اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
السياسة المرحلية في التعامل مع الوضع في الصومال تدور حول التالي:
لقد اختارت حركة الإصلاح طريق المصالحة في الوقت الذي توجهت جل القوى الصومالية إلى التقاتل والتناحر وتصفية الحسابات فيما بينها عن طريق السلاح والقوة العسكرية. ولم تكتف الحركة بالمصالحة النظرية والنصائح العامة، وإنما أسست المجلس الصومالي للمصالحة في بداية الأزمة، والذي قام بعشرات العمليات التصالحية بين القبائل الصومالية كما قام المجلس بأنشطة اجتماعية واسعة النطاق بغية تقريب وجهات النظر بين شرائح المجتمع وفئاته المتنوعة. ولقد تعاونت الحركة في تلك المرحلة مع الخيرين من أفراد المجتمع الصومالي ومع مؤسسات مجتمعه المدني، ومع كل الذين يرفضون العنف ويقاومون أسبابه، ومن أبرز أعماله: المصالحة التي اشتهرت بمصالحة العاصمة عام 1999 والتي أدت إلى وفاق عام بين القوى المتناحرة في مقديشو آن ذاك، ومهدت لمبادرة السلام التي قادها السيد إسماعيل عمر جيلي رئيس جمهورية جيبوتي.
فتجربة النظام العسكري ماثلة أمامنا، حيث استخدم القوة والقمع ضد الشعب الصومالي فترة طويلة، فكانت النتيجة ثورة شعبية عارمة أسقطت النظام ودمرت الدولة ومؤسساتها وحضارة الشعب الصومالي معا. أما الحرب الأهلية فحدث عنها ولا حرج، إن كل الذين شاركوا فيها خلال العقدين الماضيين يدركون حقيقة جرائمها وويلاتها المروعة، ونتائجها الخائبة، وخسارتها المدوية، هذه هي التجارب الحديثة في الصومال.
وانطلاقا من فهمنا للإسلام، واستفادة من التجارب المحلية والعالمية، وحفاظا على مصالح شعبنا الأبيّ، ومحاولة لتضميد جراحاته العميقة الناجمة عن الحرب الأهلية، وصونا لحرمة دمائه وأمواله وأعراضه، فإننا نرى أن أي طرف يبيح لنفسه استخدام القوة لتحقيق أغراضه السياسية فإنه يعمق آلام هذا الشعب المنكوب.
إدراكا بأهمية الدولة وفداحة الخسائر الناتجة عن غياب سلطتها فإن الحركة جعلت من أولى أولوياتها بذل كل جهد ممكن لبناء الدولة الصومالية، وإعادة هيبتها، والقيام بدورها، بالتنسيق مع كافة الأحزاب والتنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني، ومع الدول الصديقة والشقيقة، لأن حماية مصالح الشعب وثرواته البرية والبحرية ومكتسباته الحضارية، وكل ما يتعلق بسيادة الدولة وحقوقها المشروعة لا يمكن تحقيقها بدون وجود سلطة قوية تؤدي واجباتها نحو الأفضل تجاه شعبها وتجاه المجتمع الدولي، وترفض الحركة كل الجبهات القبلية والفكرية المسلحة التي تسعى إلى تحقيق أغراضها بالعنف مثل حركة الشباب والحزب الإسلامي.
تؤمن الحركة بأهمية مؤسسات المجتمع المدني في حياة الصوماليين إذ أنه يمثل الرئة التي يتنفس بها المجتمع فترة الفراغ السياسي وفقدان الخدمات الاجتماعية. ولولا هذه الجهود المباركة في مختلف مجالات الحياة مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء لضاعت المصالح كلية. ونعتقد أن دوره في المستقبل يتعاظم أكثر فأكثر لأن مساهماته في التنمية المستديمة عنصر حيوي لتقدم المجتمع وسلامة المشاريع النهضوية، بل يساعد دور الحكومات في التنمية، كما أنه يعتبر لبنة مهمة لبناء الحريات وصيانتها، ورفض الاستبداد مستقبلا.
إن التغيير المنشود هو تغيير تراكمي يبدأ من بناء الفرد وتنشئته تنشئة سليمة مستمدة من تعاليم ديننا الحنيف وقيمه السامية، ويمتد إلى المجتمع من خلال جهود مركزة ومتواصلة من أجل خلق بيئة ومجتمع تسود فيه الاستقامة على منهج الله سبحانه وتعالى والعدالة والمحبة والإنتاجية، وتختفي في ساحاته الرذائل والمنكرات، وأسباب التوتر والكراهية والمظالم الاجتماعية والبطالة، كما يمتد التغيير إلى الدولة ومؤسساتها ومرافقها الحيوية، الأمر الذي يحتاج إلى تضافر الجهود وتجميع صفوف الأمة وطاقاتها لتحقيق تلك الأهداف التي تمهد للأمن والاستقرار والرفاهية. وتعالج جراحات الحرب الأهلية ومعاناتها وويلاتها.
إن حركة الإصلاح منذ بروزها في الساحة اعتمدت في برامجها وسياساتها وطروحاتها على الوسائل السلمية والإقناع وتوسيع آفاق التحاور بين شرائح المجتمع وقبول سماع الرأي الآخر مهما اختلفت وجهات النظر وتباعدت المساحات بين الأفكار ولآراء، ويستوي في هذا الأمر كافة المجالات التي تحتاج إلى التغيير الكلي أو الجزئي، كما تستوي فيه المجالات التربوية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفقهية لأنها تقبل الاجتهاد وتعدد الآراء في كل زمان ومكان. إن اختلاف وجهات النظر في مختلف قضايانا عامل قوة وثراء وتنوع وإبداع، والبديل الوحيد لرفض التسامح واللجوء إلى الإقناع والتحاور، هو تكميم الأفواهِ ومصادرة الحرياتِ وتخويف الأفراد وممارسة القمع والإرهاب.
