اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أحمد شوقي هو شاعرٌ مصري صاحب موهبة شعرية فذّة بشهادة الكثير من النقّاد والشعراء والأدباء، فقد كان الشعر يجري على لسانه بكل سلاسة ويسر، فبلغ شوقي مكانة مرموقة بين الشعراء، حتى لقّبه أقرانه من شعراء عصره بأمير الشعراء، واعتُبِرمن أقدر شعراء العرب على مرّ العصور وأغزرهم عطاءً ونتاجاً شعرياً، حيث تجاوز عدد أبياته الشعرية الثلاثة والعشرين ألف بيت وخمسمائة، كما عمل شوقي أيضاً على إحياء الشعر العربي وإعادته إلى مستواه الرفيع الذي كان عليه في العصور القديمة بعد أن خلّصه مما وقع به من ركاكة وانحطاط آنذاك، وقد ساعده في ذلك تمثّله واقتباسه من عِظام الشعراء المتقدّمين أمثال المتنبي وابن زيدون والبحتري وغيرهم.
ولد أحمد شوقي الشاعر المصري في القاهرة، في حين اختُلف في تاريخ ولادته، إلّا أنّ معظم الكتاب اتفقوا أنّ ولادته كانت سنة 1868م، وينتمي أحمد شوقي إلى عدة أصول، فجده لأبیه ينحدر من أصول كردية، وجده لأمه تركي، أمّا جدته لأمه فكانت يونانية، وقد كان شوقي وحيد والديه، فحظي بالحب والاهتمام والعناية والرعاية، وتربى في بواكير طفولته في أحضان جدته لأمه، وعاش معها في قصر الخديوي حيث نشأ وترعرع، وفي عام 1873م ألحقه والده بكُتّاب الشيخ صالح، حيث تلقى علومه الأولى هناك لمدة أربع سنوات، ثم انتقل إلى مدرسة المبتديان الابتدائية التي شهدت ولادة موهبته الأدبية، إذ نظم أثناء دراسته فيها أول أبياته الشعريّة.
امتاز شعر أحمد شوقي بالأصالة، فقد نهل من الشعر القديم، وسار على نهج فحوله، وحذا حذوهم لا سيما أنّ بداياته في الشعر كانت شبيهة ببدايات أكثرهم، أي في شعر المدح، كمدح الملوك وأمراء القصور وحاشيتهم، إلا أنّه ترفع عن الهجاء اللاذع، فقد كان عفيف اللسان، فلم يجرح أحداً بهجاء، وحاكى بقصائده قصائد القدماء وعارضها، أي أنشأ قصائده على نفس قافية قصائدهم ووزنها، ومن هؤلاء الشعراء الذين عارض قصائدهم البحتري، وابن زيدون، وأبي العلاء المعري، والبوصيري، وأبي تمام، ومن الأمثلة على هذه المعارضات، أبيات من قصيدة عارض فيها سينية البحتري كانت تقول:
اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي
وَصِفا لي مُلاوَةً مِن شَبابٍ
وأبيات أخرى من قصيدة عارض فيها نونية ابن زيدون :
يا نائح الطلح أشباه عوادينا
ماذا تقص علينا غير أن يــدا
كما اتخذ شوقي الشاعر المتنبي أنموذجاً له، فحذا حذوه في تحقيق أهدافه، وقلّده في شعره، كما فعل حين سمع عن وفاة والدته وهو في الأندلس حيث رثاها رثاءً مشابهاً لرثاء المتنبي لجدته فقال:
إِلى اللَهِ أَشكو مِن عَوادي النَوى سَهما
أَتَيتِ بِهِ لَم يَنظُمِ الشِعرَ
حافظ أحمد شوقي على روح الشعرالعربي القديم، غير أنّه سعى إلى التجديد فيه، متأثراً بشعراء الغرب الذين اطّلع على أدبهم أثناء دراسته في بلادهم، وأثناء تواجده في المنفى في إسبانيا، ومن هؤلاء الأدباء شكسبير، وكورنيل، وراسين، لكنه ورغم ذلك لم يستطع تحقيق هدفه في التجديد في بداية حياته، فارتباطه في قصر الخديوي وقف حائلاً دون هذا بسبب التقاليد، وحين أتيحت له الفرصة لذلك وتحررّ من القيود التي كانت تحدّ من حريته في التجديد انطلق في النظم ورسم صورة جديدة للشعر في المعنى والمبنى، بل وأدخل عليه مواضيع جديدة عدّة، مما جعله يبتكر أساليب جديدة في القول والوصف، فأنشأ قصائد تتّسم بمتانة النسيج ورصانة النظم، وجزالة الألفاظ، حيثّ مثّل هذا تأثّره بشعر القدماء، رغم تزيينه للشعر بإلباسه ثوب الجِدّة والحداثة.
