اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عادت البابويَّة إلى تخوِّفها من المد الإسلامي في القارة الأوروپيَّة لمَّا تبيَّن أنَّ الدولة العُثمانيَّة رجعت إلى قُوَّتها السابقة على نكسة أنقرة، فقرَّر البابا إيجين الرابع استغلال الثورات القائمة في بلاد الأرناؤوط ليُحاول حشد حلفٍ مسيحيٍّ جديدٍ ضدَّ العُثمانيين، فاستجاب لهُ الملك سيگيسموند، الذي كان ينزلُ بِضيافته آنذاك في مدينة روما، بعد أن تقلَّد تاج لومبارديا الحديدي وأصبح ملكًا على إيطاليا إلى جانب البلاد الكثيرة التي كان يحكمها، وكان ما يزال يُملي نفسه بِإخراج المُسلمين من أوروپَّا، أو تحجيم النُفُوذ العُثماني على الأقل. لِذلك، عاد إلى تحريض قيصر الصرب وأمير الأفلاق على الدولة العُثمانيَّة، كما راسل أمير القرمان إبراهيم بك بن مُحمَّد وعقد معهُ اتفاقًا سريًّا بأن يُهاجم العُثمانيين في الأناضول في الوقت الذي يُهاجمهم فيه المجريُّون والصربيُّون والأفلاقيُّون في الروملِّي. ويُمكنُ تعليل قُبُول الأمير القرماني الدُخُول في اتفاقٍ من هذا القبيل بِرغبته في إعادة الإمارة القرمانيَّة إلى وضعها السابق، حيثُ لم يبقَ لها استقلالٌ فعليّ، بل اضطرَّت إلى التخلِّي عن بعض الأراضي لِلعُثمانيين والخُضُوع لهم. وفي سنة 835هـ المُوافقة لِسنة 1431م، أرسل السُلطان بكلربك الروملِّي سنان باشا مع طائفة الآقنجيَّة إلى بلاد الأرناؤوط لِقمع الثائرين بها، فأغاروا على الإمارات العاصية وأصابوا فيها غنائم وسبي كثير، ثُمَّ عادوا إلى خدمة السُلطان في أدرنة. وفي ذات السنة تُوفي يُوحنَّا كستريو والد إسكندر بك، فضمَّ السُلطان أملاكه إليه، وأرسل إسكندر المذكور واليًا إلى تلك البلاد مكان أبيه، ومعه 5,000 فارس، فعمل إسكندر بك على المُحافظة على العلاقات التي كانت قائمة سابقًا بين والده وجُمهُوريَّتا راگوزة والبُندُقيَّة، ولكن تحت الراية العُثمانيَّة، وبِذلك هدأت أوضاع بعض بلاد الأرناؤوط، والتفت مُراد الثاني إلى ملك المجر وحُلفائه. استشار السُلطان الأُمراء والساسة في الجهاد على المجر قبل أن يستفحل خطرها أكثر من هذا، فاتفقت الكلمة على أن يُرسل أولًا أحدًا من الأُمراء مع طائفةٍ من العساكر لِيستعلم المداخل والمخارج، فعُيِّن لِذلك علي بك بن أفرنوس، وسار في عسكر الروملِّي حتَّى دخل حُدُود بلاد المجر، فلم يظهر المجريُّون لِقتاله ممَّا حمل قسمٌ كبيرٌ من العسكر على التفرُّق لِلنهب والسبي، ولم يبقَ مع علي بك سوى جمعٌ قليلٌ من الجُنُود، فغافلهم سيگيسموند وكبسهم في جمعٍ كبير، ووقعت بين الطرفين معركة قصيرة انكسر فيها العُثمانيُّون، واضطرَّ علي بك إلى الهرب والخلاص، فنجا في جمعٍ قليل، وقتل المجريُّون أكثر من كان معه، وأسروا المُتفرِّقين.
