأصقاع من العالم. كما أنَّ منطقة باب الأبواب كانت شاسعةً وغنيَّةً بِالثروة الزراعيَّة والحيوانيَّة، لِذلك كان فتحها نصرًا استراتيجيًّا لِلمُسلمين من مُختلف النواحي، وقد ظهرت النتائج البعيدة لِهذا الأمر بعد سنواتٍ قليلةٍ من الفتح.
بعد فتح مدينة باب الأبواب، وجَّه سُراقة بُكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحُذيفة بن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى الجبال المُحيطة بِأرمينية، فوجَّه بُكيرًا إلى موقان، ووجَّه حبيبًا إلى تفليس، وحُذيفة بن أسيد إلى من بِجبال اللآن - وهي الجُزء الأوسط من جبال القفقاس - ووجَّه سلمان بن ربيعة إلى الوجه الآخر، أي بلاد الخزر الواقعة خلف باب الأبواب، وكتب سُراقة بِالفتح وبِالذي وجَّه فيه هؤلاء النَّفر إلى عُمر بن الخطَّاب بِالمدينة المُنوَّرة، فاضطرب عُمر لِذلك أشدَّ الاضطراب، لِأنَّهُ قدَّر أنَّ قُوَّات المُسلمين التي توجَّهت لِفتح هذه المناطق غير كافية لِلنُهُوض بِتحقيق واجباتها عددًا وعُددًا، وفعلًا لم يفتح أحد القادة ما وُجِّه لهُ من أهدافٍ إلَّا بُكير، فإنَّهُ فتح مُوقان، وصالح أهلها على الجزية وقدرُها دينارٌ عن كُلِّ حالمٍ، وكتب لهم الصُلح، ونصُّه:
هذا ما أعطى بُكير بن عبد الله أهل مُوقان من جبال القبج الأمان على أموالهم وأنفسهم ومِلَّتهم وشرائعهم على الجِزاء دينارٌ عن كُلِّ حالمٍ أو قيمته، والنُّصح ودلالة المُسلم ونُزُله يومه وليلته، فلهم الأمان ما أوفروا ونصحُوا، وعلينا الوفاء والله المُستعان، فإن تركوا ذلك واستبان منهم غشٌ فلا أمان لهم إلَّا أن يُسلِّموا الغششة بِرُمَّتهم وإلَّا فهم متمالؤن.
شهد الشمَّاخ بن ضرار والرسارس بن جنادب وحملة بن جوية، وكُتب سنة إحدى وعشرين.
ومات سُراقة بن عمرو في باب الأبواب قبل أن يرى ثمرات جهاده، واستخلف قبل موته عبد الرحمٰن بن ربيعة الباهليّ، فأقرَّ عُمر عبد الرحمٰن على ثغر الباب وأمرهُ بِغزو التُرك، فخرج حتَّى قطع باب الأبواب وبلغ مدينة البيضاء على بُعد مائتيّ فرسخ من بلنجر، فقاتل التُرك وغزا مرَّاتٍ مُتعددة، على أنَّ هذه الحملات يبدو أنها اتخذت طابع اختبار البلاد وأهلها وجُيُوشها، ولم تهدف إلى تثبيت الفتح فيها في ذلك الوقت.
بعد تمام فتح باب الأبواب وموقان، هاجم المُسلمون حُدُود أرمينية من الشمال الشرقي بجيشٍ مُكوَّنٍ من أربع فرق، لكنَّ هذا الجيش واجه مُقاومةً عنيفةً قادها الأمير تُيُودور الرشتوني، الذي كان أحد القادة الأرمن حُلفاء الروم، ومع ذلك فقد دخل المُسلمون إلى مدينة دُبيل عاصمة بلاد الأرمن في 7 ذي القعدة 21هـ المُوافق فيه 6 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 642م، إلَّا أنَّهم لم يستقرُّوا فيها بسبب الضغط الأرمني، وغادروها بعد أن غنموا مقادير هائلة من الغنائم، وحملوا معهم كثيرًا من الأسرى، قُدَّرت أعدادهم وفق إحدى المصادر بِحوالي 35,000 أسير.
وطارد تُيُودور الرشتوني الجيش الإسلامي أثناء خُرُوجه من المنطقة في مُحاولةٍ لاستعادة الغنائم والأسرى، وكمن له عند نهر كوجوفيت، إلَّا أنَّهُ فشل في مُهمَّته وفق إحدى المصادر، بينما تنصُّ أُخرى أنَّهُ تمكَّن من رد الأسرى على الأقل. وبجميع الأحوال، انتهت هذه الحملة دون نتائج إيجابيَّة من واقع الفشل في فتح المدينة والاستقرار في رُبُوعها، نتيجة المُقاومة العنيفة التي واجهها المُسلمون.
