اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد استشهادِ عُرُوجَ (1468-1518م) أجمعَ البحّارةُ على تسليمِ القيادةِ إلى خيرِ الدينِ وذلكَ سنةَ 924هـ/1518م. تأثّرَ خيرُ الدينِ كثيراً لاستشهادِ عُرُوجَ مع أفضلِ العساكرِ، علاوةً فقدْ تخلّى عنهُ بعضُ أصدقائِهِ من قادةِ البحّارةِ لشعورِهِم بأنّه لنْ يستطيعَ أنْ يكونَ بديلاً عنْ عُرُوجَ. في الوقتِ نفسِهِ واجهَ موقفاً عصيباً ودقيقاً فقدِ انتفضَ عددٌ من النواحي على حكمِ الأتراكِ بعدَ استشهادِ عُرُوجَ، فثارتْ قبيلةُ زواوةَ بقيادةِ أحمدَ بنِ القاضي، واستغلَّ سلطانُ تونسَ الفرصةَ فأرسلَ طالباً منْهُ أنْ يعترفَ بسلطةِ الحفصيينَ ويخضعَ لهُ، إضافةً لتوقّعِهِ بمسيرِ الإسبانِ إلى الجزائرِ للقضاءِ عليهِ بعدما تمكّنُوا منْ أخيه. اجتمعتْ هذهِ الظروفُ العسيرةُ كافّةً على خيرِ الدينِ وراودتْهُ الفكرةُ بالرحيلِ عنِ الشمالِ الإفريقيِّ والتوجّهِ إلى إسطنبولَ. ولو أرادَ لأمَّنَ لنفسِهِ تقاعداً مريحاً وعملاً في التجارةِ بما تحصَّلَ لهُ منْ مالٍ، لكنَّ إباءَهُ وأنَفَةَ نفسِهِ وعلُوَّ هِمّتِهُ أبتْ عليهِ الاستكانةَ وتركَ الجهاد.
أثناءَ هجومِ الإسبانِ على تِلِمْسانَ تمرّدَتْ تنسُ وشرشالُ مع عودةِ حُكّامِهما القُدامى، وباتَ أحمدُ بنِ القاضي يحرِّضُ الأهالي والقبائلَ لتخلوَ الساحةُ له. إزاءَ ذلكَ وجّهَ خيرُ الدينِ جندَهُ إلى تنسَ وشرشالَ لتأديبهما بينما أجّلَ تأديبَ القبائلِ القويةِ لظروفٍ لاحقةٍ أنسبَ. اتَّبَعَ خيرُ الدينِ سياسةً حكيمةً ما جعلَ العلماءَ يقفُونَ بجانبِهِ، ويعاهدُونَهُ على طردِ الأجنبيِّ منَ البلادِ، كما دفعتْ سياسَتُهُ قسماً كبيراً من الأهالي لمساندِتِهِ وتأييِدِهِ علناً والتخلي عنْ معاداتِه. كانَ ممّا عانى منهُ أيضاً تأمينَ السلاحِ والبارودِ، أمّا أبو حمو الزيَّانيّ فبعدما تسنَّمَ عرشَهُ ثانيةً في تِلِمْسان بعدَ استشهادِ عُرُوجَ مدَّ نفوذَهُ حتى مليانةَ، فغدا بذا على مقرُبَةٍ منَ الجزائرِ.