أمضى السُلطان شتاء تلك السنة في أدرنة، وشرع في جمع جيشٍ لِلانتقام من سيگيسموند، وبينما هو مشغولٌ بِذلك حتَّى بلغه هُجُوم إبراهيم بك القرماني على الأراضي العُثمانيَّة بِحُجَّة سرقة حصان. وذلك أنَّ ابن أمير ذي القدريَّة سُليمان بك كان قد هيَّأ فرسًا جيِّدًا من السُلالة التُركمانيَّة المعروفة بِالأصالة والنجابة والحيويَّة وقُوَّة الاحتمال، لِلإهداء إلى السُلطان مُراد، فطلبهُ منهُ الأمير القرماني كي يختصَّهُ لِنفسه، فاعتذر سُليمان بك بِأنَّهُ قد أعدَّهُ لِلإهداء إلى السُلطان العُثماني، فرأى إبراهيم بك الفُرصة سانحة لِفتح باب الحرب بينه وبين العُثمانيين، وأرسل جمعًا من السُرَّاق فسرقوا الحصان، وعلم سُليمان بك بِذلك فأعلم السُلطان مُراد به، فأرسل السُلطان إلى الأمير القرماني يطلب منه إرجاع الحصان، لكنَّ الأمير رفض وأغلظ في الجواب، ثُمَّ أعلن العصيان وسار واستولى على إقليم الحميد، وأسر الوالي إلياس بك الشرابدار، وبلغت هذه الأحداث مسامع السُلطان وهو مُتجهِّز لِلمسير إلى جهاد المجريين. وفي أثناء ذلك بلغه أيضًا أنَّ قيصر الصرب عاد وعصى وانضمَّ إلى سيگيسموند وتوجَّها إلى الأراضي العُثمانيَّة وعاثا فيها، وحاصرا قلعة گورجنيلك، فأرسل السُلطان البكلربك سنان باشا إلى دفع المُهاجمين، وأرسل معهُ جميع أُمراء الروملِّي والآقنجيَّة وأصحاب التيمارات والزعامات. أدرك سنان باشا الجيش المجري - الصربي وقد ضرب الحصار على قلعة گورجنيلك سالِفة الذِكر، فانقضَّ عليهم وقاتلهم قتالًا شديدًا حتَّى كسرهم وأجبرهم على الفرار عبر نهر الطونة (الدانوب)، فغرق منهم الكثير من الجُنُود، ولم يتمكَّن سيگيسموند من عُبُور النهر إلَّا بِمشقَّةٍ عظيمة، فهرب في جمعٍ قليل من قُوَّاته، واغتنم المُسلمون بِغنائم كثيرة.
بعد دفع الصربيين والمجريين، توجَّه السُلطان في سنة 838هـ المُوافقة لِسنة 1435م إلى الأناضول، وتجهَّز لِلمسير إلى مُعاقبة إبراهيم بك القرماني على عصيانه وتحالفه مع القوى المسيحيَّة المُعادية لِلعُثمانيين، فأعدَّ جيشًا عرمرمًا واتحد مع أُمراء ذي القدر، وتوجَّه إلى بلاد القرمانيين. وكان السبب الذي أدَّى إلى اتحاد بني ذي القدر مع العُثمانيين في هذه الحملة، كون القرمانيين قد قاموا، قبل فترةٍ وجيزةٍ، بِالاستيلاء على مدينة قيصريَّة التابعة لِبني ذي القدر، ويُروى أنَّ أمير ذي القدريَّة، ناصر الدين مُحمَّد بك، أرسل ابنه سُليمان سالِف الذِكر، إلى السُلطان مُراد الثاني، وعقد اتفاقًا معهُ على السير سويًّا على القرمانيين. تختلف المصادر في تحديد النتائج المُترتبة على هذه الحملة، فتذكر المصادر العُثمانيَّة بِشكلٍ عام، أنَّ السُلطان مُراد أخذ جميع بلاد إبراهيم بك القرماني بما فيها عاصمته قونية التي أقام بها واتخذها مركزًا لِلعمليَّات العسكريَّة، فهرب إبراهيم بك واحتمى في هضبة «طاش إيلي» في قيليقية، فأتبعهُ السُلطان بِجمعٍ لِتسهيل الطُرق إلى الهضبة المذكورة وإلقاء القبض عليه، إلَّا أنَّهُ بِالنظر إلى تشفُّع زوجة إبراهيم بك، إلعالدة خاتون، التي هي أُخت مُراد الثاني، في الموضوع، أُعيد الأمير القرماني إلى بلاده لِقاء تسليم ابنه لِيُقيم في البلاط العُثماني، والتزامه بِدفع بعض التعويضات. وقيل أيضًا أنَّ إبراهيم بك خاف أن