قُتل عُمر بن الخطَّاب يوم الأربعاء 26 ذي الحجَّة 23هـ المُوافق فيه 23 تشرين الثاني (نوڤمبر) 644م، على يد أبي لُؤلُؤة فيروز النهاوندي، واستُخلف بعده عُثمان بن عفَّان. وفي عهد عُثمان توغَّل المُسلمون في الرُبُوع الأرمنيَّة بِغرض فتح هذه البلاد فتحًا نهائيًّا وضمِّها إلى الأملاك الإسلاميَّة، ونشر الإسلام في رُبُوعها. لِذلك، كتب عُثمان إلى مُعاوية بن أبي سُفيان، وهو عامله على الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة وثُغُورهما، يأمُره بِأنَّ يُوجِّه حبيب بن مسلمة الفهريّ إلى أرمينية. وكان حبيب ذا أثرٍ جميلٍ في فُتُوح الشَّام وغزو الروم، وقد عَلِم ذلك منهُ عُمر بن الخطَّاب ثُمَّ عُثمان بن عفَّان من بعده. وتحرَّك حبيب نحو هدفه في ستَّة آلاف، وقيل في ثمانية آلاف، من أهل الشَّام والجزيرة، فأتى قاليقلا وأقام بِساحتها. وخرج إليه أهل المدينة لِقتاله ودفع المُسلمين بعيدًا عن مدينتهم، فقاتلهم حبيب حتَّى ألجأهم إلى داخل المدينة، فطلبوا الأمان على الجلاء أو الجزية، فجلا كثيرٌ منهم إلى بلاد الروم، وأقام حبيب فيمن معهُ أشهُرًا بِالمدينة سالفة الذِكر، حتَّى بلغهُ أنَّ الموريان بطريرك بلاد أرميناقس، وهي البلاد التي تشتملُ على ملطية وسيواس وآق سراي وقونية وما والاها من البلاد وُصولًا إلى خليج القُسطنطينيَّة، قد جمع لِلمُسلمين جمعًا عظيمًا، وتوجَّه إليهم في ثمانين ألفًا من الروم ومن والاهم من التُرك، فكتب إلى مُعاوية بن أبي سُفيان الذي كتب بدوره إلى الخليفة عُثمان، فأرسل عُثمان إلى والي الكوفة الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط يأمرهُ بِإمداد حبيب، فأمدَّهُ بِسلمان بن ربيعة الباهليّ على رأس ثمانية آلافٍ من أهل الكوفة. وأبطأ المدد على حبيب، فأجمع على تبييت الروم، أي مُباغتتهم ومُهاجمتهم ليلًا، وكان هؤلاء قد حشدوا جُمُوعهم ونزلوا على نهر الفُرات، فاجتاح المُسلمون الروم وهزموهم هزيمةً نكراء، وقتلوا قائدهم الموريان. وعاد حبيب إلى قاليقلا حيثُ وصلهُ ألفيّ رجل أرسلهم مُعاوية بن أبي سُفيان لِإسكانهم في المدينة المفتوحة، فأقطعهم بها القطائع وجعلهم مُرابطةً بها.
بعد تمام فتح قاليقلا، سار حبيب ومعهُ سلمان، فنزل مدينة مِربالا حيثُ أتاه بطريرك أخلاط يحملُ كتاب عياض بن غنم الذي أمَّن فيه أهالي المدينة المذكورة على أنفسهم وأموالهم وبلادهم، فأنفذه حبيب له، وحمل إليه البطريرك ما على مدينته من مال. ونزل حبيب أخلاط، ثُمَّ سار منها فلقيه صاحب «مُكس»، وهي ناحية من نواحي البُسفُرجان فقاطعهُ على بلاده ووجَّه معهُ رجُلًا وكتب له كتاب صُلح وأمان ووجَّه إِلى قُرى إرجيش وباجنيس من غلب عليها وجبى جزية رؤوس أهلها، وأتاه أعيان تلك البلاد فقاطعهم على خراجها. ثُمَّ سار حبيب وفتح قرية «أردشاط»، ومنها سار إلى مدينة دُبيل وحاصرها بعد أن تحصَّن أهلها بها. ورمى المُتحصنون جيش المُسلمين من وراء الأسوار، فنصب عليهم حبيب منجنيقًا ورماهم حتَّى طلبوا الأمان والصُلح، فأجابهم إليه، وبذلك افتُتحت دُبيل وجميع قُراها، وكان كتاب صُلحها:
هذا كتابٌ من حبيب بن مسلمة لِنصارى أهل دُبيل ومجوسها ويهودها شاهدُهُم وغائبهُم. إنِّي أمَّنتُكُم على أنفُسكم وأموالُكم وكنائسكم وبيعكم وسور مدينتكم فأنتم آمنون، وعلينا الوفاء لكم بِالعهد ما وفيتم وأدَّيتم الجزية والخِراج،
شهد الله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وختم حبيب بن مسلمة.
وفتح المُ