اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تعتبر سنة 971هـ المُوافقة لِسنة 1564م بداية عهد جديد في حكم أكبر للهند، ففي هذه السنة كان قد أمسك بيده مقاليد الحكم كلها، وقضى على كل منافسيه. وأدرك من خلال التجارب الماضية التي واجهته في مستهل حياته السياسية أنه لا يمكن أن يحكم بسلام لو ظلت الهند مجموعة من الإمارات الصغيرة المتفرقة والمتناحرة، وأن السبيل الوحيد لإقرار السلام هو إيجاد حكومة مركزية قوية تدير كافة أجزاء الهند، أي العمل على توحيد البلاد وإخضاعها لحكم المغول ويكون هو الحاكم المطلق في بلاد الهند كلها. ولذلك اندفع أكبر في حروب وغزوات متصلة الحلقات حتى سنة 1009هـ الموافقة لسنة 1601م انتهت بتدعيم ملكه وتوسيع رقعة دولته.
عيَّن أكبر مير مُحمَّد خان أميرًا على مالوة بعد أن عزل أدهم خان، ويبدو أنَّهُ نجح كقائدٍ عسكريٍّ، إذ أضاف أراضي جديدة إلى إمارته، فضمَّ ولايتيّ أسير - خاندش وبُرهانفور، إلَّا أنَّهُ ارتكب المجازر بِحقِّ سُكَّانها وجُنُودها، فلمَّا ضمَّ جميع قلاع ولاية أسير قتل جميع العساكر المُرابطة فيها، وأغار على أغلب قصبات وقُرى تلك الولاية ونهبها نهبًا ذريعًا، ولمَّا دخل بُرهانفور أمر بِالقتل العام، وأمر بِإحضار كثير من العُلماء والسادة الأشراف وأطاح بِرُؤوسهم. أثارت هذه الأعمال الوحشيَّة حاكم أسير وبُرهانفور، فتعاون مع باز بهادُر، آخر سلاطين مالوة سالِف الذِكر، الذي كان قد فرَّ إلى هذه النواحي بعد سُقُوط بلاده بِيد المغول، فهاجما مير مُحمَّد خان وأجبراه على الفرار. وقام أثناء فراره بِأعمال التعدِّي على المُمتلكات والأموال في كافَّة المناطق حتَّى شواطئ نهر تربدة الجنوبيَّة، فاجتمع الناس عليه، وما زالوا يُطاردونه حتَّى لقي حتفه غرقًا في النهر وهو في طريقه من مدينة مندو إلى مدينة تربدة، واستقلَّ باز بهادُر بِحُكم مالوة بعد أن طرد منها الأُمراء المغول. لم يركن أكبر إلى الهُدُوء، وهو يرى انسلاخ مالوة عن أملاكه، فأرسل قُوَّةً عسكريَّةً لاستعادتها بِقيادة عبد الله خان أوزبك، وعندما وصل إليها فرَّ باز بهادُر منها إلى تلال كمبالمير مُفضلًا عدم مُواجهة الجيش المغولي في معركةٍ مكشوفةٍ، فلاحقه بعض الجُنُود المغول وقتلوا جماعةً كبيرة من رجاله، فهرب إلى مروار، والتمس المُساعدة من حاكمها المهرانا «أواديسنگة»، وهو من كبار راجوات ولاية ميوار، ويبدو أنَّهُ فشل في استقطابه، فغادرها إلى الگُجرات حيثُ قضى فترةً من الزمن، ولمَّا رأى نفسه وحيدًا، شريدًا وطريدًا، أرسل إلى أكبر يلتمس عفوه مُقابل الخُضُوع له، فوافق السُلطان على التماسه، وفي روايةٍ أُخرى أنَّهُ قبض عليه وسجنه ثُمَّ أطلق سراحه وتُوفي بعد قليلٍ من ذلك، واستعاد أكبر مالوة في سنة 971هـ المُوافقة لِسنة 1564م، وعيَّن عبد الله خان أميرًا عليها.
