اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تعرَّضت حيتان العنبر للصيد المُكثَّف طيلة القرون الثامنة عشر والتاسعة عشر والعشرين بفعل الطلب المُرتفع على ما تُنتجه أجسادها من العنبر، والزيوت (التي يُحصل عليها من شحومها). وكانت هذه المُنتجات تُستخدم في صناعة عدد من الكماليَّات من شاكلة: الشموع، والصابون، ومستحضرات التجميل، وزيوت الآلات، وبعض أنواع مواد التشحيم، وزيوت المصابيح، وأقلام الرصاص، وأقلام الشمع، والمواد المانعة لتسرّب المياه، والمواد المُضادة للصدأ، والكثير من المُركبات الدوائيَّة. أمَّا العنبر بالذَّات، وهو مادَّةٌ صُلبة شمعيَّة وقابلة للاشتعال تُنتجُ في معيّ الحوت، فكان يُستخدم كمُثبِّتٍ للعطور.
قُبيل القرن الثامن عشر، كان أهل إندونيسيا الأصليّون هم أكثر الشعوب صيدًا لحيتان العنبر. تقول الأسطورة أنَّه في أوائل القرن سالف الذِكر، حوالي سنة 1712، كان القبطان كريستوفر هاسي يُطاردُ الحيتان الصائبة في بحار الشمال على مقربةٍ من إحدى الشواطئ، فدفعت الرياح بسفينته للجنوح بعيدًا عن الشاطئ، فلقيَ سربًا من حيتان العنبر حيثُ قام بقتل أحدها على الفور. على الرغم من أنَّ تلك القصَّة يُحتمل أن تكون من نسج الخيال، إلَّا أنَّه في غضون ذلك الوقت أخذ صيَّادوا الحيتان الأمريكيّون يُلاحقون حيتان العنبر ويصيدونها. قال القاضي پول دادلي في مقالٍ له من عام 1725 يحملُ عنوان: مقالٌ عن التاريخ الطبيعي للحيتان (بالإنكليزيَّة: Essay upon the Natural History of Whales) أنَّ شخصٌ يُدعى "أتكينز" كان قد أمضى عشر أو اثنا عشر سنة في تجارة مُنتجات الحيتان، كان أوَّل من اصطاد حيتان العنبر حوالي عام 1720 مُقابل ساحل إنكلترا الجديدة.
إنَّ الوثائق التي تُشيرُ إلى صيد حيتان العنبر خلال العقود القليلة الأولى (1709-عقد 1730) من بداية هذه التجارة قليلةٌ ونادرة، مما يُفيد بأنَّ صيدها لم يكن مألوفًا بعد. عوض ذلك كانت المراكب الشراعيَّة تتركَّز في المياه الضحلة لجزيرة نانتوكيت حيث تصطاد الحيتان الصائبة، أو تتجه إلى مضيق دايڤيس لصيد الحيتان مقوَّسة الرأس. بحلول عقد الأربعينيَّات من القرن الثامن عشر، ومع ابتكار الشموع العنبريَّة (قُبيل عام 1743)، أخذت سُفن الصيد الأمريكيَّة تُركّز على صيد حيتان العنبر. تنص مُذكرات بنيامين بانگز (1721–1769) أنَّه اكتشف ثلاثة مراكب شراعيَّة أخرى إلى جانب مركبه الشراعي تُلاحق وتصطاد حيتان العنبر قبالة شاطئ كارولينا الشماليَّة في أواخر شهر مايو من عام 1743. كما يقول أنَّه بعد عودته إلى نانتوكيت في صيف سنة 1744 اكتشف أنَّ الصيَّادون "أحضروا 45 عنبريَّة إلى هُناك في ذات اليوم"، مما يدل على أنَّ صيد الحيتان من قِبل الصيَّادون الأمريكيّون كان قد أصبح في أوجه.