أما مظاهر التجديد في شعر شوقي فهي كالآتي:
أفضى إلى خَتْم الزمان ففضَّه
وطوى القرونَ القَهْقَرى حتى أتى
جعلتُ حُلاها وتمثالها
وأَرسلتُها في سماءِ الخيال
شرفًا أدرنةُ هكذا يقفُ الحمى
وتُرَدُّ بالدم بقعةٌ أخذت به
والملكُ يؤخذ أو يُرَدُّ ولم يزل
برز الثعلبُ يوماً
فمشى في الأرضِ يهذي
ويقولُ : الحمدُ للـه
يا عِباد الله، تُوبُوا
لقد تعددت الأغراض الشعرية في شعر أحمد شوقي فقد نظم الشعر في كافة أغراضه؛ من مديح، ورثاء، وغزل، ووصف، وحكمة، لكنه مزج هذه الأغراض مع بعضها، فكان إذا أنشأ قصيدة في المدح مثلاً يدخل إليها أغراضاً أخرى كالدين والوصف والحكمة، وإذا أنشأ قصيدة بالوصف مزج معها التاريخ، والوطنية، والفخر وهكذا، وكان قليلاً ما يبني قصيدة مقتصرة على غرض واحد، وهذا لأن شوقي كان يهدف إلى جعل الشعر فناً متنوعاً، بحيث تحتوي القصيدة الواحدة على عدة فنون مختلفة، ومن الأمثلة على ذلك هذه الأبيات من مطلع قصيدته التي رثا فيها (اللورد كارنارفون) الذي اكتشف قبر (توت عنخ آمون) حيث أضاف الحكمة الدينية إلى قصيدة الرثاء:
في الموت ما أعيا وفي أسبابه
تعتبر اللغة في شعر شوقي من أهم ميزاته، فشوقي شاعر ذو لغة عربية سليمة اعتنى بالألفاظ عناية كبيرة، فأعاد الروح إلى الألفاظ العربية القديمة وأنعشها، وكان اهتمامه هذا باللفظ يمثل خصوصیة من خصائص فنّه، لا سيما أنّ الله وهبه قدرة على اختيار الألفاظ وتنسيقها، وهذا ما يتجلّى في هذه الأبيات من قصيدة كتبها عن لبنان، وقال فيها:
وَأَغَنَّ أَكحَلَ مِن مَها بِكَفَّيهِ
لُبنانُ دارَتُهُ وَفيهِ كِناسُهُ
السَلسَبيلُ مِنَ الجَداوِلِ وَردُهُ
امتاز شوقي بالشعر الغنائي، فقد غلب الطابع الغنائي على شعره الذي امتلأ بالموسيقى لا سيما أنّ الله قد حباه بأذن موسيقيّة موهوبة، ومن شعره الغنائي هذه الأبيات:
مُضناك جفاهُ مَرْقَدُه
حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ
يستهوي الوُرْق تأوُّهه
ترك أحمد شوقي نتاجاً أدبياً متنوعاً في الشعر والنثر، فقد جُمعت أعماله الشعرية في ديوان ضخم عرفُ باسم (الشوقيّات)، ويتكون هذا الديوان من سبعة أجزاء، نُشرالجزء الأوّل منه في حياة الشاعر وذلك سنة 1925م، والجزء الثاني نُشر سنة 1930م، والجزء الثالث نُشر سنة 1933م، أمّا الجزء الرابع فقد نُشر سنة 1943م، ترك شوقي بالإضافة إلى ذلك الديوان مجموعة كبيرة من المسرحيات الشعرية، والتي كانت تراجيدية مستوحاة من التاريخ، باستثناء واحدة قد كانت ملهاة مستوحاة من الواقع المصري المعاصر، وهي الست هدى، ومن الأمثلة على هذه المسرحيات مجنون ليلى التي طُبعت سنة 1931م، وعنترة، وعلي بيك الكبير التي طُبعت سنة 1932م، وقميز، وأميرة الأندلس وهي مسرحية نثرية طُبعت سنة 1932م.
ترك شوقي خمس روايات كنتاج نثري محفوظ، كان قد استوحى مادة ثلاث منها من التاريخ الفرعوني القديم وهي: رواية عذراء الهند وقد طُبعت سنة 1897م، ورواية لادياس أو آخر الفراعنة والتي طُبعت سنة 1897م، ورواية دل وتيمان أو آخر الفراعنة، وهي تتمة لرواية لادياس حيث طُبعت سنة 1899م، ورواية شيطان بنتاءور أو لبد لقمان، وهدهد سليمان، والتي طُبعت سنة 1901م، وهذه الرواية تختلف عن سابقاتها فهي عبارة عن مقامات شعرية على شكل حوار بين طائر الهدهد الذي يمثل الشاعر أحمد شوقي، وطائر النسر الذي يمثل بنتاؤور وهو شاعر فرعوني قديم، ورواية ورقة الآس، وهي رواية عربية تعود أحداثها إلى عام 272م، وقد كتبها سنة 1905م، كما وترك في النثر مجموعة من المقالات الاجتماعية التي تحتوي على عدة موضوعات مختلفة تحدثت عن الحرية والوطن وقناة السويس والأهرام والموت والجندي المجهول، زينها بالحِكم التي اكتسبها من تجاربه الشخصية، وقد جُمعت هذه المقالات سنة 1932م، تحت عنوان (أسواق الذهب).
توفي أحمد شوقي بعد مدّة قضاها مع المرض في الرابع عشر من تشرين الأول سنة 1932م، وذلك بعد تتويجه أميراً للشعراء بخمس سنوات عندما انصرف خلالها إلى أدبه، واعتكف في بيته بسبب مرضه، منقطعاً عن العمل السياسي، متفرغاً للمطالعة والتأليف، وقد ألف في أواخر حياته عدداً من أجمل روائعه المسرحية، وهي: مجنون ليلى، وقميز، والست هدى، وعلي بك الكبير، والبخيلة، وكان أحمد شوقي رحمه الله قد أوصى أن يُكتب على قبره هذان البيتان من قصيدة نهج البردة:
يا أَحمَدَ الخَيرِ لـي جــاهٌ بِتَسمِيَتـي
إِن جَلَّ ذَنبي عَـنِ الغُفــــــرانِ لـي أَمَـلٌ