وحدث أن طمع عبد الله خان بِالمُلك، فأعلن الثورة على أكبر واستقلَّ بِحُكم مالوة، فخرج أكبر بِنفسه لِتأديبه، وعندما وصل قريبًا منها، فرَّ عبد الله إلى الگُجرات حيثُ حصل على دعمٍ من علي قُلي، الذي كان على خِلافٍ مع أكبر، وتعاون الرَّجُلان في الثورة على السُلطان وذلك في سنة 972هـ المُوافقة لِسنة 1565م، مُستغلين انهماك أكبر بِإخضاع ثورة الپُنجابيين وصد هُجُوم أخيه ميرزا عليها. واستولى علي قُلي على قنَّوج وأوده، فأرسل أكبر جيشًا مغوليًّا لِإخماد الثورة، إلَّا أنَّهُ هُزم أمام قوى التحالُف، فاضطرَّ أن يخرج بِنفسه لِإخماد الثورة، فعادة إلى أغرة، على وجه السُرعة، فجمع جيشًا وخرج على رأسه لِمُهاجمة علي قُلي على الرُغم من حُلُول الرياح الموسميَّة مع ما تأتي به في هذه الناحية من العالم من أمطارٍ وسُيُولٍ جارفةٍ وفيضان الأنهار، ووصل إلى شاطئ نهر الگنج، وكان علي قُلي على الشاطئ الآخر مُطمئنًّا إلى أنَّ أكبر لا يستطيع أن يصل إليه في مثل هذه الأيَّام. وعبر أكبر نهر الگنج ليلًا على ظُهُور الفيلة لِعدم وُجُود السُفُن، في ظل مُعارضة أركان حربه لِما في ذلك من المُجازفة، وعبر معهُ عددٌ قليلٌ من الجُند تراوحوا بين عشرة وخمسة عشر رجُلًا، وفاجأ علي قُلي المُتحصِّن في صوبة «قره مانكفور»، الذي كان مُنغمسًا في اللهو والشُرب والطرب. وفي صباح اليوم التالي، أي 1 ذي الحجَّة 974هـ المُوافق فيه 8 حُزيران (يونيو) 1567م، كان بقيَّة الجيش المغولي قد عبر إلى الضفَّة المُقابلة، فطُوِّق علي قُلي على حين غفلة، وفُوجئ بِالمغول يُحاصرونه من كُلِّ جانب. أدرك علي قُلي أنَّهُ فقد السيطرة على الموقف، لكنَّهُ قرَّر القتال حتَّى الموت، فاشتبك مع جُنُوده في معركةٍ ضدَّ المُحاصرين، لكنَّ كفَّة المغول كانت هي الأعلى، فقُتل أغلب جُنُود الثائر، وأُصيب هو بِسهمٍ أسقطه عن صهوة جواده، ثُمَّ انقضَّ عليه فيَّالٌ وسوَّاه أرضًا تحت أقدام فيله. ووقع بهادُر خان شقيق علي قُلي في الأسر، فقُتل بِسعي الأُمراء. ولمَّا انقشع غُبار المعركة وعلم أكبر بِالنصر، سجد سجدة شُكرٍ لله وأرسل البشائر إلى عاصمة مُلكه وسائر البلاد التابعة له، كما قبض على الأشخاص الذين كانوا قد فرُّوا من البلاط ولجأوا إلى علي قُلي.
ابتدأت سلسلة الفتوح بإخضاع الأمراء الراجپوتيين الذين رفضوا الدخول تحت حكمه، فغزا «إمارة گوندوانة»، إحدى إمارات الراجپوت الصغيرة في الإقليم الأوسط من الهند، والممتدة من «رنثنبور» في الشرق إلى «رايسين» في الغرب و«روا» في الشمال حتى حدود «الدكن» في الجنوب. وكانت تحكم هذه الإمارة ملكة هندوسية تدعى «راني درگاڤاتي » نيابة عن ابنها الصغير «بير نرايان»، وقد اشتهر اسم هذه الملكة في التاريخ لاستماتتها في الدفاع عن بلادها. أرسل أكبر جيشًا في سنة 972هـ الموافقة لسنة 1564م لفتح گوندوانة بقيادة «آصف خان»، فبذلت الملكة الحاكمة جهدًا كبيرًا في الدفاع عن إمارتها الصغيرة، وقاومت الجيش المغولي ببسالة، ولكن من دون جدوى. وعندما وجدت أخيرًا أن المقاومة غير مجدية طعنت نفسها وخرت قتيلة، مفضلة الموت على الاستسلام. وحين استبان لابنها الصغير كذلك استحالة الوقوف في وجه آصف خان قائد القوات المغولية آثر تناول السم على الاستسلام لأعدائه، فلحق بأمه. وبذلك تم إخضاع گوندوانة وضمها إلى أملاك السلطنة.
