English  

كتب interpretation of sufis and shiites

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

التأويل لدى المتصوفة والشيعة (معلومة)


هذا؛ وبجانب التأويل الاعتزالي، نجد ضربًا آخر من التأويل سار فيه أصحابه إلى أبعد شوط، ونعني به التأويل الصوفي. وفي الحق إنَّ المُتصوفة لهم تآويل مجازية للقرآن خاصَّة بهم، وأغلبها — إن لم نقل كلها — مُتَطرف إلى حدٍّ بعيد، وهم مثل الشيعة يرون أنَّ الإمام علي بن أبي طالب، عنده عن الرسول ، علم هذه التآويل كلها التي ينبغي ألا تُلَقَّن إلا للمريدين وحدهم شيئًا فشيئًا. وفي هذا يقول عمر بن الفارض الشاعر الصوفي المعروف، في قصيدته التائية المشهورة:


وعلى هذا، الإمام علي بن أبي طالب هو إمام التصوف الإسلامي في نظر الصوفية، وهذا الرأي الذي أخذه المُتصوفة عن الشيعة، ينكره بتاتًا أهل السنة بحق، فإنَّ الرسول لم يخصَّ أحدًا من صحابته أو ذوي قرابته بعلم خاص ظاهري أو باطني. وإن من الحق مع هذا على ما نَعتقِدُ، أنَّه وإن كان غيرَ صحيح ما ذهب إليه الشيعة والمُتصوفة من إسنادهم للإمام علي علمًا باطنيًّا يشمل المعاني الخفية للقرآن التي خصه بها الرَّسول ، فإنَّه ليس من السهل أن نُنكِر تفاوت العقول في فهم الكتاب العظيم، وإدراك ما تضمنه من تعاليم وحقائق، وفي هذا يرى الغزالي أنَّ أكابر الصحابة وفي مقدِّمتهم عمر وعلي، فهموا من أسرار الدين وحقائقه أكبر نصيب.

تختلف تآويل الصوفية والشيعة — وبخاصة الباطنية منهم — عن تآويل المعتزلة بأمرين:

  • المبالغة في التأويل المجازي الذي لا قرينة مُطلقًا عليه من القرآن، وفي طلب ما زعموه من المعاني الخفية فيه، حتى خرجوا به عن معانيه الحقة الواضحة التي لا ريب فيها.
  • إسناد هذه التآويل للإمام علي كما رأينا بلا دليل صحيح. وبعد هذا وذاك، نرى هؤلاء وأولئك يشتركون مع المعتزلة في أنهم عملوا جاهدين على إدخال آرائهم الفلسفية في القرآن والحديث بطريق ذلك التأويل المجازي، فيه — على رأيهم — يستخلص ما في النصوص الدينية الوحيية من حقائق فلسفية عميقة تستتر وراء المعاني الحرفية لهذه النصوص.

والمُثُل لهذه التآويلات الشيعية والصوفية كثيرة جدًّا، ومن اليسير أن يجدها من يريدها في التفاسير القرآنية لكلٍّ من هاتين الفرقتين، ونُشير من بين التفاسير الصوفية إلى:

  • كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي النيسابوري المتوفى سنة 412 هجرية.
  • تفسير محيي الدين بن عربي، المتوفى سنة 638 هجرية.
  • تأويلات القرآن، لعبد الرازق القاشي أو القاشاني السمرقندي، المتوفى سنة 887 هجرية.

ومع ذلك؛ فإننا نرى أنْ نأتي بمثال واحد للتأويل الصوفي، ومثال واحد آخر للتأويل الشيعي.

يقول الله تعالى في سورة يس: (الآيات 12–17):  إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ   وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ   إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ   قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ   قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ   وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ   

فهذه الآيات وما تلاها لم تجئ حسب معناها الظاهر، وهو الصحيح المُراد بلا ريب، إلا لتقصَّ علينا للعبرة والذكرى نبأ أصحاب القرية الخاطئة الضالة مع الرسل الثلاثة الذين أرسلهم الله إليها فكذبوهم، ولكنَّ المتصوفة تركوا هذا المعنى الظاهر وزعموا أنَّ لها معنى خفيًّا باطنيًّا، فرأوا أنَّ القرية ليست إلا الجسم، وأنَّ الرسل الثلاثة هم الروح والقلب والعقل، وهكذا أوَّلوها كلها تأويلًا مجازيًّا لا دليل ولا قرينة عليه.

والمثال الثاني هو تأويل هذه الآيات الأولى من سورة الشمس:  وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا   وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا   وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا   وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا   

الله تعالى يقسم في هذه الآيات وما تلاها ببعض الظواهر الطبيعية الفلكية الكبيرة على ما أراد تقريره بعدُ من الحق، وهذه معانٍ ظاهرة، وهي الصحيحة المرادة بلا ريب، ولكنَّ الشيعة بتفسيرهم الذي بلغ الذروة من التعصب والتعسف، أوَّلوها — لتشهد لهم ببعض ما ذهبوا إليه — تأويلًا مجازيًّا عجبًا، فزعموا أن المراد بالشمس محمد ، وبالقمر علي بن أبي طالب، وبالنهار الحسن و الحسين رضي الله عنهما، وبالليل الأمويون.

وهكذا نجد الغالين من هاتين الفرقتين قد بالغوا في التأويل، فحمَّلوا القرآن كثيرًا من المعاني والآراء التي لا يُقرُّها بحقٍّ أهلُ السنة، وجعلوا للآية الواحدة معاني باطنية مُتدرجة في صعوبة معرفتها والإحاطة بها، وفي هذا يقول جلال الدين الرومي الشاعر الصوفي المعروف، وهو ما يُوافقه عليه الشيعة الباطنية الإسماعيلية: «اعلم أنَّ آيات الكتاب سهلة يسيرة، ولكنها على سهولتها تخفي وراءها معنى خفيًّا مستترًا. ويتصل بهذا المعنى الخفي معنى ثالث يُحَيِّر ذوي الأفهام الثاقبة ويعييها، والمعنى الرابع ما من أحد يحيط به سوى الله واسع الكفاية، من لا شبيه له، وهكذا نصل إلى معاني سبعة الواحد تلو الآخر. ولذلك لا تتقيد يا بني بالمعنى الظاهري، كما لم يرَ إبليس في آدم إلا أنه مخلوق من الطين.»

المصدر: wikipedia.org