اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خرج بن حجر من القاهرة عصر يوم الاثنين 23 شعبان سنة 802 هـ، قاصداً بلاد الشام للأخذ عمن بها من الشيوخ والمحدثين والمسندين، وصحبه في هذه الرحلة قريبه الزين شعبان، والحافظ تقي الدين الفاسي، فسمع بالبلاد التي دخلها من بلاد الشام أو التي في الطريق إليها ما لايوصف ولا يدخل تحت الحصر على أمم كثيرة، وكان دخوله إلى دمشق في 19 رمضان سنة 802هـ، فنزل فيها على صاحبه الصدر علي بن محمد بن محمد بن الأدمي، لما كان بينهما من المودة، وأقام بها مائة يوم، آخرها أول يوم من المحرم سنة 803هـ، وكان السبب الرئيسي الذي دعا بن حجر إلى مغادرة بلاد الشام مبكراً، هو تواتر الأخبار بقرب مجئ المغول إليها، فظهر ابن حجر من دمشق -كما تقدم- في أول يوم من سنة 803 هـ، ورجع إلى بلده وقد اتسعت معارفه كثيراً بما أخذه من العلماء، فأقام بها على طريقته في التصنيف والإقراء والإملاء والكتابة، بل لم يهمل سماعه على الشيوخ.
ورغم قصر المدة التي قضاها بن حجر في البلاد الشامية والتي لم تتجاوز مائة يوم إلا أنه أظهر لعلماء الشام وفضلائها حفظاً كبيراً، واغتبطوا به، وشهدوا له بالتقدم في فنون الحديث إلى أعلى رتبة، وعلق في غضون تلك المدة بخطه من الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والتتمات التي يُلحقها في تصانيفه ونحوها ثمان مجلدات فأكثر، وألَّف ترتيبًا على الأطراف لكتاب «الأحاديث المختارة»، للحافظ ضياء الدين المقدسي، جاء في مجلدٍ ضخم سماه: «الإنارة في أطراف المختارة»، قال السخاوي عنه: «لو لم يكن له عمل في طول هذه المدة إلا هي، لكانت كافية في جلالته». كما حصل في تلك المدة مابين قراءة وسماع جملة مستكثرة من الكتب، منها ما يكون في مجلدة ضخمة فأكثر ومنها ما يكون في مجلدة لطيفة، بلغت مجتمعة ما يقارب ألف جزء حديثي.
كان ابن حجر وهو بدمشق قد عزم على التوجه إلى البلاد الحلبية، ليأخذ عن خاتمة المسندين بها عمر بن أيدغمش، فبلغته وفاته، فتخلف عن التوجه إليها، ثم قدر له -بعد دهر- السفر إليها وذلك في سنة 836 هـ وذلك أن السلطان الأشرف برسباي توجه إلى آمد، لدفع أذى التركمان الذين تغلبوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد الغزو التيمورلينكي، لما كثر من إفسادهم، ونهب أموال الرعايا، وقطع الطرق على القوافل، فخرج السلطان بالعسكر المصري ومعه قاضي الشافعية الحافظ بن حجر، ورفقته قضاة المذاهب الثلاثة الأخرى والخليفة داود المعتضد بالله، وكان ابتداء السفر من الريدانية بعد صلاة الجمعة 19 رجب من السة المذكورة، وفي أثناء سفره لم يخل وقته من فائدة على جاري عادته، فسمع وكتب بالبلاد التي مر بها وهو في الطريق إلى الشام الكثير عن رفقته من القضاة والشيوخ المرافقين للعسكر المصري، ووصل الركب إلى دمشق في النصف من شعبان فنزل ابن حجر بالمدرسة العادلية الصغرى، وعقد مجلس الإملاء بجامع بني أمية فحضره جمع وافر من الأعيان والفضلاء والطلبة، وسمع في مدة إقامته في دمشق إلى العشرين من شعبان على من تهيأ له السماع منهم، وعلق بخطه أشياء كثيرة تزيد على مجلدين.
وفي أثناء توجهه إلى حلب، كتب بحمص عن محمد بن محمد بن القواس المخزومي، كما كتب بحماة عن شاعرها التقي بن حجة الحنفي أشياء من نظمه، وعن الشيخ نور الدين علي بن يوسف بن مكتوم الشيباني جزءا فيه عشرة أحاديث من «عشرة الحداد» وغيرها، وكذا عن الشمس محمد بن أحمد بن أبي بكر الحموي بن الأشقر حديثاً من البخاري. وكان دخولهم إلى حلب في الخامس من رمضان سنة 836 هـ، وأقاموا بها خمسة عشر يوماً، حل فيها ابن حجر ضيفاً على العلاء بن خطيب الناصرية قاضي الشافعية بحلب آنذاك، وأخذ عنه أشياء من نظمه، وسمع بها على برهان الدين سبط بن العجمي «الحديث المسلسل بالأولية»، و«مشيخة الفخر بن البخاري» تخريج ابن الظاهري وقد أحضرت له خصيصياً من دمشق لعدم توفرها بحلب يومئذِ، وسمع بعض «عشرة الحداد» على القاضي أبي جعفر بن الضياء والشهاب أحمد بن إبراهيم بن العديم.
وفي أثناء إقامته بحلب كان يذهب إلى ما جاورها من القرى والبلدان للأخذ عمن بها من المحدثين والمسندين والأدباء فسمع بظاهر البيرة من كمال الدين محمد بن البارزي، ورجع مع البدر العيني إلى بلده عينتاب وصليا عيد الفطر بها، وسمع عليه بظاهرها ثلاثة أحاديث، وسمع بمدينتي الباب وبزاعة من الشهاب أحمد بن أبي بكر بن الرسام الحموي شيئاً من أربعين القاضي المرداوي، وسمع على آخرين في بلدان أخرى. ثم عاد إلى حلب، فأقام بها حتى رجعت العسكر المصري في يوم السبت سابع ذي الحجة فرجع معهم ووصلوا القاهرة في يوم الأحد العشرين من المحرم سنة 837 هـ.
وقد حصل في رحلته هذه فوائد ونوادر علقها في تذكرته المسماة «جلب حلب» المحتوية على أبعة أجزاء حديثية، بالإضافة إلى مايزيد على المجلدين مما أنتقاه أو لخصه هناك. كما حدث هناك وعقد مجالس الإملاء بدمشق وحلب، وخطب بالسلطان في وداع السنة بجامع بني أمية، وصلى بالناس صلاة الكسوف بالجامع الكبير بحلب فما سلم إلا وقد انجلت الشمس وغربت. كما نبه أثناء مقامه هناك على فساد مابثه الشمس الفرياني من الأسانيد المختلفة المركبة، فرجع الكثيرون عن الرواية عنه.