الواقع أنَّ من أسباب عداء الأوزبك والأفغان لِأكبر هو تقرُّبه من الصفويين في إيران، المُعادين لِأهل السُنَّة والجماعة، وما أُشيع في البلاد الطورانيَّة من أنَّ أكبر ادَّعى الأُلُوهيَّة وأنَّهُ ابتدع دينًا جديدًا أطلق عليه «الدين الإلٰهي». نتيجة ذلك توقَّف الأوزبك عن إرسال السفارات إلى الهند، رُغم قيام أكبر بِإرسال رسائل عديدة ولم يحصل على أي جواب، ثُمَّ أرسل عبد الله خان أوزبك سفارةً إلى أكبر وهو بالپُنجاب، يرأسها «مير قُريشي» وهو من أكابر قومه، وبِصُحبته هدايا كثيرة ورسالة وديَّة إلى السُلطان المغولي مُعربًا في رسالته عن سبب تأخُّره في مُواصلة إرسال السفارات وفي مُقدِّمتها سماعه أخبار الدين الإلٰهي الجديد واستياءه نتيجة ذلك، وردَّ عليه أكبر بِرسالةٍ جوابيَّةٍ أنَّ التأخُّر غير مُبرَّر وأنَّهُ لا يجب الإصغاء إلى المُغرضين وأصحاب النوايا السيِّئة الذين يُريدون تشويه سُمعة الآخرين، وأنَّ السلامة تقتضي أن يُرسل مبعوثيه لِلتعرُّف على دقائق الأُمُور. كما ذكر أكبر في رسالته أنَّ الأُسرة الصفويَّة تنتسب إلى آل بيت الرسول مُحمَّد، ولا يُمكنهُ أن يجعل اختلاف مذهبهم سببًا لِلهُجُوم عليهم وينسى العلاقات القديمة القائمة بين دولته والدولة الصفويَّة، التي استقبلت والده همايون عندما كان في أمس الحاجة إلى حُلفاء وأصدقاء، ونبَّه عبد الله خان أن لا يذكر الشاه الصفوي (عبَّاس بن مُحمَّد خُدابنده آنذاك) بِسُوءٍ مرَّة أُخرى. لكنَّهُ عاد وأكَّد في رسالته على الروابط التي تجمع بين مغول الهند والأوزبك، وأنَّهم يرجعون لِأُصُولٍ مُشتركةٍ، وختم رسالته بِالبيت الشعري التالي (بِالفارسيَّة):
وتعريبه: طالما نُصادق بعضنا البعض، نكونُ برًّا وبحرًا آمنين من الفتنة والشر. والحقيقة أنَّ أكبر كان خِلال هذه المرحلة من حياته يُبطنُ عقيدته في نفسه، بعد أن لم يعد واثقًا من نفسه عن مكان الحقيقة بِفعل ما شاهده في مملكته من كثرة الطوائف والملل والنحل، وبِفعل نشأته على حُب الاستطلاع وعادته في جمع جُملة من المشايخ والعُلماء ومُناقشتهم في مسائل الدين، وكثيرًا ما كان هؤلاء العُلماء والفُقهاء يصمون بعضهم البعض بِالكُفر في حُضُور السُلطان، حينما يشتد النقاش بينهم، وكان منهم فئة من عُلماء السوء الذين كانوا يتهافتون على مُغريات الحياة ويجمدون على ما وجدوا عليه شُيُوخهم وآبائهم. أضف إلى ذلك، كان لِمُصاهرة أكبر لِلهندوس وتقرُّبه منهم، وولادته من أُمٍّ شيعيَّةٍ وتأثُّره أثناء حداثته بِتوجيهات مُربيه ووزيره بيرم خان الشيعيّ وتقريبه العُلماء الشيعة، أمثال السيِّد فتح الله بن هبة الله الشيرازي والشيخ مُبارك بن خضر الناكوري وولديه أبي الفضل وأبي الفيض، بِالإضافة إلى عدم تلقِّيه تعليمًا دينيًّا راسخًا في صغره يعصمه من الزلل؛ كُل ذلك دفعهُ إلى التحوُّل والخُرُوج عن الإسلام وعرَّضهُ لِلاتهام بِالإلحاد والزندقة. هكذا بدأ أكبر يُفكِّرُ في إيجاد دينٍ جديدٍ يجمع فيه أبناء دولته ويقضي على ما يُفرِّقهم، واعتقد في قرارة نفسه أنَّهُ شُعاع الله وفيضٌ منه، باعتبار أنَّ الملكيَّة نورٌ مصدره الله، ويُحتمل أنَّهُ تأثَّر بِالتيَّارات الدينيَّة القائمة في الهند آنذاك، والقائلة بِأنَّ على رأس الألف الثانية الهجريَّة سيظهر المهدي المُنتظر أو ينزل المسيح عيسى ابن مريم لِيُعيد العدل إلى الأرض بعد أن مُلئت ظُلمًا وجُورًا، فاعتبر أنَّهُ أكثر الناس حقًا في أن يكون ظل الله على الأرض كونه أعرفهم وأعلمهم بِالمذاهب وأقدرهم على توجيه أُمُور الرعيَّة لِما فيه الخير.