يقع في يد العساكر العُثمانيين الذين يتتبعونه، فأرسل العالم المُتصوِّف «أولو عارف أفندي»، وهو من أحفاد المُلَّا جلال الدين الرومي، إلى حُضُور السُلطان شفيعًا، فقبل السُلطان شفاعته، وردَّ مُلك ابن قرمان إليه؛ بعد استرداد ما أخذه من بلاد الحميد. وقيل كان الشفيع المولى نُورُ الدين حمزة بن محمود القرماني. وبجميع الأحوال، أرسل مُراد الثاني كتاب العهد والأمان إلى إبراهيم بك بِيد المُؤرِّخ شُكر الله بن أحمد بن زين الدين زكي، ثُمَّ عاد إلى بورصة بعد استقرار الصُلح، وأقرَّ إلياس بك الشرابدار على إقليم الحميد. وبناءً على إحدى الروايات فإنَّ مُراد الثاني استرجع مدينة قيصريَّة لِبني ذي القدر خِلال هذه الحملة، لكن على الرُغم من ذلك، يُروى أنَّهُ مع عقد الصُلح بين مُراد الثاني وإبراهيم بك، وجلاء القُوَّات العُثمانيَّة عن وسط الأناضول، فإنَّ سُليمان بن مُحمَّد ذو القدر قد اشتغل فترةً طويلةً بِحصار قيصريَّة، إلَّا أنَّهُ لم يُوفَّق في استرجاعها. ويُذكر أنَّ منطقة آق شهر، التي كانت تتبع الإمارة القرمانيَّة، أُلحقت بِالدولة العُثمانيَّة في هذه الحملة.
تحرَّك مُراد الثاني، بعد انتصاره على القرمانيين، إلى الصرب للانتقام من قيصرها جُريج برانكوڤيچ لِنقض عهده واتفاقه مع المُخالفين. ولمَّت تيقَّن برانكوڤيچ أنَّهُ لا قِبلَ لهُ في مُقاومة العُثمانيين، أرسل أموالًا عظيمة وهدايا جليلة إلى الأُمراء، فشفعوا فيه، وتنازل لِلسُلطان عن المزيد من الأراضي وأعلن خُضُوعه التام مُجددًا. كذلك، عاود أمير الأفلاق ڤلاد دراكول إعلان خُضُوعه وتبعيَّته لِلدولة العُثمانيَّة، وتعهَّد بِالخدمة مع جيشه في الحملات العُثمانيَّة. وبِتلك الصُورة جُرِّدت مملكة المجر من حُلفائها في الأناضول والروملِّي، وبقيت وحيدة. بعد ما قام مُراد الثاني بِتأديب المُتحالفين مع الملك المجري سيگيسموند، وأعادهم إلى الطاعة، قرَّر الانتقام من هذا الملك الذي أصبح وحيدًا، لا سيَّما وأنَّهُ أغار على أطرف آلاجة حصار عند اشتغال السُلطان بِالقرمانيين. لِذلك أرسل السُلطان علي بك بن أفرنوس على رأس عسكر الروملِّي إلى بلاد المجر، والتحق به كُلٌ من جُريج برانكوڤيچ وڤلاد دراكول، وعبروا نهر الطونة (الدانوب) في سنة 840هـ المُوافقة لِسنة 1436م، فوصلوا إلى طمشوار، وأغاروا على إقليم الأردل (ترانسلڤانيا) وغنموا منها غنائم عظيمة، وقتلوا مُقاتلة أهلها، وسبوا الكثيرين منهم، وحاصروا مدينة هرمنستاد وأغاروا على مدينتيّ «مدياش» و«شوسبورغ»، ثُمَّ عاد علي بك إلى أدرنة، بعد خمسةٍ وأربعين يومًا قضاها في الغزو، وهوَّن أمر فتح تلك البلاد عند السُلطان، فأمر الأخير باجتماع العسكر، وسار معهم في شهر ربيع الأوَّل سنة 841هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 1437م، إلى جهاد المجريين، وحضر معه في هذه الغزوة قيصر الصرب وأمير الأفلاق مع عساكر بلادهما، فوصل هذا الجمع إلى حصن زملين المنيع، المُواجه لِمدينة بلغراد، واتخذهُ السُلطان قاعدةً انطلقت منها الحملات العسكريَّة وفتحت ست قلاع مجريَّة، ولم يقدر سيگيسموند على الظُهُور والمُقاومة كونه كان مريضًا يحتضر. ورجع السُلطان بعد ذلك إلى أدرنة عن طريق الأفلاق، وقيل أنَّ تلك الحملات على المجر تمحَّضت بِسبعين ألف أسير.