يذكرُ المؤرخُ "أحمدُ توفيقِ المدنيّ" أنَّ أهلَ الحلِّ والعقدِ اجتمعُوا في الجزائرِ وعرضُوا -بشديدِ إلحاحٍ- على خيرِ الدينِ تولّي الإمارةِ بعدَ أخيه ومواصلةِ جهادِهِ في سبيلِ اللهِ منها، لكنّهُ اعتذرَ وصرَّحَ لهمْ بعزمِهِ على استئنافِ الجهادِ على متنِ البحرِ، وعزمِهِ السفرَ إلى إسطنبولَ يطلبُ منها أسطولاً للجهادِ، فأجابَهُ العلماءُ: "إنّ اللهَ يوجبُ عليك البقاءَ في هذهِ المدينةِ الإسلاميةِ ولايسمحُ لكَ الدينُ بتركِها نهبةً للمفترسِ". نقلَ المؤرخُ التونسيُّ أحمدُ بنِ أبي الضيافِ (03-1874م) ما دارَ بينَ خيرِ الدينِ وبينَ أعيانِ الجزائرِ إذْ قالَ لهُمْ بأنّه: "بقيَ منفرِدَاً دونَ إخوتِهِ.. وقدْ رأيتُمْ ما فعلَهُ بنا صاحبُ تِلِمْسانَ من بني زيّانٍ، واستعانتُهُ علينا بغيرِ ملّتِنَا حتى كفانا اللهُ أمرَهُ، وصاحبُ تونسَ الحفصيِّ لا رأيَ لهُ في نصرتِنَا وإعانتِنَا، وأسلمَنا للعدوِّ بمنعِ البارودِ عنا أثناءّ حملةِ بُجّايَةَ لولا لطفِ اللهِ، فالرأيُ هو أنْ نصلَ أيدينا بالقوةِ الإسلاميةِ -وهو السلطانُ سليمُ خان- ونعتمدَ عليهِ في حمايةِ هذهِ المدينةِ، ولايكونُ ذلكَ إلاّ ببيعتِهِ والدخولِ في طاعتِهِ، بالدعاءِ لهُ في الخطبِ على المنابرِ، وضربِ السكةِ باسمِهِ لنتفيأَ ظلَّ حمايتِهِ..."
هكذا كانَ الواقعُ السياسيُّ المتشرذمُ في شمالِ إفريقيا -كما خبِرَهُ خيرُ الدينِ وعايَشَهُ- هوَ ما فرضَ مدَّ اليدِ للعثمانيين وليستْ شهوةُ أولاءِ للتوسعِ والنفوذِ. أدركَ خيرُ الدينِ بمعاينَتِهِ للواقعِ حاجتَهُ لدولةٍ قويةٍ يُعتَمَدُ عليها وقتَ الشدةِ والضّيقِ، وكانَ آنذاكَ نجمُ الدولةِ العثمانيّةِ يسطعُ أقوى مايكونُ، وحكومتُها أفضلُ منْ يمكنُهُ من خلالِ دعمِها ضمانُ وجودِ دولتِهِ وتقويةِ نفوذِها، فضلاً عن أنّها دولةٌ إسلاميةٌ إطارُها العالمُ الإسلاميُ وتهدفُ لحمايةِ الإسلامِ، لذا قرّرَ الانضواءَ تحتَ حمايتِها. أرسلَ خيرُ الدينِ "حاجي حسين آغا" أحدَ أوثقِ رجالِه إلى السلطانِ سليمٍ الأولَ في إسطنبولَ الذي استقبلَهُ بقبولٍ حسنِ وأكرمَ وِفادتَهُ ومنْ يصحبُهُ منَ البحّارةِ، وبعد مُكثه في الأستانةِ واحداً وأربعينَ يوماً وقبلَ مغادرتِهِ وفي زيارةِ وداعٍ للسلطانِ سليمٍ، سلمه السلطانُ فرمانَ تعيينِ خيرِ الدينِ "بكلربك" (تُلفظُ "بَيْلربَي" بالتركيّةِ العثمانيّةِ وتعني أميرَ الأمراءِ) على الجزائرِ، وبذا غدتِ الجزائرُ ولايةً عثمانيةً كاملةً (كانتْ يومَ ضمّها عُرُوجُ بمنزلةِ قضاءٍ أو سنجقٍ)، ثمّ سلّمَهُ سيفاً مُرَصَّعَاً وخِلعةً مُذَهّبَةً ورايةَ الإمارة. ولمّا أزفتْ ساعةُ الرحيلِ أمرَ السلطانُ أنْ تُبحرَ السفنُ الجزائريةُ بقربِ قصرِ طوبْ قابي (مقرِّ السلطانِ) كي يراها، فقامتْ السفنِ باستعراضٍ بينَ يديْهِ وهي تُطلقُ القذائفَ تحيةً له.