كان أكبر قد أمر بِإنشاء «دارة العبادة» أو الـ«عبادت خانه» سنة 983هـ المُوافقة لِسنة 1575م، وهي مُنتدى لِلمُناقشات والمُجادلات الدينيَّة طويلة النفس، ودعا الفُقهاء والعُلماء، من أهل السُنَّة والشيعة، لِلحُضُور إلى هذه الدارة مساء كُلَّ خميس ومُناقشة المذاهب الإسلاميَّة المُختلفة في حضرته، بِهدف التقريب بينها واستنباط مذهبٍ واحد، ولكنَّ هذه المُناقشات لم تُؤدِّ إلى النتيجة المرجُوَّة، بل على العكس، وسَّعت الشقَّة بين المذهبين السُنِّي والشيعي حتَّى أخذ العُلماء والفقهاء يصمون بعضهم البعض بِالكُفر كما أُسلف. عند ذلك سأل أكبر الحاضرين عن من يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينيَّة الواجب اتباعها إذا اشتدَّ الخلاف بين الفُقهاء، فتقدَّم الشيخ مُبارك بن خضر الناكوري وقال أنَّ السُلطان يكون صاحب هذا الحق. وتنفيذًا لِهذا الاقتراح كُتب محضرٌ تضمَّن إعلان أكبر «إمامًا عادلًا»، ووقَّعهُ العُلماء والفُقهاء في شهر رجب سنة 987هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) 1579م، وقد وضعت هذه الوثيقة السُلطة الدينيَّة كُلُّها في يد أكبر، فأضحى بِذلك السُلطان الروحي على رعاياه إلى جانب سُلطاته الزمنيَّة، وبِالتالي فإنَّهُ سلب العُلماء هذا الحق، ولم يعد لهم أن يتدخَّلُوا في شُؤون الحُكم. وخطا أكبر خُطوةً أُخرى في سبيل توحيد الأديان، فدعا الهندوس والنصارى والبوذيين والبراهمة والجاينيين والمجوس إلى الاشتراك في المُناقشات الدينيَّة، لكنَّ جهوده كُلِّها ذهبت أدراج الريح، وتقاذف الزُعماء الروحيُّون المُختلفون المُجتمعون في دارة العبادة بِأبشع التُهم والشتائم، وعلى الرُغم من سُخريته من هؤلاء جميعًا، فقد راح أصحاب كُل دينٍ يدعيه بِدوره لِنفسه في غير تورُّع ولا استحياء. وأخيرًا هدت أكبر قريحته، بِمُعاونة وزيره أبي الفضل وأخيه أبي الفيض، إلى ابتكار دينٍ جديدٍ يتألَّف من كُلِّ ما هو حسن في سائر الأديان والمذاهب، على وجهٍ يقضي فيما ظنَّهُ لِلوُصُول إلى السَّلام والأمن، وشدَّد في اعتقاده هذا ما شاع في الهند مع نهاية القرن العاشر الهجري من أنَّ البعثة النبويَّة المُحمَّديَّة كانت خاصَّة الألفيَّة الأولى، ممَّا يلزم قيام دينٍ جديدٍ مع بداية الألفيَّة الثانية. وفي شهر جُمادى الأولى 987هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 1579م ترأَّس أكبر الصلاة محل الإمام في المسجد الجامع بِفاتح پور، وبعد أن فرغ من الصلاة قال: «الله أكبر» مُعلنًا بِذلك أنَّهُ مُشارك لِلطبيعة الإلٰهيَّة، ثُمَّ أعلن عصمته أمام الناس وطلب من جميع العُلماء