سُرعان ما انتشر صيد حيتان العنبر من الساحل الشرقي للمُستعمرات الأمريكيَّة إلى منطقة تيَّار الخليج، ثمَّ منطقة المُنحدرات الكُبرى، فأفريقيا الغربيَّة (1763)، وجزر الآزور (1765)، وجنوب المحيط الأطلسي (عقد 1770). خلال الفترة المُمتدة بين عاميّ 1770 و1775، كانت مرافئ مُستعمرات ماساتشوستس، ونيويورك، وكونيتيكت، ورود آيلاند، تُصدِّرُ 45,000 برميل من زيوت العنبر سنويًّا، مُقابل 8,500 برميل من زيوت الحيتان. خلال هذا العقد، أخذ البريطانيّون يتحوَّلون إلى صيد حيتان العنبر، مُستخدمين في ذلك طواقم بحريَّة أمريكيَّة كاملة. وبحلول العقد التالي كان الفرنسيّون قد دخلوا هذه التجارة مُستخدمين البحَّارة الأمريكيَّن كذلك. ارتفعت نسبة صيد حيتان العنبر حتى أواسطى القرن التاسع عشر، إذ أنَّ الزيت العنبري كان مطلوبًا بشدَّة للإنارة العموميَّة (إنارة أبراج المنارات مثلًا، حيث استمرَّ يُستخدم في الولايات المُتحدة حتى عام 1862 عندما استُبدل بشحم الخنزير، الذي استُبدل بدوره بالنفط)، ولتشحيم الآلات (مثل تلك المُستخدمة في حلج القطن) التي ظهرت خلال الثورة الصناعيَّة. تراجعت نسبة صيد حيتان العنبر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن انتشر استعمال النفط، وقد أدّى هذا بشكلٍ أو بآخر إلى حماية الحيتان من المزيد من الاستغلال التجاري وسمح لجمهراتها أن تنتعش بعض الشيء. كان صيد حيتان العنبر قد ابتدأ على نحوٍ ضيِّق خلال القرن الثامن عشر، فكانت بضعة مراكب شراعيَّة تُبحر حاملةً معها مركبٌ واحد أو اثنين مُخصصان للصيد، ومع مرور الوقت أخذ حجم أساطيل الصيد يزداد شيئًا فشيئًا، وأُدخلت أحدث السُفن في المصلحة. وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر ازداد عدد الأساطيل بشكلٍ ملحوظ وانتشرت في كافَّة البحار والمُحيطات، فكانت تصيدُ حيتان العنبر في المحيط الهادئ، والمحيط الهندي، وسواحل اليابان وشبه الجزيرة العربيَّة وأستراليا ونيوزيلندا. وقد اشتُهر صيد حيتان العنبر بالخطورة الشديدة، وبالأخص صيد الذكور منها، كونها تستدير لمُهاجمة الصيَّادين وقواربهم إن أصيبت برماحهم، على العكس من مُعظم الحيتان البالينيَّة، وتستخدم في ذلك رؤوسها الضخمة لضرب القارب وقلبه في المياه. لعلَّ أشهر هجومٍ لحوت عنبر على قوارب الصيَّادين كان الهجوم الذي وقع يوم 28 نوفمبر سنة 1820، عندما قام ذكرٌ قيل أنَّ طوله بلغ 25.9 أمتار (85 قدمًا) بضرب سفينة صيد من نانتوكيت تحمل اسم إسكس وأغرقها وقتل أغلب طاقمها البالغ عددهم 21 بحَّارًا، ولم ينجُ منهم سوى 8 بحَّارة. يُعتقد أنَّ هذه الحادثة هي ما أوحى للكاتب هرمان ملڤيل أن يكتب روايته الشهيرة "موبي دك".
بالإضافة إلى مُنتجات أعضاء الحيتان من زيوتٍ وشحوم، كان البحَّارة يصطادون حيتان العنبر للحصول على أسنانها العاجيَّة، وينقشون عليها رسوماتٍ حبريَّة تُعرف باسم السكريمشو. أمَّا لصناعة منحوتةٍ عاجيَّة كاملة فكان النحَّاتُ يحتاجُ إلى حوالي ثلاثين سنًّا من الحوت، وكُلُّ سنٍ من هذه الأسنان (التي يصل طولها إلى 8 إنشات وعرضها إلى 3) مُجوَّفة حتى نصفها، وكما هو حال عاج الفظ، فإنَّ أسنان حوت العنبر مُغلَّفةٌ بطبقتين مُختلفتين، غير أنَّ عاجُ الحوت يتمتَّع بطبقةٍ داخليَّة أكثر سماكة. تراجع فنُّ النقش على أسنان الحيتان بشكلٍ كبير بعد أن توقفت عدَّة بلدان عن صيدها وحبست أساطيلها المُخصصة لذلك خلال عقد الثمانينيَّات من القرن التاسع عشر. أمَّا في الزمن الحالي، فإنَّ قانون الأنواع المُهددة الأمريكي واتفاقيَّة حظر الإتجار بالأنواع المُهددة (CITES)، يمنعان بيع وشراء أسنان حيتان العنبر المُصادة بعد عام 1973 سواء أكانت لا تزال خامًا أم نُقشت عليها رسومٌ.
