اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان ليوناردو في زمنه ذائع الشهرة حتى أنَّ ملك فرنسا حمله معهُ من إيطاليا وكأنَّه غنيمةُ حَرْب، ويُزْعَمُ أن الملك وقفَ إلى جانبه في شيخوخته وحمله بين ذراعيه لحظة ما وافته المنيَّة. وما زالت الجماهير تصطفُّ في الوقت الحاضر لمشاهدة تحف ليوناردو الفنية، كما تطبعُ رسومه الشهيرة على الكثير من القمصان ويشيدُ بعبقريته العديد من الأدباء ويتحرُّون عن حياته الشخصية، بل ويتنافسون في تخمين معتقدات وآراء رجلٍ بمثل منزلته.
حازَ ليوناردو تقديراً كبيراً من رسَّامين ونُقَّاد ومؤرّخين، وممَّا يدلّ على ذلك كثرةُ ما كُتِبَ عنه من مدحٍ وتبجيل، فقالَ عنهُ بالداساري كاستيليوني في عام 1528 (وهو مؤلّف كتاب رجل البلاط الذي يتحدَّثُ عن صفات رجل البلاط المثالي): «... وهو كذلك من أعظم الرسَّامين في عالمنا، فليسَ لهُ مثيلٌ في هذا الفنّ»، كما يقول عنه كاتب السير الذاتية أنونيمو غاديانو في نحو عام 1540: «عبقريته من النُّدْرَة والشّمول بحيث يحقّ لنا القول أن الطبيعة صنعت معجزةً فيه»." ويقول جورجو فازاري في نسخةٍ من كتابٍ عن التراجم (عنوانه "سير الفنَّانين") في فاتحة فصلٍ مُخصَّصٍ لليوناردو:
طلعت موجة تقدير جديدة لعبقرية ليوناردو في القرن التاسع عشر، فكتبَ عنه الفنان هنري فوسيلي في سنة 1801 قائلاً: «وهكذا بزغَ فجر الفنّ الحديث حينما خطى إلى الساحة ليوناردو دا فينشي ببهاءٍ علا به عمَّن سبقهُ من الموهوبين: بهاءٌ تجتمعُ فيه مكوّنات العبقرية كافَّة». ويتّفق معه في ذلك ما كتبه إيه. إي. ريو سنة 1861 عن ليوناردو: «ارتقى عن سائر الفنَّانين بعُمْق عبقريَّته ونُبلها». وفي نفس هذه الفترة كانت كتب ولوحات ليوناردو قد نالت شهرةً كبيرةً في أرجاء أوروبا، فكتب الناقد الفرنسي إيبوليت تين في سنة 1866: «لعلَّه ليس في عالمنا مثالٌ آخر على عبقريةٍ بهذا التعدّد في مجالاتها واللانهائية في تطلُّعاتها والدقة في طبيعتها والتفوّق على زمانها وعلى مئات السنين بعده». وكتب مؤرّخ الفن برنار برنسن في سنة 1896: «من حقّنا أن نقول عن ليوناردو وحده من سائر الفنَّانين وبالقصد الحرفي: أن ما من شيءٍ لمستهُ يدهُ إلا وتأصَّلَ فيه جمالٌ خالد، فسواءٌ أكان رسماً لجُمجمة أم مكوّنات عشبةٍ ضارَّة أم تشريح عضلةٍ فإنَّ خطوط ريشة ليوناردو ونوره وظِلَّه تُحوِّلُهُ إلى تحفةٍ تضجُّ بالحياة».
وبقيَ الاهتمام منصباً على عبقرية ليوناردو دا فينشي دون كلل، فانكبَّ الخبراء يدرسون مؤلِّفاته ويترجمونها ويحلّلون لوحاته بتقنياتٍ علمية ويتجادلون في أيِّ منها رسمتها يداهُ وأيُّها نُسِبَت إليه زوراً، ويهيمونَ بحثاً عمَّا سُجِّلَ من لوحاته التي لم يعُدْ لها أثرٌ معروف. وكتبت ليانا بورتولون عنه في سنة 1967 قائلة: «أُفْعِمَ ليوناردو باهتماماتٍ متنوِّعةٍ حثَّتهُ على التبحُّر في كلّ فرعٍ من فروع المعرفة الإنسانية، ولهذا فهو يعتبرُ عن جدارةٍ ألمع وأشمل العباقرة كافّة بمعنى الكلمة ... مضت خمسة قرونٍ على وفاة ليوناردو، وما زلنا هاهُنا نُفكِّرُ فيه بذهول». ونشر المؤلف والتر إيزاكسون كتاباً عن سيرة ليوناردو دا فينشي في سنة 2017، واستقى هذه السيرة من بحثٍ في آلاف المدخلات بيوميَّات ليوناردو وكذلك من دراسة ملاحظاته وتخطيطاته ورموزه وتأمّلاته، ويعتبره إيزاكسون أعظم مخترعٍ قط.
أطلق متحف اللوفر في باريس احتفالاً لإحياء الذكرى الخمسمائة على وفاة ليوناردو بين شهر نوفمبر 2019 إلى فبراير 2020، فافتتح أكبرٍ معرضٍ تجتمعُ فيه أعمال ليوناردو في التاريخ كُلِّه وضمَّ فيه أكثر من 100 لوحةٍ ورسمٍ ودفتر يوميات. واجتمعت في المعرض 11 لوحةً أكملها ليوناردو في حياته، منها خمس لوحاتٍ يملكها اللوفر، على أن الموناليزا لم تكُن متضمَّنة بسبب الطلب الهائل عليها لدى زوَّار متحف اللوفر. وأما لوحة الرجل الفيتروفي فعُرِضَت فيه، لكن ذلك لم يأتِ إلا بعد معركة دعاوى قضائية مع مالكها، وهو متحف معارض الأكاديمية في البندقية، كما أن لوحة سالفاتور مندي لم تكُن متضمَّنةً لأن مالكها (وهو من المملكة العربية السعودية) لم يوافِقْ على تأجيرها.