والأُمَّة جمعاء أن يأتمُّوا بِهديه ورأيه، ومن لم يمتثل خسر أمواله ومُقتنياته، واستوجب الهلاك الأبدي، فالسُلطان هو نائب الله على الأرض ويُنبُوع النِّعم. سمَّى أكبر هذا الدين الجديد «الدين الإلٰهي» (بِالفارسيَّة: دین الهی؛ وبِالأرديَّة: دین الٰہی)، ودمج فيه بعض المبادئ الإسلاميَّة بِمُعتقداتٍ هندوسيَّة وبراهميَّة ومسيحيَّة ومجوسيَّة وجاينيَّة، فأعلن أنَّ الله واحدٌ أحد، وأوصى بِتقديس الشمس والنار كما الهندوس والمجوس، وأنكر الوحي والجن والملائكة والحشر والنشر وسائر المُغيَّبات، كما أنكر المُعجزات، وجوَّز التناسُخ وحرَّم ذبح البقر، وحلَّل أكل لحم الخنزير، وحرَّم عادة السُتي أي حرق الأرملة نفسها مع جُثَّة زوجها، وبدَّل شهادة «لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله» بِشهادة «لا إله إلَّا الله أكبر خليفة الله». وفي سنة 1582م فرض أكبر هذا الدين على الناس، فمنع رفع الآذان والصلاة في المساجد، وحثَّ أتباعه على هجر التقليد، ويعني به الإسلام، وأمر بِأن لا يُقرأ من العُلُوم بِالعربيَّة سوى الفلك والرياضيَّات والطب والفلسفة، ومنع الناس من إطلاق بعض الأسماء الإسلاميَّة على أولادهم مثل أحمد ومُحمَّد.
كان أكبر يطمع في ضم الإمارة الچكيَّة في كشمير بِفعل ما تتمتَّع به من جوٍّ جميلٍ ومناظر ساحرة وأرضٍ خصبة، وكانت آنذاك تحت حُكم يُوسُف شاہ الچكِّي، فاتخذ من مُعاملة الأخير القاسية والشديدة لِرعاياه الهندوس ذريعةً لِيُهاجمه ويضم بلاده إليه، فأرسل قائديه، ميرزا شاهرُخ والراجا بهجوانداس، لِقتال الأمير الكشميري في سنة 994هـ المُوافقة لِسنة 1586م، ولكنَّ الثلج والبرد أعاقهما عن إتمام فتحها وإن كان حاكمها قد عقد الصُلح على أن يُرسل ولديه إلى بلاط أكبر لِيكونا رهينة، وتجنَّب هو الذهاب بِنفسه. لم يقبل أكبر هذا التصرُّف من يُوسُف شاہ الچكِّي وقد أراد أن يضمّ كشمير إلى أملاكه، فأرسل جيشًا آخر بِقيادة مُحمَّد قاسم خان لِإخضاعه، فشدَّد الضغط عليه حتَّى أجبرهُ على إعلان خُضُوعه، ودخل الجيش المغولي مدينة سري نگر عاصمة البلاد الكشميريَّة، وأعلن يُوسُف شاه دُخُوله في خدمة أكبر، فأكرمه الأخير هو وابنه يعقوب الذي كان قد استأنف المُقاومة ثُمَّ هُزم واستسلم، فعيَّن كُلًّا منهما في وظيفة «منصبدار». وضُمَّت كشمير إلى أملاك المغول وأضحت ولاية من ولاياتهم في الهند، وذلك في سنة 995هـ المُوافقة لِسنة 1587م. وقد زار أكبر كشمير في سنة 997هـ المُوافقة لِسنة 1589م وعهد بِإدارتها إلى عددٍ من القادة من ذوي الخبرة والمقدرة، وأضحت مُنذُ ذلك الحين مصيفًا لِلسلاطين المغول.