لقد مرت بنا عقود متتالية جربنا بما فيه الكفاية مذاق العنف والاستبداد واتباع سياسة الإقصاء والتهميش والتصرف في حقوق الآخرين حتى فقدنا دولتنا وانهارت حضارتنا وتخلفنا قرونا لا يمكن تعويضها بسهولة، إنها تجربة مّرة فسرت لنا معنى النصوص الواردة في الإسلام، فلا ينبغي التهاون بشأنها، فاستخدام الوسائل السلمية لتحقيق الغايات في مجتمع مسلم لا يختلف في الأمور الجوهرية أمر لا مناص منه إذا أريد أن نعيد حياة كريمة إلى هذا المجتمع مرة أخرى.
الاختلاف واقع في حياتنا البشرية {ولا يزالون مختلفين} رغم الفروق الهائلة بين مسمياتها ونظرة الناس إليها وكيفية التعاطي معها، إذ أنه قد ينشب الخلاف بين شخصين وبين الأفراد في الأسرة الواحدة وبين العشائر وبين الدول والأحلاف، وبشتى الأسباب والذرائع والمبررات. فما نعانيه في هذه الأزمان هو خلاف أوجد جوا من الفتن والتمزق الداخلي وإراقة دماء الأبرياء واستحلال المحرمات وهتك الأعراض، وبمعنى آخر فقد استبيحت الضرورات الخمسة التي جاءت المقاصد الكبرى لشريعتنا الغراء من أجلها، وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال فلقد شملتها الانتهاكات والاعتداءات بصورة فاضحة.
وفوق ذلك كله لجأ المتصارعون منذ الثمانينيات من القرن الماضي وحتى هذه اللحظة إلى القوى الأجنبية وأعداء الصومال لجلب الدعم المادي والسلاح للاستقواء بها، والتأييد لمشروعهم وللتغلب على الطرف الآخر. وحدث تبادل الأدوار بين المتصارعين في هذا الأمر عشرات المرات حيث يقف قائد المجموعة بجانب العدو ويكون ضده بعد مدة قصيرة وينتقل إلى العدو مرة ثانية وثالثة ورابعة، وتلك ظاهرة ملفتة للنظر، ولكنها نمط يتكرر عندما تضعف الشعوب وتفقد قوتها الحقيقية وتلك سيرة أمراء الطوائف وتاريخهم في عصور الانهزام.
والاستقواء بالعدو جريمة لا تغتفر وخيانة ومخالفة في الدين وضياع للوطن ولا يمكن أن تحقق للنصر والغلبة لأي طرف في الصراعات الدائرة في بلادنا. فعلى الجميع أن يبتعد عن العمالة الرخيصة وبيع الأوطان للعدو الغاصب، أو الاستمرار في الحرب الأهلية لإراقة مزيد من الدماء البريئة وتشريد الضعفاء من النساء والأطفال والشيوخ، وإتلاف الممتلكات وهي أمور لا تخدم إلا للعدو المتربص بنا الدوائر.
إن التنمية الشاملة مطلب أساسي للخروج من الوضعية المتردية التي انعكست على كافة جوانب الحياة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية، الأمر الذي أدى إلى شلل سبه كامل في حياة الفرد والمجتمع، ومن أجل ذلك نؤمن بضرورة تضافر الجهود والسعي الدؤوب لخلق برامج ومشاريع تنموية تأمن للفرد الحد الأدنى من الحياة الكريمة وتصون حقوقه المهضومة وتأهله لدور الفاعل والمنتج بدل العاطل عن العمل والمتسكع في الشوارع، ومن دور المشارك في الهدم والتخريب إلى دور المساهم في التنمية والبناء.
وفي الختام تعمل الحركة في كافة مجالات الحياة حسب طاقاتها وإمكاناتها منذ تأسيسها، فالتربية وتنشئة جيل صالح ومصلح في الصومال هدف من أهدافها وهي لا شك تمثل المحورية للمشروع الحضاري وتضمن له الديمومة والاستمرارية. وغني عن القول أنها عملية قد تستغرق عقودا طويلة وتتطلب جهودا متواصلة ومع ذلك فإن الظروف الحالية تجعلها تشارك في السعي الحثيث من أجل اخماد الفتن وإخراج البلاد من لهيبها المتأجج إلى بر السلام عبر المصالحة والوفاق، الأمر الذي تلجأ الشعوب المتحاربة إليها في نهاية المطاف.
فالعنف لا يولد إلا عنفا وتوريث الأحقاد للأجيال المتعاقبة، والتي في أمس الحاجة إلى تغيرات جذرية يقودها روح التسامح والحوار والإقناع بين أبناء المجتمع، ويدعمها التعاون بين مؤسساته وبين حكومته لتحقيق التنمية المنشودة المبنية على قيمنا وإسلامنا وعلى قواعد من المعرفة الهادفة الهادية. وعندها لن نكون بحاجة إلى لجوء أعدائنا ليحلوا مشاكلنا ويطعموا جياعنا ويعلموا جاهلنا ويداووا مرضانا كما هو حالنا اليوم وحال أمثالنا من الشعوب المتخلفة ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) صدق الله العظيم.