اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أدّى انهيار الدولة الصفوية في إيران سنة 1722، وما صاحبه من فقدان للأمن وحروب الأمراء، إلى هجرة أعداد متزايدة من العلماء الشيعة إلى النجف وكربلاء.
حسب مؤرخين فإن ليس هناك دليل يشير إلى أن الشيعة اقتربوا ذات يوم من تشكيل أكثرية السكان في العراق قبل القرن العشرين (ونحن نتكلم هنا عن العراق بحدوده الحالية). حيث أن التشيّع كان يقتصر بدرجة أساسية على المدن في جنوب العراق، وهذه المدن لم يكن يقطنها العدد الكبير من السكان.
كانت القبائل الرُحّل من البدو التي تعيش متنقلة بين العراق وشبه الجزيرة العربية تشكل وحدها نصف سكان الجنوب حتى وقت متأخر من عام 1867. وكانت هذه القبائل قد هاجرت بالأساس من شبه الجزيرة العربية مثل هجرة فروع كبيرة من بني تميم من نجد إلى العراق في حوالي 1737م، حتى اكتسبت شكلها النهائي بهجرة الشمر واتحادات عنزة و الظفير من الجزيرة بين 1791 و1805.
بدأت الدولة العثمانية (و آخر الحكام المماليك) بالسعي إلى توطين هذه القبائل في العراق وتحويلها من قبائل رُحَّل لا مدينة لهم إلى قبائل دائمة الاستطيان من خلال توفير الأرض الزراعية لهم. واعتبر العثمانيون التوطين الوسيلة التي يستطيعون بها تمدين الرُحَّل وغرس الشريعة بينهم وإجبارهم على تسوية نزاعاتهم في المحاكم الدينية بدلا من تسويتها وفق العرف العشائري. وكان لشق قناة الهندية والعديد من مشروعات الريّ الفضل الأساس لذلك.
وبالفعل فإن خلال القرن التاسع عشر استقر القسم الأعظم من عشائر العراق. وفي حين أن بني تميم وفروعا من الشمّر والدفافعة وبني عامر استقرت خلال ولاية داود باشا آخر ولاة المماليك (1816-1831)م فإن استقرار بقية العشائر بدا بشكل مطّرد مع استئناف العثمانيين حكمهم للبلاد.
مع توطن هذه القبائل التي كانت سنية إسمياً بدأت بقبول المذهب الشيعي بشكل كبير ومطرد أثار في كثير من الأحيان حفيظة علماء الدين السنة. ففي عام 1869 أعد العالم السني إبراهيم فصيح الحيدري قائمة بالعشائر التي تشيّعت مؤخرا باستثناء الخزاعل و كعب التي تشيعت مطلع و منتصف القرن الثامن عشر حسب قوله.
وعن تأثر العراق بإيران يقول الوردي: "بعد أن تحوّلت إيران إلى التشيّع، أخذت تؤثر في المجتمع العراقي تأثيرًا غير قليل. فقد بدأ التقارب بين الإيرانيين وشيعة العراق ينمو بمرور الأيام. وصارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعًا إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة أو طلب العلم أو دفن الموتى وغير ذلك. وقد نشأ في العراق جرّاء ذلك وضع اجتماعي فريد في بابه هو أن الشيعة الذي يمثلون أكثرية السكان في العراق هم من العرب بينما أكثر علماؤهم من الإيرانيين ".