كانت المُلتان خاضعة لِحُكم المغول مُنذُ سنة 982هـ المُوافقة لِسنة 1574م، وعهد أكبر بِحُكمها إلى عبد الرحيم خان خانان، وأمرهُ بِاتخاذ الإجراءات اللازمة لِفتح جنوبي السند. والمعروف أنَّ أكبر كان قد أخضع بهاكاراس، ولكنَّهُ لم يتمكَّن من إخضاع الجُزء الجنوبي. كان حاكم هذه المنطقة آنذاك جاني بك بن مُحمَّد التُرخاني، الذي رفض الدُخُول تحت سيادة المغول واستقلَّ بِحُكمها. خاض عبدُ الرحيم معركتين ضدَّ جاني بك فانتزع منهُ حصنيّ «تهتَّة» و«سهوان» وأجبرهُ على الاستسلام في سنة 1000هـ المُوافقة لِسنة 1592م، بعد أن ضيَّق عليه الحصار وقطع عنهُ المُؤمن لِدرجةٍ دفعتهُ ورجاله إلى أكل لُحُوم الخُيُول والإبل، فحملهُ إلى أكبر الذي عفا عنه وعيَّنهُ أميرًا على تهتَّة، وخلفهُ بعد وفاته ابنه غازي بك.
خلال أحدث السند، استقلَّ «قُطلوه خان اللوحاني» بِحُكم أوريسَّة في سنة 998هـ المُوافقة لِسنة 1590م، واتَّخذ لِنفسه لقب «قُطلوه شاه» لِلدلالة على استقلاله بِالأمر. وقُطلوه خان المذكور هو أحد القادة العسكريين في جيش داود خان بن سُليمان الكرَّاني، الذي كان يحكم أوريسَّة بِصفته نائبًا لِلسلطنة المغوليَّة، لكنَّهُ استقلَّ بها خلال شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1575م بعد أن اضطرَّ الجيش المغولي لِلانسحاب منها إثر تفشِّي وباء الطاعون في رُبُوعها، فعاد أكبر وأرسل إليه جيشًا آخر بِقيادة حُسين قُلي بك اشتبك معهُ في معركةٍ طاحنةٍ يوم الخميس 16 ربيع الآخر 984هـ المُوافق فيه 12 تمُّوز (يوليو) 1576م، وهزمه هزيمةً شنعاء، وساقهُ إلى أكبر الذي أمر بِإعدامه. وهكذا بقيت أوريسَّة في حوزة المغول إلى أن أشهر قُطلوه خان العصيان، فأرسل إليه أكبر أمير بيهار الراجا مانسينگه لِحربه وإخضاعه، وقبل أن يشتبك الطرفان في قِتالٍ تُوفي قُطلوه خان، فخلفه ابنه نزار خان الذي وقع عليه عبء الدفاع عن الإمارة، فاشتبك في قتالٍ خفيفٍ مع القُوَّات المغوليَّة قبل أن يستسلم نتيجة التفاوت في القُوَّة، فاعترف بِتبعيَّته لِلمغول يوم 14 شوَّال 998هـ المُوافق فيه 15 آب (أغسطس) 1590م، ودفع ما ترتَّب على إمارته من أموالٍ مُتأخرة، فأعادهُ السُلطان إلى حُكم تلك البلاد. وعندما فرغ أكبر من ضم السند، عاد نزار بن قُطلوه لِإشهار العصيان، فثار وحاول الاستيلاء على مُقاطعتيّ پوري وجگنَّة، فتصدَّى لهُ الراجا مانسينگه وهزمهُ في معركةٍ يوم 7 رجب 1000هـ المُوافق فيه 18 نيسان (أبريل) 1592م، على مقرُبةٍ من بلدة «مدنافور»، وطرده من البلاد، وسيطر على مُجمل أوريسَّة، التي أمر أكبر بِضمِّها إلى صوبة البنغال، فأضحت جُزءًا من الدولة المغوليَّة مُنذ ذلك التاريخ، واستمرَّت كذلك حتَّى سنة 1164هـ المُوافقة لِسنة 1751م عندما انتزعها المهراتيُّون.