أصبح صيدُ الحيتان خلال الربع الأوَّل من القرن العشرين أكثر فعاليَّةً من السابق وأكثر أمانًا من الصيد باستخدام القوارب المكشوفة والرمَّاحين. فالبواخر كانت أكثر سُرعةً وأكثر متانةً من السُفن الشراعيَّة، وظهرت مدافع الرماح ذات الرؤوس المُتفجرة لتعفي البحَّارة من النزول في المياه مع الحيتان. وكان صيدُ الحيتان المُعاصر يُركِّزُ على الحيتان البالينيَّة بشكلٍ رئيسيّ، لكن مع تراجع جمهراتها تحوَّل البحَّارة إلى حيتان العنبر مرَّة أخرى، وقد ازداد الطلب على الحيتان الأخيرة بشكلٍ خاص خلال الحرب العالميَّة الثانية، عندما احتاجت المصانع إلى العنبر لتشحيم الآلات الصناعيَّة الحربيَّة العاملة دون توقّف في إنتاج الأسلحة. خلال موسميّ 1941-2 و1942-3، اصطادت السفن النرويجيَّة وحدها ما يزيد عن 3,000 حوت عنبر قبالة سواحل الپيرو. بعد انتهاء الحرب عاد الطلب على عنبر الحيتان ليرتفع بعد أن انتعشت صناعات المواد الكماليَّة مُجددًا. كاد الصيّدُ المُكثَّف أن يؤدّي إلى انقراض الحيتان الضخمة بما فيها حيتان العنبر، إلى أن سُنَّت عدَّة تشريعات دوليَّة ومحليَّة منعت استعمال زيت وشحوم الحيتان في عام 1972. ومنحت اللجنة الدولية لصيد الحيتان حوت العنبر الحماية الكاملة في سنة 1985، لكن اليابان استمرَّت تُلاحق أسرابها وتصيدها في شمال المحيط الهادئ حتى سنة 1988.
يُعتقدُ أنَّ جُمهرة حيتان العنبر العالميَّة بلغت حوالي 1,100,000 حوت قُبيل الشروع في استغلالها تجاريًّا أوائل القرن الثامن عشر. بحلول عام 1880 كانت أعداد تلك الجمهرة قد تراجعت بحوالي 29% تقريبًا، ومُنذ ذلك التاريخ وحتَّى سنة 1946 يظهر بأنَّ الجمهرة أظهرت شيئًا من التعافي بعد أن قلَّ عليها ضغط الصيد. لكن بعد انتهاء الحرب العالميَّة الثانية عادت الجمهرة لتنخفض مُجددًّا وهذه المرَّة بشكلٍ أكبر من الفترة السابقة على الحرب، وتحديدًا بحوالي 33%. يُقدّرُ أنَّهُ خلال القرن التاسع عشر قُتل ما بين 184,000 و236,000 حوت عنبر على يد بحَّارة الأمم المُختلفة المُطلَّة على المُحيطات والتي اتخذت من صيد الحيتان مهنة، بينما في الفترة المُعاصرة قُتل حوالي 770,000 حوت وأغلبها خلال الفترة المُمتدَّة بين عاميّ 1946 و1980.
تُساهمُ حيتان العنبر في تخفيف مستوى الكربون في الجو عبر طرحها لفضلاتها الغنيَّة بالحديد إلى سطح الماء في المُحيط المُتجمّد الجنوبي. يُسبب البراز الغني بالحديد انتعاش العوالق النباتيَّة وازدياد كميَّتها، وهي بدورها تقوم باستنشاق كميَّة أكبر من الكربون. وعندما تموت العوالق الحيوانيَّة تغرق إلى قعر المُحيط آخذةً معها الكربون الجوّي. وبهذا يُمكنُ القول أنَّ صيد الحيتان أدّى إلى رفع مستوى الكربون عبر القضاء على عددٍ كبير من حيتان العنبر قاطنة المُحيط المُتجمّد الجنوبي، ويُقدَّر أنَّ كميَّة الكربون الزائدة التي تبقى في الجو كُلَّ سنة تبلغ مليونيّ طن، والتي كان بالإمكان تفاديها لو تمَّ الحفاظ على الحيتان منذ فترةٍ أبكر.
تُعتبرُ الجمهرات الباقية من حيتان العنبر كبيرةٌ بما فيه الكفاية حتى يُعتبر النوع ككل مُهددًا بالانقراض بدرجةٍ دُنيا عوض أن يكون مُهددًا بدرجةٍ وسطى. غير أنَّ تعافيها من الصيد الذي استمرَّ قرونًا طويلة بطيءٌ للغاية، وبالأخص في جنوب المُحيط الهادئ، حيث كان للصيد أثرٌ مُدمّرٌ على الذكور المُتناسلة الضخمة.