يذكرُ المؤرخون وثيقةً (محفوظةً اليومَ في متحفِ قصرِ طوبْ قابي) عبارةً عن رسالةٍ من سكانِ الجزائرِ على اختلافِ سويّاتِهِم مؤرخةً أوائلَ ذي القعدةِ عامَ 925هـ ما بينَ 26 أكتوبر/تشرينَ الأولِ إلى 3 نوفمبر/تشرينَ الثاني عامَ 1519م كُتبتْ بأمرِ خيرِ الدينِ إلى السلطانِ سليمٍ الأولِ في إسطنبولَ، والغرضُ منها تأكيدُ ربطِ الجزائرِ بالدولةِ العثمانيةِ، وفيها أنَّ خيرَ الدينِ كانَ شديدَ التّوْقِ لأنْ يَمْثلَ بنفسِهِ بينَ يدَيْ السلطانِ ليعرضَ عليهِ شخصياً أبعادَ قضيةِ الجزائرِ، ولكنَّ زعماءَ الجزائرِ توسّلُوا إليهِ البقاءَ ليستطيعَ مواجهةَ الأعداءِ إذا ماتحركُوا، وطلبُوا أنْ يرسلَ سفارةً نيابةً عنه. كانتِ الرسالةُ التي حملتْها البعثةُ موجهةً باسمِ القضاةِ والخطباءِ والفقهاءِ والأئمةِ والتجارِ والأعيانِ وعمومِ سكانِ مدينة الجزائر. ولاشكَّ أنّ موافقةَ الأعيانِ عليها بعدَ كتابتِها منْ قبلِ خيرِ الدينِ باللغةِ العثمانيةِ -المجهولةِ من قبلِهم- دليلُ ثقتِهم بهِ وتوكيلِهِ أمرهِمْ.
بعدَ رجوعِ حسينِ آغا معَ الوفدِ قبِلَ خيرُ الدينِ هدايا السلطانِ سليمٍ باحترامٍ، ثمّ جمعَ ديوانَهُ والأهالي وأعلنَ تبعيّتَهُ رسمياً للدولةِ العثمانيةِ. حلَّ السلطانُ مسألةَ الحاجةِ للسلاحِ، فأرسلَ له ستةَ آلافِ جنديٍّ منهم ألفَيْ اإنكشاريٍّ مسلحينَ بالبنادقِ وعدداً من المدافعِ مع سَدَنَتِها، وعدداً آخرَ من المتطوِّعَةِ، وأعلنتْ الدولةُ تأمينَ نفقاتِ السفرِ للمتطوعةِ الراغبينَ بالذهابِ إلى الجزائرِ للجهادِ، ووعدتهم بالامتيازاتِ التي يحصلُ عليها الإنكشارية. تذكر مراجع أخر عدد الجنود والمتطوعة الذين أرسلهم السلطان أربعة آلاف.
يذكرُ المؤرخونَ أنّ خيرَ الدينِ اتّصَفَ بالحنكةِ السياسيةِ فضلاً عنِ الشجاعةِ والإقدامِِ، فحسنُ تقديرِهِ ورباطةِ جأشِهِ قِبَلَ الأزمات مكنّتاهُ من تحقيقِ أعمالٍ لمْ يُحققْها عُرُوجُ، فلمْ يكُ يُعرِّضُ نفسَهُ للمخاطرَ إلاّ بعدَ درسِها والتمعّنِ فيها وبالحدودِ التي تُرهبُ أعداءَهُ، ولايُقدمُ على أيِّ عملٍ قبلَ أنْ يدركَ أبعادَه ومحصلةََ نتائجِهِ، وكانَ ينْأى بنفسِهِ عن أيِّ خطرٍ لا طائلَ منه، في الوقتِ ذاتِهِ كانَ إذا اتّخذَ قراراً ما عملَ على إنجازِهِ كاملاً فلمْ يعتدْ أنْ يُفرِّطَ في أمرٍ طالما اعتقدَ ضرورتَهُ وفوائدَهُ، وحينما يعزمُ على تنفيذِ خطةٍ أو توجيهِ ضربةٍ فقلّما يستطيعُ أحدٌ آخرُ إدارتَها مثلَه.