عيَّن أكبر في شهر جُمادى الآخرة 1003هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) 1595م مير مُحمَّد معصوم البكھري لِفتح بلوشستان، وتقع هذه البلاد إلى الشمال من دولته، وكانت تحت حُكم الأفغان الپارنيين، وذلك تمهيدًا لِانتزاع قندهار من الصفويين. تمكَّن أكبر من إقناع عشرات زُعماء قبائل البلوش من خلع طاعة الأفغان والقُبُول بِتبعيَّتهم لِلمغول، فيما وجَّه مير مُحمَّد معصوم سالِف الذِكر لفتح بلاد الزُعماء الذين لم يقبلوا بِذلك. هاجم القاد المغولي حصن «سيبي» الواقع شمال غرب مدينة كويته، فاستسلم صاحبه وبقيَّة زُعماء القبائل، واعترفوا بِسيادة أكبر عليهم، وتوجَّهوا إلى بلاطه مُعلنين خُضُوعهم. نتيجةً لِهذا، ضُمَّت بلوشستان بما فيها جميع المناطق ذات الأهميَّة الاستراتيجيَّة في مكران إلى الدولة المغوليَّة، وأضحى المغول يُحيطون بِقندهار من ثلاث جهات. كان أكبر يُمنِّي النفس، مُنذُ أمدٍ بعيد، بِاستعادة إقليم قندهار من الصفويين، كونه يُشكِّل مفتاح الطريق إلى حُدُوده الشماليَّة الغربيَّة. وكانت قندهار تتبع مغول الهند في الأصل، لكنَّها وقعت تحت سيطرة الصفويين بِقيادة الشاه طهماسب بن إسماعيل قبل نحو ثلاثين سنة، وطُرد منها حاكمها المغولي. ولمَّا كان أكبر حريصًا على عدم مُعاداة الصفويين بِسبب مُعاونتهم والده ولِأنَّ والدته فارسيَّة شيعيَّة، فإنَّهُ غضَّ النظر عنها حتَّى حين، ثُمَّ عمل على ضم السند وبلوشستان ممَّا مهَّد الطريق أمامه لِاسترداد الإقليم المذكور، وانتهز فُرصة انهماك الشاه عبَّاس بن مُحمَّد خُدابنده بِحُرُوبه مع العُثمانيين والأوزبك، واندفع بِقُوَّاته إلى هذا الإقليم، وكان حاكمه مُظفَّر حُسين ميرزا على خِلافٍ مع الصفويين ويخشى خطر الأوزبك، لِذلك ارتمى في أحضان أكبر وطلب منهُ إرسال أحد قادته لِتسلُّم الإقليم، فأرسل «شاه بك»، فتسلَّم قندهار من دون حرب، وعيَّن مُظفَّر حُسين في وظيفة منصبدار وأميرًا على سمبهال. كما زوَّج أكبر حفيده خُرَّم مُحمَّد بِابنة مُظفَّر حُسين المدعُوَّة «قندهاري بيگم». وبِضمِّ قندهار سيطر أكبر على كامل شماليّ الهند ووسطها باستثناء جُزء من ميوار، وأضحى لهُ مملكةً واسعة الأرجاء تمتد من آخر حُدُود البنغال الشرقيَّة إلى ما وراء جبال الهندوكوش وأرض كابُل وغزنة وقندهار في الغرب، ومن جبال الهيمالايا في الشمال إلى نهر نربدا في الجنوب. ومن الجدير بِالذكر أنَّ ضم قندهار لم يُعكِّر صفو العلاقات المغوليَّة - الصفويَّة، فتتابع تبادل السفارات بين أكبر والشاه عبَّاس، لكنَّ ميزان القُوى مال لِصالح المغول.
بعد السيطرة على الشمال والوسط، التفت أكبر إلى التوسُّع باتجاه الجنوب حيثُ الممالك الإسلاميَّة الخمس التي قامت على أنقاض الدولة البهمنيَّة في الدكن، وكان يطمع دائمًا في ضمِّها إلى دولته وتوحيد الهند كُّلُّها تحت حُكمه، وهي: الدولة البيداريَّة في بيدر، والدولة القطبشاهيَّة في گُلكُندة، والدولة العادلشهايَّة في بيجافور، والدولة النظامشاهيَّة في أحمد نگر. وكانت الدُول سالِفة الذِكر في تنافُسٍ دائمٍ وعداءٍ مُستمرٍّ ما خلَّف أجواء مُناسبة لِلتدخُّل الخارجي. وكان صاحب أحمد نگر مُرتضى نظام بن حُسين شاه قد أغار على إمارة برار في سنة 980هـ المُوافقة لِسنة 1572م وضمَّها إلى مُلكه، فقويت بِذلك شوكته وأضحى يُشكِّلُ قُوَّةً خطيرة. وقامت في شمال هذه