اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان مدّة استتاره بالكوفة يسقي الماء على جَمَل. حدّث يحيى بن الحسين ذي الدمعة قال: سألت أبي عن عمّي عيسى وقلت: يقبح لمثلي ألاّ يرى مثله، فقال: إذا صرتَ إلى الكوفة فاسأل عن دور بني حي، فإذا دُلِلت عليها اقصُد السكّة الفُلانية ـ ووصفها له ـ سترى باباً صفتها كذا وكذا، فاجلس أوّل السكّة فإنّه سيُقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه، قد أثّر السجود في جبهته، عليه جُبّة صوف، يسقي الماء على جمل، وقد انصرف يسوقه، لا يضع قدماً ولا يرفعها إلاّ ودموعه تنحدر، فقُم وسلِّم عليه فإنّه سيذعر منك، فانتسب له ليسكن إليك ويحدّثك، ولا تطل معه وودِّعه، فإنّه سيعفيك من العود، فافعل ما يأمرك به، فإنّك إنّ عُدتَ إليه توارى عنك.
قال يحيى بن ذي الدمعة: لمّا وردتُ الكوفة قصدت سكّة بني حي بعد العصر، حتّى إذا غربت الشمس رأيت رجلاً يسوق جَمَلاً على الصفة التي وصفها لي أبي، فسلّمت عليه وانتسبت له، فسألني عن أهلي واحداً واحداً وأنا اشرح أخبارهم. وممّا حدّثني به أن قال: إنّي أسقي الماء على هذا الجمل، فاصرف نصف ما اكتسبه إلى صاحبه وأتقوّت بالباقي، وربّما عاقني عائق فأخرج إلى البريّة ـ ظهر الكوفة ـ فالتقط ما يرمي به الناس من البُقول فأتقوّت به. وتزوّجت إلى هذا الرجل ابنته وهو لا يعلم مَن أنا إلى وقتي هذا، وقد ولدت لي بنتاً لا تعرفني إلى هذا اليوم، فقالت أمّها: إنّ ابن فلان السقّاء أيسر منّا وقد خطب ابنتك، فزوِّجها منه. وألحّت عليّ، فلم أقدر على إخبارها بأنّ ذلك غير جائز ولا هو بكفء لها فيشيع خبري، فزادت في الإلحاح، ولم أزل استكفي أمرها حتّى ماتت البنت، فما أحد آسى على شيء من الدنيا أساي على أنّها ماتت ولم تعلم موضعها من رسول الله صلّى الله عليه وآله. ثمّ أقسم عليّ أن انصرف ولا أعود، وودَّعَني ومضى، وبعد ذلك صرت إلى الموضع فلم أره فيه.